في خطاب حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن رقم صادم يلخص الثمن الذي تدفعه القارة الأوروبية نتيجة النزاع الدائر حول إيران ومضيق هرمز: 90 مليار يورو من التكاليف الإضافية لواردات الوقود الأحفوري منذ اندلاع الأزمة .
رقم يتضاعف بوتيرة متسارعة
لم يأتِ هذا الرقم من فراغ، بل يمثل ذروة تصاعد مطرد وثّقته المفوضية الأوروبية منذ الأيام الأولى للنزاع.
ففي الأسابيع الـ44 الأولى فقط، تجاوزت التكاليف الإضافية 22 مليار يورو، لتتجاوز 27 مليارًا مع نهاية أبريل، ثم قفزت إلى 53 مليار يورو بحلول منتصف يوليو . أي أن الثلاثة أشهر الأخيرة وحدها أضافت نحو 37 مليار يورو إلى الفاتورة الأوروبية، وهو ما يعكس تفاقم الأزمة بدلًا من احتوائها .
اللافت في تصريحات فون دير لاين هو التركيز على مفارقة مؤلمة: أوروبا تدفع أكثر، لكنها لا تحصل على طاقة إضافية. وكما قالت بوضوح: “دفعنا 90 مليار يورو إضافية دون أن نحصل على جزيء واحد من الطاقة الإضافية” .
لماذا هرمز؟ نقطة الاختناق التي تشلّ أوروبا
يكمن جوهر الأزمة في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة .
ومنذ اندلاع النزاع في أواخر فبراير 2026، تحول المضيق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران والقوات الأمريكية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في حركة الملاحة.
وتشير بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن متوسط عدد السفن العابرة للمضيق يوميًا تراجع من 129 سفينة في فبراير إلى 6 سفن فقط في مارس، أي انهيار بنسبة 95% .
ورغم محاولات إعادة فتح الممر جزئيًا، لا يزال العبور أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، إذ لم تسجل سوى 11 سفينة تجارية خلال 24 ساعة في أحدث التقارير، مقابل متوسط 130 سفينة سابقًا .
التداعيات: من كسور تجارية إلى ضغوط تضخمية
لم يقتصر أثر الأزمة على فاتورة الطاقة، بل امتد إلى المؤشرات الاقتصادية الكلية للاتحاد الأوروبي.
ففي الربع الثاني من عام 2026، سجل الاتحاد أول عجز تجاري في السلع منذ الربع الثاني من 2023، بلغ 21.8 مليار يورو . والأكثر دلالة أن العجز في قطاع الطاقة وحده ارتفع من 71.3 مليار يورو في الربع الأول إلى 101.1 مليار يورو في الربع الثاني، أي بزيادة تقارب 30 مليار يورو في ثلاثة أشهر فقط .
هذه الضغوط انعكست بدورها على سياسة البنك المركزي الأوروبي، الذي رفع أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 0.25 نقطة مئوية في سبتمبر، محذرًا من أن “التطورات في غرب آسيا لا تزال تخلق ضغوطًا تضخمية”، مع توقعات بتثبيت التضخم فوق هدف 2% لفترة مطولة . وتشير تقديرات البنك إلى أن متوسط التضخم في منطقة اليورو سيبلغ 3% هذا العام، بينما لن يتجاوز النمو الاقتصادي 0.9% .
استجابة استراتيجية: أوروبا تبحث عن مخرج
في مواجهة هذا الواقع، لم تكتفِ فون دير لاين بعرض الأرقام، بل رسمت اتجاهًا استراتيجيًا واضحًا: تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد أصبح ضرورة وجودية وليس خيارًا بيئيًا.
وقالت: “لا يمكن لأوروبا أن تحافظ على قوتها الصناعية في ظل أسعار طاقة مرتفعة هيكليًا” .وتتمثل الرؤية الأوروبية في مضاعفة حصة الكهرباء من إجمالي استهلاك الطاقة بحلول عام 2040، مع الاعتماد على مزيج من الطاقات المتجددة والطاقة النووية والغاز الحيوي المنتج محليًا .
وتُقدّر المفوضية أن تحقيق هذا الهدف قد يوفّر ما يصل إلى 260 مليار يورو سنويًا من فاتورة واردات الوقود الأحفوري بحلول ذلك الحين .
لكن الطريق إلى ذلك ليس مفروشًا، إذ تتطلب هذه الاستراتيجية تسريع ربط الشبكات الكهربائية، وتوسيع قدرات التخزين، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية، في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطًا شعبية متزايدة لمعالجة أزمة تكاليف المعيشة الفورية.
أفق مفتوح على المجهول
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: متى تنتهي هذه الأزمة؟ الإشارات الأمريكية متضاربة. ففي حين أعلن الرئيس ترامب استعداده للتفاوض مع إيران، قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن الصراع “سيدخل مرحلة مختلفة تمامًا خلال شهرين”، مع تلميحات إلى أن التوقيت مرتبط بانتخابات التجديد النصفي .
وفي المقابل، تؤكد إيران أنها لن تتفاوض حتى تُلبى شروطها، بينما تستعد لثلاثة سيناريوهات محتملة: نهاية الصراع، أو وقف إطلاق النار، أو حرب شاملة .
ما هو مؤكد أن أوروبا تدفع ثمنًا باهظًا للعدوان الأمريكي على إيران. وكما حذّرت فون دير لاين في أبريل الماضي، فإن “عواقب هذا الصراع قد تستمر في الصدى لأشهر أو حتى سنوات مقبلة” . والرقم الذي أعلنته هذا الأسبوع — 90 مليار يورو — قد لا يكون سوى محطة في سلسلة تصاعدية لم تنتهِ فصولها بعد.
