​تتغنى السلطة التي جثمت على صدور السوريين واحتلت دمشق بدعم مباشر من نظام أردوغان وأقبية الاستخبارات الاستعمارية، بشعارات جوفاء حول “إعادة الإعمار” و”استعادة السيادة”. لكن حقيقة الميدان الاقتصادي والبيئي تكشف وجهاً استعمارياً متوحشاً وممنهجاً؛ حرباً لا تكتفي بنهب المصانع، بل تمتد لتقتلع جذور الحياة من الأرض، في مخطط إبادة شامل يستهدف تحويل سوريا الشام من حضارة منتجة إلى أرض قاحلة تابعة لا تملك قوت يومها ولا مقومات وجودها.
​إن ما يجري ليس مجرد “أزمات عابرة”، بل هو استنزاف بنيوي يطال كل ركن من أركان الدولة السورية.
​أولاً: من تفكيك الصناعة إلى نهب التاريخ.. جريمة العصر
​لم يكتفِ الاحتلال التركي وعصابته الملحقة في دمشق بسرقة مصانع حلب العريقة وتفكيك آلاف الخطوط الإنتاجية وشحنها علانية على متن الشاحنات إلى الداخل التركي؛ بل انتقلوا إلى جريمة اقتلاع التاريخ نفسه.
​لقد شهدنا بأم أعيننا –والمشاهد لا تزال تحرق القلوب– كيف تُقتلع أشجار الزيتون المعمرة، تلك الشواهد الحية على تجذر الإنسان السوري في أرضه، ليتم تحميلها في شاحنات ونقلها “كغنيمة” إلى الأراضي التركية، في عملية محوٍ منهجي للهوية الزراعية والوجدانية للريف السوري. إنها ليست مجرد سرقة لموارد، بل هي محاولة لإلغاء وجود الفلاح السوري واستبدال ارتباطه بأرضه بالتهجير والقهر.
​ثانياً: سلاح المياه والحرائق.. “سياسة الأرض المحروقة”
​لم تتوقف أطماعهم عند سرقة ما فوق الأرض، بل امتدت لتدمير ما عليها عبر أدوات الجريمة المنظمة:
​إغراق القرى وقتل المواسم: بعد فتح سد أتاتورك، استُخدمت المياه كسلاح استراتيجي لتدمير المزارع السورية. لم يكن “فيضاناً” بقدر ما كان إغراقاً متعمداً للمساحات المزروعة والقرى، الهدف منه ليس فقط تدمير المحاصيل، بل ضرب الأمن الغذائي وإجبار الناس على النزوح القسري، ليخلو الميدان للمستعمر وأدواته.
​حرائق الساحل المفتعلة: وما إحراق المساحات الخضراء الشاسعة في الساحل السوري إلا حلقة من مسلسل “الأرض المحروقة”. إن تدمير الغطاء النباتي وإحراق غاباتنا هو عمل تخريبي متعمد يهدف إلى كسر شوكة المناطق التي حافظت على صمودها، وتحويل جنان سوريا الخضراء إلى مساحات قاحلة يسهل التحكم في مواردها أو الاستيلاء عليها لاحقاً.
​ثالثاً: اقتصاد التبعية.. المستودع البشري المهشم
​في ظل هذه السياسة التكاملية بين السلطة القائمة في دمشق والاحتلال التركي، يُدفع الشعب السوري إلى زاوية حرجة:
​السوق الاستهلاكية المفتوحة: بعد نهب المصانع، وإغراق الأراضي، وحرق الغابات، لم يبقَ أمام السوري إلا الاستيراد. لقد تحولت سوريا إلى “مستودع بشري” مستهلك للبضائع التركية والصينية، بينما مُنعت من إنتاج رغيفها أو غزل ثوبها.
​الانزلاق نحو التهميش: إن الهدف النهائي لهذه “الجريمة الكبرى” هو كسر إرادة المجتمع. حين تفقد العائلة السورية مصنعها (عملها)، وتفقد شجر زيتونها (ذاكرتها)، وتفقد أرضها (أمنها الغذائي)، لا يبقى أمامها إلا التشرذم أو التبعية لرحمة المانحين أو لفتات الوسطاء التابعين للاحتلال.
​رابعاً: لماذا يتسابقون في تدمير سوريا الشام؟
​إن إصرار هذه السلطة، برعاية أردوغانية واستعمارية، على نحر القطاع الصناعي والزراعي والبيئي ليس عبثياً. إنهم يعلمون أن سوريا الشام تظل عصية على التدجين طالما بقيت تمتلك مقومات الاكتفاء الذاتي.
​ضرب العصب الاقتصادي: من خلال سرقة المصانع (النسيج)، ومحو الذاكرة (الزيتون)، وتهديد الأمن (المياه والحرائق)، يسعون لتفتيت النسيج الاجتماعي السوري بالكامل.
​تحويل سوريا إلى مزرعة تابعة: يريدون سوريا بلا مصانع، بلا أشجار، وبلا قرار؛ مجرد مساحة جغرافية خاضعة للمصالح الإقليمية، لا تملك القدرة على النهوض، بل تتسابق فقط على البقاء.
​الخلاصة
​إن نهب مصانع حلب، واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة، وإغراق القرى بالسدود، وإحراق الغابات، ليست حوادث منفصلة، بل هي مخطط متكامل لإعدام هوية سوريا الشام الاقتصادية والبيئية. إن السلطة التي تدعي الحكم في دمشق ليست سوى واجهة هزيلة لعصابة تتشارك مع الاحتلال في جريمة كبرى بحق الأرض والإنسان.
​فليعلموا أن هذه الجرائم، مهما بلغت قسوتها، ستبقى محفورة في وجدان السوريين، شاهدة على خيانة لم يسبق لها مثيل، ومحفزاً لا ينطفئ لحتمية التحرر من هذا الاحتلال وأدواته، واستعادة حقنا في أرضنا التي كانت -وستبقى- قلعة للإنتاج والكرامة، رغماً عن أنوف الغزاة وسارقي الزيتون والمصانع.