​طالما سعت المؤسسات الرسمية في واشنطن والعواصم الغربية إلى تسويق الرواية الرسمية التي تصوّر تنظيم “داعش” بوصفه ظاهرة عفوية وليدة الفراغ الأمني والعقائدي في الشرق الأوسط. غير أن تسريبات منظمة “ويكيليكس” التاريخية، وما أكده مؤسسها جوليان أسانج مراراً، كشفت عن الطبقات العميقة للزيف السياسي، مسلطة الضوء على الحقيقة الصادمة: إن تنظيم داعش لم يكن سوى مشروع جيوسياسي هندسته وأشرفت على ولادته إدارة باراك أوباما وهيلاري كلينتون، بالتنسيق الكامل والتمويل المباشر من قوى إقليمية رئيسية على رأسها السعودية وقطر، لتحقيق أهداف استراتيجية محددة في قلب العالم العربي.
​البوصلة المسربة: رسالة هيلاري كلينتون إلى جون بوديستا كدليل دامغ
​تُعد رسالة البريد الإلكتروني الشهيرة التي أرسلتها وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، هيلاري كلينتون، إلى مستشارها المقرب جون بوديستا، بمثابة “الدليل القاطع” على التورط المؤسسي الأمريكي المباشر في رعاية وصناعة هذا التنظيم.
​”يجب أن نستخدم أصولنا الدبلوماسية والاستخباراتية للضغط على حكومتي قطر والسعودية، اللتين توفران دعماً مالياً ولوجستياً سرياً لداعش (ISIL) وجماعات متطرفة أخرى في المنطقة.”
​هذا النص الصريح لا يعكس مجرد “معرفة استخباراتية”، بل يمثل إقراراً موثقاً من أعلى هرم الدبلوماسية الأمريكية بأن واشنطن كانت على دراية كاملة بل ومشاركة فعالة في إدارة هذا التمويل وتوجيهه. إن الإدارة الأمريكية لم تكن عاجزة عن وقف هذا الدعم، بل كانت تراه أداة وظيفية قابلة للاستخدام لتحقيق غايات استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز الاعتبارات الإنسانية والأمنية المعلنة.
​جوليان أسانج: كشف زيف “الحرب على الإرهاب”
​لقد أظهر جوليان أسانج شجاعة استثنائية في تعريته للوجه القبيح للمؤسسة السياسية الأمريكية. من خلال نشر الوثائق السرية، أكد أسانج أن الإدارات المتعاقبة في واشنطن، وتحديداً حقبة أوباما-كلينتون، استخدمت الجماعات المتطرفة كـ “بيادق” على رقعة الشطرنج العالمية.
​عندما يخرج أسانج ليؤكد أن المراسلات السرية تثبت تورط واشنطن والرياض ودوحة في تأسيس ورعاية داعش، فإننا أمام شهادة حيّة من شخص دفع ثمن حريته ثمناً لكشفه هذه الحقائق. لم يكن أسانج يطلق مجرد اتهامات سياسية عابرة، بل كان يعتمد على أرشيف ضخم من الوثائق الرسمية التي أثبتت أن ما يُسمى بـ “الحرب على الإرهاب” لم يكن سوى غطاء لإعادة هندسة الشرق الأوسط وتفتيت دوله الوطنية.
​تقاطع المصالح: هندسة الفوضى الخلاقة
​إن تأسيس داعش لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمصالح مشتركة التقت فيها الرؤية الأمريكية مع الطموحات الإقليمية لبعض الأطراف:
​إسقاط الدولة الوطنية: كان الهدف الأساسي لواشنطن في عهد أوباما هو إسقاط الأنظمة التي تقف حجر عثرة أمام المشروع الغربي في المنطقة، وقد وُجد في التنظيمات المتطرفة القوة الضاربة لتحقيق هذا الغرض دون تكبد خسائر بشرية أمريكية مباشرة.
​إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية: استغلت الأطراف الداعمة (الولايات المتحدة، السعودية، وقطر) ورقة التنظيمات المتطرفة لتقسيم الدول وإضعافها طائفياً وعرقياً، بما يخدم مصالح الهيمنة الغربية وأمن إسرائيل.
​التوظيف السياسي للتهديد: خلق تنظيم بهذا القدر من الوحشية وفرعاً للإرهاب المبرر أعطى الذريعة الدائمة لتواجد القواعد العسكرية الأمريكية، والتدخل المستمر في شؤون المنطقة، وابتزاز الدول إقليماً ومادياً.
​المسؤولية التاريخية والأخلاقية لإدارة أوباما وكلينتون
​لا يمكن فصل صعود داعش عن السياسات الكارثية والممنهجة التي قادتها هيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية، بدعم مطلق من الرئيس باراك أوباما. إن التخاذل المتعمد في منع تسليح وتمويل هذه الجماعات، بل وتسهيل وصول السكان والأموال والمرتزقة إلى ساحات القتال في سوريا والعراق، يعكس تورطاً مباشراً لا لبس فيه.
​لقد قامت هذه الإدارة بصناعة “البعبع” الذي استخدمته لاحقاً كذريعة للتدخل، في حلقة مفرغة من صناعة الأزمات وإدارتها. إن دماء ملايين الأبرياء، وموجات النزوح الهائلة، وتدمير التراث الإنساني والحضاري في الشرق الأوسط، تقع مسؤوليتها المباشرة على عاتق من هندسوا هذا المشروع في واشنطن وعواصم التمويل الإقليمي.
​ سقوط الأقنعة وضرورة المساءلة
​إن تتبع خيوط المؤامرة عبر وثائق ويكيليكس وتصريحات أسانج يضعنا أمام حقيقة لا تقبل الشك: إن داعش هو منتج استخباراتي-سیاسی متكامل الأركان، شاركت في تأسيسه ورعايته إدارة أوباما وكلينتون بالتحالف مع قطر والسعودية. إن محاولات طمس هذه الحقائق أو التغطية عليها باتت مستحيلة في عصر تتكشف فيه الوثائق يوماً بعد يوم. إن الاعتراف بهذا التورط المباشر هو الخطوة الأولى نحو تفكيك سرديات التضليل الغربي، وفهم الأسباب الحقيقية وراء المآسي التي تعيشها شعوب المنطقة حتى يومنا هذا.

د. نبيلة عفيف غصن