في تاريخ الدولة وسيادتها، لا تُقاس موازين القوى فقط بضخامة الجيوش أو وفرة الموارد الاقتصادية، بل بالقدرة على اختراق مراكز القرار وصياغة الإرادة السياسية للأمم من الداخل. إن قراءة آليات النفوذ والتأثير لم تعد مجرد ترف تحليلي لمتابعة السياسة الخارجية الأمريكية، بل هي مدخل مفاهيمي وفكري لفهم كيف تُصادر إرادات الشعوب وكيف يُعاد توجيه بوصلة الدول عبر مؤسسات تُطوّع الأطر الدستورية والقانونية لحساب مشاريع وتوازنات أجنبية. وفي هذا السياق، تقف لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) كأنموذج لمرحلة تعيد فيها الآلات المالية والضغط المنظم تشكيل مفهوم “المصلحة الوطنية”، مفسحة المجال لسؤال السيادة الجوهري: كيف يُصنع القرار السياسي حين تتداخل الحدود بين الحق الدستوري والوكالة الأجنبية؟
1. تحول الاستراتيجية: من الضغط التشريعي إلى “الردع المالي”
تتجاوز “أيباك” كونها مجرد جماعة ضغط تقليدية؛ إنها إحدى أكثر الآلات التنظيمية والانتخابية تعقيداً وفاعلية في تاريخ السياسة الأمريكية الحديثة. فمنذ تأسيسها عام 1951، لم تكتَفِ المنظمة بالعمل الدبلوماسي والمؤسسي لتعزيز التحالف بين واشنطن وتل أبيب، بل صممت نموذجاً تشريعياً وانتخابياً جعل الدعم الأمريكي لإسرائيل ركناً ثابتاً في السياسة الخارجية للكابيتول هيل، بصرف النظر عن هوية الحزب الحاكم.
غير أن التحول الأبرز في مسار المنظمة يتجلى في انتقالها الاستراتيجي من ممارسة الضغط السياسي من خلف الأبواب المغلقة إلى الدخول المباشر والعلني في المعارك الانتخابية، عبر إغراق الاقتراع الداخلي للأحزاب بالأموال لتحديد شكل الخريطة التشريعية في واشنطن:
التمويل المباشر ولجان العمل السياسي: عبر ذراعها السياسي الفائق United Democracy Project (UDP)، أصبحت المنظمة توظف عشرات الملايين من الدولارات لدعم المرشحين الموالين لرؤيتها، أو لإسقاط الناقدين للسياسات الإسرائيلية خلال الانتخابات التمهيدية للأحزاب.
بناء الإجماع الحزبي (Bipartisanship): نجحت المنظمة لعقود في حماية التحالف مع إسرائيل من التجاذبات الحزبية التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين، مما جعل نقد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية خياراً مكلفاً سياسياً لأي مرشح.
التشريع والتوجيه: يمتد دور المنظمة إلى المشاركة العملية في إعداد واستصدار مسودات القرارات المتعلقة بالمساعدات العسكرية والتحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
شكلت الانتخابات التمهيدية الأخيرة المحطة الأكثر وضوحاً لاستراتيجية “الردع المالي”، حيث تركز استهداف المنظمة على كسر شوكة الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي المعروف باسم “The Squad” (الفرقة)، إلى جانب التدخل في سباقات الحزب الجمهوري ضد الصوت المعارض للمساعدات الخارجية:
نيويورك – الدائرة 16 (إسقاط جمال بومان): في واحدة من أغلى انتخابات مجلس النواب التمهيدية في التاريخ، ضخت لجنة UDP أكثر من 14.5 مليون دولار لإسقاط النائب التقدمي جمال بومان (Jamal Bowman) — أحد أبرز المطالبين بوقف إطلاق النار في غزة — لصالح منافسه المعتدل جورج لاتيمر (George Latimer) الذي فاز بالمقعد.
ميزوري – الدائرة 1 (إسقاط كوري بوش): استهدفت المنظمة النائبة التقدمية البارزة كوري بوش (Cori Bush) بسبب مواقفها الحادة ضد الدعم العسكري لإسرائيل، حيث ضخت ملايين الدولارات لدعم منافسها ويسلي بيل (Wesley Bell)، مما أدى إلى هزيمتها وخروجها من المجلس.
فرجينيا – الدائرة 5 (الحزب الجمهوري): لم يقتصر التدخل على الديمقراطيين؛ إذ وضعت أيباك النائب الجمهوري اليميني بوب جود (Bob Good) في مرمى استهدافها بعد تصويته ضد حزمة المساعدات الإسرائيلية، ونجحت في إسناد منافسه جون مكغواير (John McGuire) الذي فاز بالمقعد.
إنديانا – الدائرة 8 (إحباط عودة هوستيتلر): أنفقت المنظمة أكثر من 1.5 مليون دولار لمنع النائب الجمهوري السابق جون هوستيتلر (John Hostettler) من الفوز بالترشح، بسبب مواقفه النقذية التاريخية تجاه تل أبيب، وضمنت فوز المرشح المعتمد لديها مارك ميسمير (Mark Messmer).
أثبتت هذه المعارك أن استراتيجية أيباك لا تعتمد بالضرورة على إبراز ملف إسرائيل في الإعلانات الموجهة للجمهور، بل تركز على نقاط الضعف المحلية للمرشحين والتشكيك في ولاءاتهم الحزبية، وهو تكتيك أثبت فاعلية عالية في حشد الناخب المعتدل.
3. الهندسة العكسية للمنع: حظر المقاطعة (Anti-BDS) نموذجاً
لم تقتصر هندسة النفوذ على الانتخابات التشريعية، بل امتدت لتطويق حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها (Anti-BDS) عبر استراتيجية قانونية وسياسية اعتمدت نهج الضغط “من القاعدة إلى القمة” (Bottom-Up Lobbying)، باختراق حكومات الولايات قبل الانتقال إلى واشنطن:
أ. الاختراق عبر مجالس الولايات
بدلاً من الاصطدام بالجمود التشريعي الفيدرالي، ركزت أيباك وحلفاؤها على مجالس النواب المحلية عبر صياغة “مسودات قوانين استرشادية موحدة” صُنفت فيها المقاطعة كـ “تمييز اقتصادي”. وبدءاً من عام 2015، أُقرت هذه القوانين في أكثر من 35 ولاية أمريكية بأغلبية ساحقة عابرة للأحزاب.
ب. الالتفاف على التعديل الأول للدستور
لتفادي صدام صريح مع حرية التعبير المكفولة بدستور الولايات المتحدة، صُممت التشريعات حول صلاحيات الإنفاق الحكومي بدلاً من العقوبات الجنائية:
اشتراطات العقود الحكومية: إلزام أي شركة أو متعهد يُنافس على عقود حكومية بتوقيع وثيقة تتعهد بعدم مقاطعة إسرائيل خلال فترة العقد.
حظر استثمار صناديق التقاعد: منع صناديق التقاعد العامة للولايات من الاستثمار في الشركات الدولية التي تتبنى المقاطعة (كما حدث مع Ben & Jerry’s وUnilever).
ج. التحالفات والترقيع القانوني
ترافق هذا مع إعادة تأطير المقاطعة باعتبارها “عنصرية وتفضيلية”، ودمج تعريف التحالف الدولي لذكار المحرقة (IHRA) في التشريعات المحلية. كما وظفت المنظمة تحالفاً ضخماً مع منظمة “مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل” (CUFI) لحشد القواعد المحافظة. وعندما واجهت القوانين دعاوى قضائية من منظمات الحقوق المدنية (مثل ACLU)، عُدلت النصوص لتقتصر على الشركات والعقود الضخمة، مما حماها من الإبطال الكلي أمام المحكمة العليا.
4. معضلة قانون FARA: ضغط مواطنين أم وكالة عن دولة أجنبية؟
يقف الحراك المناهض لـ “أيباك” عند نقطة قانونية وسياسية حاسمة تتلخص في المطالبة بتسجيلها تحت قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) الصادر عام 1938، وهو النزاع الذي ينقسم فيه الشارع السياسي الأمريكي إلى معسكرين:
حجة المعارضين والنقاد: يرى النقاد أن المنظمة تعمل عملياً كذراع سياسية لحكومة أجنبية داخل واشنطن، بالنظر إلى التطابق التام بين مواقفها والأولويات الأمنية والعسكرية لتل أبيب. ويؤكد هؤلاء أن معافاة المنظمة من التسجيل كـ “وكيل أجنبي” يمنحها امتيازات استثنائية تفلت بموجبها من قيود الشفافية والرقابة الصارمة التي يخضع لها باقي الوكلاء الأجانب.
دفاع أيباك وموقفها الرسمي: في المقابل، تستند “أيباك” إلى التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يحمي حق المواطنين في التجمع والضغط على الحكومة. وتتلخص حجة المنظمة في أنها كيان أمريكي خالص، مُموَّل ومُدار بالكامل من مواطنين أمريكيين، ولا تتلقى توجيهات أو تمويلاً رسمياً من الحكومة الإسرائيلية، بل تعبر عن رؤية شريحة من الناخبين ترى أن أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من المصلحة الوطنية العليا للولايات المتحدة.
5. التداعيات الجيوسياسية: كيف يترجم النفوذ الانتخابي إلى سياسة خارجية في الشرق الأوسط؟
إن النجاح في هندسة النتائج الانتخابية وإقرار التشريعات ينعكس مباشرة على إدارة وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. يُترجم غياب المعارضة داخل الكونغرس إلى قيود هيكلية تُقيد حركة البيت الأبيض والوزارات السيادية، وتجعل البوصلة الإقليمية متطابقة مع الرؤية الإسرائيلية عبر أربعة محاور:
أ. الضمان التشريعي للمساعدات و”التفوق العسكري النوعي” (QME)
يضمن نفوذ المنظمة إقرار مذكرات التفاهم التسليحية وحزم الطوارئ الاستثنائية، إلى جانب تفعيل قوانين ملزمة تفرض ألا تمس أي صفقة سلاح لأي دولة عربية بـ “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل. كما يُحبط هذا النفوذ محاولات ربط المساعدات بملفات حقوق الإنسان أو القانون الدولي.
ب. التضييق على إيران وشل خيارات التهدئة
يقود الأعضاء المدعومون من أيباك تشريعات العقوبات الثانوية المغلظة، ويضعون شروطاً تعجيزية أمام أي إدارة أمريكية تسعى للحلول الدبلوماسية مع طهران. يمتد هذا للضغط لتصنيف القوى المناهضة للهيمنة الإقليمية على لوائح الإرهاب، وفرض عقوبات على المؤسسات الدولية كالأونروا والمحكمة الجنائية الدولية.
ج. إعادة رسم المسار الدبلوماسي الإقليمي
دفع الكونغرس باتجاه ترسيخ “الاتفاقيات الإبراهيمية” وفصل التكامل الإقليمي عن حل القضية الفلسطينية. وبذلك أصبحت المبادرات السياسية التي تدعو لإقامة دولة فلسطينية تصطدم بجدار تشريعي يرفض أي ضغوط على سياسات التوسع الاستيطاني.
د. تقييد مرونة البيت الأبيض واستباق القرارات الرئاسية
يجد الرئيس الأمريكي نفسه غير قادر على استخدام “ورقة الضغط العسكري والمالي” للترويض السياسي، لأن الكونغرس يمتلك القدرة على الالتفاف على قرارات السلطة التنفيذية. كما يضمن هذا التوازن توفير غطاء سياسي وحصانة دبلوماسية كاملة (عبر الفيتو في مجلس الأمن) في المحافل الدولية.
6. التصدعات الهيكلية وآفاق الاستقطاب الداخلي
على الرغم من النجاحات الانتخابية والتشريعية المتتالية التي حققتها “أيباك”، فإن أسلوب عملها الجديد يضعها أمام تصدعات هيكلية غير مسبوقة داخل البيت السياسي الأمريكي:
الانقسام الديمقراطي الجيلي: أدى بروز النواب الشباب والتقدميين إلى كسر حالة الإجماع التاريخية حول إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، وجعل النقد المباشر للتحالف بين واشنطن وتل أبيب أمراً متداولاً ومقبولاً لدى القواعد الشعبية للحزب.
خطر التحزب والاستقطاب: أدى إنفاق أموال متأتية جزئياً من كبار متبرعي الحزب الجمهوري للتدخل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي إلى إشعال غضب الجناح اليساري، وأخرج “أيباك” من دائرة “العمل المتوازن العابر للأحزاب” ليجعلها طرفاً مباشراً في الحرب الداخلية للديمقراطيين.
إن العبرة التاريخية الأهم التي تستوجبها دراسة حالة “أيباك” تتجاوز أروقة واشنطن ومبنى الكابيتول؛ إنها درسٌ كونيّ في مفهوم السيادة الوطنية واستقلال الإرادة السياسية. فلا يمكن لأي دولة -مهما بلغت قوتها العسكرية أو اتسعت هيمنتها الاقتصادية- أن تجسد سيادة حقيقية أو تحافظ على استقلال قرارها إذا ما سمحت لمؤسسات التمويل وجماعات الضغط بارتهان مستقبلها السياسي وتوجيه بوصلتها الوطنية لصالح مشاريع عابرة للحدود. إن الوعي بأساليب التغلغل المؤسسي وتفكيك بنيات النفوذ المالي ليس خياراً ناعماً، بل هو العمود الفقري لبناء دولة السيادة الكاملة؛ الدولة التي تُصنع قراراتها المصيرية في ميادين المصلحة القومية العليا، لا في معتركات الصفقات الانتخابية وأروقة اللوبيات.
د. نبيلة عفيف غصن
