تشهد المنطقة تسارعاً ملحوظاً في حدة المواجهة بين قوات الاحتلال الأمريكي وقوى الردع الوطنية الإقليمية، حيث تجاوزت الاعتداءات الأمريكية الأخيرة قواعد الاشتباك التقليدية لتستهدف العمق السيادي الإيراني في طهران، وخنداب، وخرم آباد، والأهواز. هذا التمادي العسكري يفرض قراءة موضوعية ترتكز على القوانين والمواثيق الدولية، بعيداً عن السرديات الغربية المبررة للعدوان الأجنبي.
من الناحية القانونية والدستورية، يمثل التصدي للاعتداءات الأمريكية تطبيقاً أصيلاً لمفهوم الدفاع الشرعي عن النفس المقر في القانون الدولي. تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على الحق الطبيعي للدول والشعوب في الدفاع عن نفسها فردياً أو جماعياً في حال وقوع هجوم مسلح ضدها. بناءً على هذا المبدأ، فإن الضربات التي توجهها القوى الإقليمية ضد المصالح العسكرية الأمريكية لا تعد عملاً هجومياً، بل هي ردود دفاعية مشروعة تهدف إلى لجم التعديات الأحادية وحماية السيادة الوطنية. في المقابل، تفتقر العمليات الأمريكية الاستباقية إلى أي غطاء دستوري أو قانوني دولي، وتصنف قانونياً كأعمال عدوانية خارقة للسيادة وتعدياً صارخاً على حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وتظهر تجليات هذا الدفاع المشروع في التحول الاستراتيجي لعمليات الردع، والتي لم تعد تقتصر على الأنماط الصاروخية التقليدية، بل امتدت لتشمل تكتيكات نوعية دقيقة. الهجوم الذي استهدف ناقلة النفط بالقرب من مرافئ البصرة العراقية، والذي تكرر لعدد 2 مرة في غضون 48 ساعة عبر استخدام طائرات مسيّرة، يمثل نقلة نوعية في إدارة الصراع وتوجيه الرسائل العملياتية المباشرة.
هذا التكتيك يعيد صياغة معادلة الطاقة الإقليمية بشكل جذري. فبينما كانت الأدبيات العسكرية تركز تاريخياً على سيناريو إغلاق مضيق هرمز كخيار أقصى، أثبتت العمليات الأخيرة قدرة قوى الدفاع الإقليمي على شل حركة تصدير النفط جزئياً وعبر نقاط محددة دون الحاجة إلى خوض مواجهة بحرية شاملة. إن تعليق العراق للعمليات في الموانئ الجنوبية كإجراء احترازي يؤكد نجاح هذا الردع الموضعي في تحقيق ضغط اقتصادي هائل، حاملاً رسالة واضحة بأن أمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن أمن وسيادة شعوب المنطقة.
على الصعيد السياسي الداخلي في العراق، تأتي هذه الرسائل الميدانية لتضع حداً للمحاولات الرامية إلى تطويق القوى الوطنية المسلحة وتجريدها من عناصر قوتها تحت ضغوط وإملاءات أمريكية. تحاول الإدارة الأمريكية دفع السلطات في بغداد إلى تفكيك بنية الدفاع الشعبي التي تشكل صمام أمان للدولة في وجه التهديدات الخارجية. وجاءت أحداث البصرة لتؤكد بلغة الميدان أن التفريط في عناصر القوة الوطنية يعرض الاستقرار الاقتصادي والسياسي للعراق للخطر، حيث يعتمد البلد على تصدير النفط بنسبة تفوق 90% من ميزانيته عبر تلك الموانئ الجنوبية. وبالتالي، فإن الدفاع عن السيادة وحماية القوى الوطنية هما الضمانة الوحيدة لعدم تحول العراق إلى ساحة مستباحة بالكامل للاستغلال الأمريكي.
إن معادلة الردع الجديدة التي أفرزتها طائرات البصرة المسيّرة تؤكد أن سياسة فرض الإرادة العسكرية الأمريكية لم تعد قضاءً وقراراً لا يمكن رده. فالشعوب والقوى الحرة في المشرق تمتلك اليوم من الأدوات اللوجستية والذكاء الميداني ما يمكنها من حماية أراضيها وفرض توازن حقيقي للقوة، مكرسةً مفهوماً جديداً للدفاع الشرعي يتجاوز الحدود التقليدية ويصون المقدرات الوطنية من النهب والعدوان.
المصادر والوثائق المعتمدة
نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالحق المتأصل في الدفاع الشرعي عن النفس.
تسريبات وتقارير فنية من إدارة موانئ البصرة حول تفاصيل الاستهداف والتعليق المؤقت للعمليات، يوليو 2026.
بيانات وزارة الدفاع الإيرانية حول تفعيل منظومات الدفاع الجوي لصد الاعتداءات الأمريكية في محيط العاصمة والمحافظات الغربية، يوليو 2026.
دراسات من معاهد القانون الدولي حول عدم شرعية العمليات العسكرية الاستباقية الأمريكية خارج إطار مجلس الأمن الدولي.
د. نبيلة عفيف غصن
