شيّعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اليوم، المناضل والأممي الثوري الكبير كوزو أوكاموتو (أحمد الياباني) في موكبٍ وطني وشعبي مهيب انطلق من مسجد الخاشقجي في العاصمة اللبنانية بيروت، وصولاً إلى مثوى شهداء الثورة الفلسطينية، حيث ووري الثرى إلى جانب قادة ومناضلي الثورة الفلسطينية، في مشهدٍ جسّد معاني الوفاء لمناضلٍ جعل من فلسطين قضية حياته، وكرّس مسيرته للدفاع عن الحرية والعدالة حتى آخر أيامه.

وشهدت مراسم التشييع مشاركة فلسطينية ولبنانية وعربية واسعة، تقدمتها قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، والقوى والأحزاب الوطنية اللبنانية، وشخصيات سياسية ووطنية واجتماعية وثقافية وتربوية، وحشد كبير من أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني، إضافةً إلى أصدقاء الراحل ومناصريه، الذين حضروا لتوديع أحد أبرز رموز النضال الأممي الملتزم بالقضية الفلسطينية.

وتقدّم موكب التشييع حملة الأكاليل وصور الراحل، والفرق الكشفية والموسيقية، وحملة أعلام فلسطين ورايات الجبهة الشعبية، وسط حضور جماهيري واسع عبّر عن مكانة كوزو أوكاموتو في الوجدان الفلسطيني والقومي والأممي، وعن التقدير لمسيرة مناضل لم يعتبر فلسطين قضية تضامن عابر، وإنما قضية إنسانية ونضالية اختار أن يكرّس حياته دفاعاً عنها.

وألقى عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الرفيق مروان عبد العال كلمة الجبهة، أكد فيها أن كوزو أوكاموتو لم يكن غريباً عن فلسطين، بل أصبح واحداً من أبنائها بإرادته الحرة، حين اختار الوقوف إلى جانب شعبها في مواجهة الاحتلال، وجعل من الدفاع عن الحق والحرية قضية وجود لا تحددها الجغرافيا أو الجنسية.

وأشار عبد العال إلى أن الراحل جسّد المعنى الحقيقي للأممية الثورية، بعدما جاء من أقصى الشرق حاملاً ذاكرة شعب عرف ويلات الحروب، ليجد في فلسطين قضية الإنسان في مواجهة الظلم والاستعمار، مؤكداً أن انتماءه لفلسطين كان انتماءً للموقف والمبدأ، وأنه أثبت أن العدالة يمكن أن تكون وطناً، وأن الحرية يمكن أن تكون هوية.

واستعرضت كلمة الجبهة محطات من السيرة النضالية للراحل، الذي سطّر اسمه في تاريخ الثورة الفلسطينية بمشاركته في ملحمة مطار اللد عام 1972، إحدى أبرز المحطات الفدائية في تاريخ الصراع مع الاحتلال، قبل أن يقضي ثلاثة عشر عاماً في سجون الاحتلال، معظمها في العزل الانفرادي، متحملاً أقسى أشكال القمع والتنكيل، دون أن تنكسر إرادته أو يتراجع عن قناعاته، حتى تحرره في صفقة تبادل الأسرى عام 1985.

وأكد عبد العال أن أوكاموتو واصل بعد تحرره مسيرته وفياً للعهد الذي قطعه مع فلسطين، وأن لبنان الذي احتضنه ومنحه اللجوء السياسي أصبح محطته الأخيرة، حيث عاش بين رفاقه ومحبيه، متمسكاً بمبادئه، وبقي رمزاً للوفاء والنضال الأممي حتى رحيله.

كما وجّهت الجبهة التحية إلى كل من رافق الراحل في رحلة نضاله الطويلة، وإلى الذين أسهموا في تحريره من الأسر، وإلى لبنان الذي احتضنه ورفض تسليمه للاحتلال، وإلى كل من أحاطه بالرعاية في سنواته الأخيرة، وإلى رفاقه وأصدقائه والإعلاميين والمثقفين الذين حافظوا على حضوره في الذاكرة الوطنية والثورية.

وفي ختام كلمة الجبهة، وجّه الرفيق عبد العال تحية وداع مؤثرة للمناضل الأممي الراحل، مؤكداً أن كوزو أوكاموتو يرحل اليوم مطمئناً بعدما أوفى بالعهد الذي قطعه لفلسطين، داعياً إياه إلى أن “يسلّم على الشهداء وكل الذين حملوا الحلم نفسه”، مستحضراً أسماء القادة والمناضلين الذين سبقوه على درب الثورة، وفي مقدمتهم الحكيم جورج حبش، وأبو علي مصطفى، وغسان كنفاني، وأبو ماهر اليماني، ونضال، وسميح، وأبو خليل، وربحي حداد، و”الخال”، والثائر الأممي تشي جيفارا، في تأكيد على وحدة المسيرة التي جمعت المناضلين والأمميين في خندق واحد دفاعاً عن الحرية والعدالة.

وأكدت الجبهة أن الرسالة التي يحملها الرفيق الثائر الراحل إلى رفاقه الشهداء هي أن فلسطين ما زالت تقاوم، وأن الأوفياء ما زالوا يحفظون الوصية، وأن اسم كوزو أوكاموتو سيبقى حاضراً ما بقيت في هذا العالم قضية اسمها فلسطين، مجددة عهدها بالمضي على درب الشهداء والمناضلين، والتمسك بقيم النضال الأممي في مواجهة الإمبريالية والصهيونية.

وشددت الجبهة على أن رحيل كوزو أوكاموتو لا يمثل نهاية لسيرة مناضل استثنائي، وإنما يضيف صفحة جديدة إلى تاريخ النضال العالمي من أجل الحرية، ويؤكد أن فلسطين ستبقى قادرة على جمع أحرار العالم حولها، وأن إرث المناضلين الذين حملوا قضيتها سيظل حياً في وجدان الشعوب.

واختُتمت مراسم التشييع في مثوى شهداء الثورة الفلسطينية بتقبّل قيادة الجبهة الشعبية التعازي من المشيعين، الذين ودّعوا المناضل الأممي الكبير في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحزن بالفخر والاعتزاز، مؤكدين أن اسم كوزو أوكاموتو سيبقى خالداً في ذاكرة الثورة الفلسطينية والحركة الأممية، باعتباره أحد أبرز رموز الوفاء لفلسطين، وأحد المناضلين الذين أثبتوا أن فلسطين لم تكن يوماً قضية شعب وحده، بل قضية كل الأحرار والثوار في العالم.

مرفق نص كلمة الجبهة كاملة والتي ألقاها الرفيق عضو المكتب السياسي للجبهة “مروان عبد العال”:
سلامًا لك يا كوزو…

سلامًا لك أيها الرفيق.

نقف اليوم أمامك، لا لنودّع غريبًا، بل لنودّع واحدًا منا. باسم رفاقك، وأصدقائك، ومحبيك، باسم الاحرار ، وكل الذين عرفوك أو عرفوا حكايتك، نقول لك:
شكرًا… برهنت ان  انك ممكن ان تكون فلسطينياً  ليس بالولادة، لكنها أصبحت قضيتك بقرار  موجز ، ولأنك أثبتَّ أن الإنسان في نهاية الامر قضية ، يستطيع أن يجعل من العدالة وطنه، ومن الحرية هويته.
وكما كتب شاعر تونسي :
أوكاموتو
أحبّك يا أوكاموتو
أحبّك يا أخي الإنسان
ولست أخي في الدين
ولست بقارئ القرآن
ولست من ‘خير أمة قد أخرجت للناس’
سقطت كلّ التيجان!..
مات أبطال الرّوم
ومات أبطال اليونان
مات جميع الأبطال…
ومازال الإنسان
أوكاموتو…

جئت من اليابان، من أقصى الشرق، تحمل ذاكرة شعب عرف ويلات الحرب، فوجدت في فلسطين جرحًا يشبه جرح الإنسانية كلها. لم تسأل يومًا: ماذا تربطني بهذه الأرض؟ بل سألت: أين يقف الحق؟ وحين عرفت الجواب، لم تتردد في أن تجعل من فلسطين درب حياتك.

عاش مناضلا
لقد عشت مناضلًا، وأسيرًا، ومطاردًا، ولاجئًا، لكنك بقيت حرًا. لم تستطع السجون أن تهزم قناعتك، ولم تستطع المنافي أن تطفئ إيمانك. كنت تؤمن أن المقاومة ليست حدودًا ترسمها الخرائط، بل حدودًا يرسمها الضمير، ولذلك بقيت أمميًا حتى النهاية، تحمل فلسطين في قلبك كما تحمل اليابان في ذاكرتك.

يا كوزو…
لقد أحبك الناس لأنك كنت بسيطًا كالكبار، متواضعًا كالحكماء، صامتًا كمن يعرف أن الأفعال أبلغ من الكلمات. لم تطلب مجدًا، ولم تبحث عن شهرة، بل عشت وفيًا لعهد قطعته مع نفسك، ولم تخنه حتى آخر أنفاسك.
واليوم، وأنت ترحل، لا يسعنا إلا أن نرد لك بعضًا من جميلك، وأن نرد الجميل أيضًا لكل الذين حفظوك، لأن الوفاء لا يكتمل إلا بالوفاء للأوفياء.
الشكر لكل من أسهم في تحريرك من الأسر، ولكل من رفض أن يتركك وحيدًا في مواجهة قدرك.
والشكر للبنان، الذي احتضنك ومنحك اللجوء، ورفض أن يسلّمك لأعدائك، فكان بيتك الأخير، كما كان دائمًا بيتًا للمقاومين والأحرار.
والشكر لكل طبيب وممرض، ولكل من جلب لك الدواء، ولكل من حمل عنك تعب المرض، وسهر على راحتك، وجعل سنواتك الأخيرة أكثر كرامة وطمأنينة.

والتحية لروح ظلك الصامت والمجهول، الذي حفظ الوصية وصان الأمانة بمحبة نادرة، ثم لكل الرفاق الذين أكملوا المسيرة بعده، فلم يتركوك يومًا، وظلوا إلى جانبك حتى اللحظة الأخيرة.
والشكر لأصدقائك، وللإعلاميين والكتّاب والمثقفين الذين حافظوا على حضورك في الذاكرة، وذكّروا الأجيال بأن التضامن مع فلسطين لم يكن يومًا شعارًا، بل حياةً كاملة عاشها رجال مثلك.

أيها الرفيق…
إن رحيلك ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها في الذاكرة وأن فلسطين كانت ولا تزال قادرة على أن تجمع أحرار العالم حولها، وأن المقاومة قيمة إنسانية.
سلامًا لك يا كوزو…
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله لك اليوم هو: لقد حاربت وناضلت وتعذبت وسجنت وطوردت ولجأت ولكنك أوفيت، وصدقت، ولم تبدّل تبديلا.
اذهب الآن مطمئنًا إلى رفاقك الذين سبقوك. سلّم على الشهداء، وعلى كل الذين حملوا الحلم نفسه، سلم على روح “الخال” والحكيم وابو علي وغسان وابو ماهر ونضال وسميح وابو خليل وجيفارا وربحي حداد يا كوزو. وأخبرهم أن فلسطين ما زالت تقاوم، وأن الأوفياء ما زالوا يحفظون الوصية، وأن اسم كوزو أوكاموتو سيبقى، ما بقيت في هذا العالم قضية اسمها فلسطين.

وداعًا أيها الرفيق…
المجد لك، والمجد لكل من آمن بوراء العدو في كل مكان، وأن المقاومة… بلا حدود.