مقدمة: انفصام الواقع اللبناني
يشهد لبنان اليوم مشهداً سوريالياً بالغ القسوة والوضوح، يعكس عمق الهوة السحيقة بين نابض الأمة الحي على خطوط الجبهات، وبين ركود المنظومة السياسية والرسمية في أروقة الحكم. فبينما يسطر أبطال المقاومة أروع ملاحم البطولة والفداء في الميدان، يمرغون أنف العدو الصهيوني بالتراب ويحبطون أهدافه الاستراتيجية، تطل علينا الحكومة ومجلس النواب بقرارات وتشريعات تكشف عن حجم الانفصال عن تضحيات الدماء الزكية، بل وترقى إلى مصاف الطعنات في ظهر الوطن والمقاومة معاً.
هنا تتجسد المفارقة المرة: نربح في الميدان.. ويتفاشلون في السياسة.
أولاً: الميدان.. حيث تُصنع السيادة بمداد الدماء
”إن ما يقدمه المجاهدون الأبطال على ثغور الجنوب ليس مجرد دفاع عن مساحة جغرافية، بل هو حراسة لكرامة الأمة جمعاء، وإسقاط مدوٍ لمشروع الهيمنة الصهيوأمريكية.”
عجز العدو المطلق: عجز الجيش الصهيوني المدجج بأحدث ترسانات القتل عن تحقيق أي إنجاز حقيقي سوى ارتكاب المجازر بحق المدنيين، بينما تتهاوى ألويته أمام ضربات المجاهدين الباسلة.
سقوط الأوهام: كل محاولات التقدم أو فرض الشروط سقطت وتهشمت على صخرة الإرادة الصلبة للمقاومة، التي أثبتت أن موازين القوى الحقيقية تُصنع بالوعي، والإيمان، والجهاد، وليس بالأوراق الدبلوماسية المرتجفة.
ثانياً: طعنات الداخل.. عفو عن القتلة وتكميم للأفواه
بينما تقف بيئة المقاومة شامخة، تتلقى الصدمة تلو الأخرى من قرارات رسمية صادرة عن مؤسسات يفترض أنها تمثل الدولة، لكنها تبدو في كثير من الأحيان مقطوعة عن نبض الشعب والشهداء:
.1 مرسوم العفو العام المشبوه: إن الحديث عن أو إصدار مراسيم عفو تشمل الإرهابيين وقتلة الجيش اللبناني وقوى الأمن هو استخفاف بدماء الشهداء العسكريين والمدنيين، ومكافأة لمن عبث بأمن الوطن واستقراره. كيف يمكن لمن يرفع شعار سيادة الدولة أن يشرعن العفو عن مجرمين استباحوا دماء أبناء المؤسسة العسكرية والأبرياء خدمة لأجندات خارجية هدامة؟
.2 قانون الإعلام وتجريم الرأي: في محاولة بائسة لفرض هيمنة الصوت الواحد وتكميم الأفواه الحرة، يتحرك البعض نحو قوانين إعلامية قمعية تجرم الآراء السياسية المعارضة لسلطة الأمر الواقع السياسية والمالية. إن استهداف حرية التعبير، وتحديداً الأصوات التي تقف إلى جانب المقاومة وتفضح فساد المنظومة وتبيّن تبعيتها، يعكس رعب السلطة من الحقيقة وخوفها من محاسبة الشعب.
ثالثاً: قراءة في ثنائية “النصر الميداني والخيبة السياسية”
إن بيئة المقاومة لا تفاجأ بهذا التباين، فهي تدرك تماماً طبيعة الطبقة السياسية التي طالما عانت من إدمان الارتهان والاستسلام للدوائر الخارجية. لكن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في أن الاستحقاقات داهمة، والعدو يستغل هذه الثغرات الداخلية للتعويض سياسياً عما عجز عن تحقيقه عسكرياً.
محاولة سرقة الانتصار: تدرك المنظومة السياسية أن صمود المقاومة وانتصارها في الميدان يعني بالضرورة سقوط مشروعهم السياسي والاقتصادي القائم على التبعية. لذلك، يسعون جاهدين عبر القوانين الملتوية ومراسيم العفو وتكميم الأفواه إلى إعادة ترميم نفوذهم المتهالك.
الانفصام عن المصلحة الوطنية: بينما يقدم أبناء بيئة المقاومة الغالي والنفيس، بيوتاً مدمرة ودماءً زكية في سبيل عزة لبنان ومنع استباحته، ترتفع أصوات في السلطة تبحث عن مكاسب ضيقة أو رضوخ لإملاءات السفارات.
خاتمة: الكلمة للميدان.. والوعي هو السور المنيع
إن معادلة “نربح في الميدان ويتفاشلون في السياسة” لن تؤدي إلا إلى حقيقة واحدة: دماء الشهداء وعرق المجاهدين أطهر وأعظم من أن تهزمها حبر قوانين جائرة أو قرارات مشبوهة.
ستبقى بيئة المقاومة واعية، ترفض الظلم والاستبداد الداخلي بقدر ما تقاوم الاحتلال الخارجي. إن الخيبات السياسية والتشريعات العرجاء لن تزيد الأحرار إلا صلابة، ولن تطمس نور النصر الذي يبنيه المجاهدون بدمائهم الطاهرة على حدود الوطن. التاريخ لن يرحم المتواطئين، والمستقبل يصنعه من يحملون أرواحهم على أكفهم، لا من يجلسون خلف المكاتب لصياغة صفقات العفو والتكميم.
د. نبيلة عفيف غصن
