حين تصبح البيئة طاردة للكفاءات… لماذا تخسر بعض مجاميع المقاومة والأحزاب الإسلامية العراقية نخبها؟

رسول حسين ابو السبح
في عالم المؤسسات، تكاد تكون هناك قاعدة لا يختلف عليها اثنان، المؤسسة التي لا تستثمر في الكفاءات تمضي تدريجيًا نحو الشيخوخة، أما المؤسسة التي تحيط نفسها بالنخب والعقول الشابة فإنها تضمن لنفسها الاستمرار والتجدد، هذه القاعدة لا تخص الشركات والجامعات فحسب، بل تشمل الأحزاب والحركات السياسية، والمنظمات العقائدية، وحتى الحركات المسلحة التي تمتلك مشروعًا طويل الأمد.
لكن عند النظر إلى جزء من مشهد مجاميع المقاومة والأحزاب الإسلامية العراقية، يبرز سؤال يستحق النقاش، لماذا تبدو بعض هذه البيئات طاردة للكفاءات بدلًا من احتضانها؟ ولماذا يشعر كثير من أصحاب الخبرة والاختصاص بأن أبواب التأثير مغلقة أمامهم، بينما تتكرر الوجوه نفسها في مواقع القرار؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك بتضحيات أحد، ولا التقليل من تاريخ أي جهة، وإنما تناقش قضية تنظيمية تمس مستقبل أي مشروع يريد البقاء لعقود، لا لسنوات.
المؤسسات الناجحة في العالم تعتمد على مبدأ واضح، البحث عن أفضل العقول بغض النظر عن انتماءاتها العائلية أو علاقاتها الشخصية، لأن معيار النجاح فيها هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز، أما عندما تتحول معايير الاختيار إلى دائرة ضيقة من الأقارب أو أبناء القيادات أو المحيطين بها، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيًا بإنتاج نسخة مكررة من نفسها، وتفقد القدرة على التجدد.
ويطرح مراقبون سؤالًا آخر أكثر حساسية، هل أصبحت بعض البنى التنظيمية أسيرة “نظام العوائل” أكثر من كونها مؤسسات تبني كوادرها وفق معايير مهنية؟ فإذا صح هذا الانطباع، فإن النتيجة الطبيعية ستكون إقصاء كثير من الطاقات الشابة التي تمتلك العلم والخبرة والقدرة على التطوير، لكنها لا تمتلك شبكة العلاقات التي تفتح لها الأبواب.
الأمر لا يتعلق بالمناصب وحدها، بل بصناعة القرار أيضًا، فالكفاءات لا تبحث دائمًا عن موقع قيادي، وإنما عن مساحة تستطيع من خلالها تقديم أفكارها وخبراتها، وعندما تصطدم هذه الطاقات بجدار من الانغلاق، فإنها تنسحب بصمت، أو تتجه إلى ميادين أخرى، لتخسر المؤسسة عقولًا كان يمكن أن تشكل رصيدًا استراتيجيًا لها.
ولعل المفارقة أن الحركات العقائدية في كثير من دول العالم أدركت منذ سنوات أن الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح صراعًا إعلاميًا وثقافيًا وتقنيًا واقتصاديًا، ولذلك أنشأت مراكز دراسات، واستقطبت الباحثين، واستثمرت في الجامعات، وأفسحت المجال أمام الشباب المتخصصين في مجالات متعددة، لأنها أدركت أن المعركة الحديثة تُحسم بالعقل كما تُحسم بالميدان.
أما عندما يغيب هذا الإدراك، فإن المؤسسة تتحول إلى كيان يدور حول نفسه، يعيد إنتاج الأشخاص أنفسهم، والخطاب نفسه، والأدوات نفسها، حتى وإن تغيرت طبيعة التحديات من حوله.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا، هل تمتلك مجاميع المقاومة والأحزاب الإسلامية العراقية اليوم مشروعًا حقيقيًا لإعداد الجيل الثاني والثالث من قياداتها؟ وهل توجد برامج لاكتشاف المواهب وتأهيلها، أم أن انتقال المسؤوليات يتم ضمن دوائر محدودة لا تسمح بتجديد الدماء؟
إن أي مشروع يربط مستقبله بمجموعة صغيرة من الأشخاص فقط، إنما يربط مصيره بأعمارهم وظروفهم، بينما المشروع الذي يصنع أجيالًا متعاقبة يضمن لنفسه الاستمرار مهما تغيرت الظروف.
قد يكون من الطبيعي أن تحرص أي مؤسسة على الثقة والولاء، لكن الولاء وحده لا يبني مؤسسة قوية إذا لم يقترن بالكفاءة، فالطبيب يُختار لعلمه، والمهندس لخبرته، والإعلامي لمهنيته، والباحث لقدرته على إنتاج المعرفة، لا لاسم عائلته أو قربه من مركز القرار.
إن البيئة الطاردة للكفاءات لا تخسر أفرادًا فقط، بل تخسر مستقبلها، فالموهبة التي تُهمل اليوم قد تتحول غدًا إلى مشروع ناجح في مكان آخر، بينما تبقى المؤسسة التي رفضتها تدور في الحلقة ذاتها، تكرر خطابها، وتستهلك رصيدها البشري دون أن تضيف إليه.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة داخل أي مراجعة تنظيمية، هل المشكلة في ندرة الكفاءات داخل المجتمع العراقي؟ أم في الآليات التي تمنع هذه الكفاءات من الوصول إلى مواقع التأثير؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من أي انتصار مرحلي، لأن المؤسسات لا تُقاس فقط بما حققته في الماضي، وإنما بقدرتها على صناعة المستقبل، والمستقبل لا يصنعه الاحتكار، بل تصنعه العقول التي تجد فرصة للعمل والإبداع، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، وبمعيار واحد لا غير، الكفاءة.