ما بعدَ الاختزال: نحو ناصريةِ القرنِ الحادي والعشرين بينَ إرثِ التحريرِ واستراتيجياتِ المقاومة الرقمية
موسى إبراهيم-ليبيا
في ذكرى انطلاق ثورة 23 يوليو، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت الناصرية مجرد صفحةٍ من الماضي، أم أننا، دون أن ندري، نعيش اليوم داخل نفس الأسئلة التي واجهت شعوبنا وحاولت الناصرية الإجابة عنها في منتصف القرن العشرين؟
لماذا، بعد كل هذه العقود، ما زال الوطن العربي غارقاً في الاحتلال، والتبعية، والتجزئة، ونهب الثروات؟ لماذا يستمر الكيان الصهيوني في تأدية وظيفته كمُخْفَرٍ متقدّم للهيمنة الغربية، وحاجزٍ ضد وحدة شعوبنا، بينما أهلنا في غزة يُذبحون يومياً؟ ولماذا تُمنع شعوبنا العربية من تقرير مصيرها، ويُقمع كل محاولةٍ للعدالة الاجتماعية أو المقاومة؟
والأغرب أن كلما وصلت المظالم إلى نقطة الانفجار الشعبي، خرج صوت عبد الناصر وسورته من بين الركام، واستلهمه الملايين من جديد.
هذا الفيديو ليس نوستالجيا ماضوية، بل محاولةٌ لفهم: لماذا لم يفقد المشروع الناصري صلاحيته، حتى صار اليوم أكثر ضرورةً، بل وأكثر قابليةً للتحقق من أي وقت مضى؟ سنتعمق معاً في جوهر المشروع، وركائزه، وفي اللحظة التاريخية الجديدة التي تجعل منه ليس مجرد ذكرى، بل خياراً استراتيجياً للأمة كلها.
ولنبدأ بالسؤال المحوري الذي يتطلب تفكيكاً دقيقاً: ما هو المشروع الناصري أصلاً؟
هناك، بالطبع، من يرى المشروع الناصري مشروعاً قومياً عروبياً حصراً، ومن يتعامل معه كمشروع اشتراكي للعدالة الاجتماعية، ومن يعتبره مشروعاً حداثياً علمانياً دولتياً، ومن ينتمي إليه كمشروع وطني مصري يتعلق بالكيان الصغير.
هذه أربع رؤى اختزالية متشابكة لنفس المشروع: رؤية قومية، ورؤية اشتراكية، ورؤية حداثية، ورؤية كيانية. وجميعها رؤى مختزلة، لأنها تبتسر الناصرية في بُعد واحد من أبعادها، وتنزعها من سياقها الشمولي.
أولاً: الرؤية الاختزالية القومية
هل كانت الناصرية مشروعاً قومياً عروبياً حصرياً بالمعنى العرقي أو الإثني لأمةٍ معينة؟ هذا الفهم القومجي الضيق الأفق قاد، في بعض المراحل، إلى توظيفات خطيرة للفكرة القومية، وصلت حد استخدامها في صراعات رجعية معادية للتحرر، كالحرب العراقية-الإيرانية، حيث استُخدمت “العروبة” الأيديولوجية لتنفيذ خطة أمريكية-خليجية لتحجيم الثورة الإيرانية التحررية الصاعدة ضد الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني. حتى أن ثورة مناهضة للاستعمار، كالثورة الإيرانية، صُوّرت على أنها مناهضة للعروبة! أو مثل توظيف خطاب العروبة والأصالة العربية في الإعلام والسياسة الخليجية البترودولارية، كغطاء عاطفي لولاء حكام الخليج للغرب، أو لإذكاء الصراعات الإثنية المسلحة في جغرافيا الساحل الإفريقي الآن، من دارفور إلى تشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، خدمةً لمخططات استعمارية للتقسيم وتحجيم الدور الناهض للثورات الإفريقية السوداء، لمجرد أنها ليست إثنية عربية.
لكن هذا ليس ما عبّر عنه جمال عبد الناصر ولا المشروع الناصري الحقيقي. بل على العكس، قدّم عبد الناصر فكرة قومية عروبية منفتحة، مؤسسة على الوحدة والتحرير، متفاعلة مع الحاضنة الإفريقية وسياق الجنوب العالمي. إنها عروبة جهادية – لنُسمّها كذلك – نقيضة للعروبة البترودولارية الخانعة للمشروع الأمريكي. عروبة عبد الناصر مرتبطة بالمعركة مع الاستعمار، وهي ليست هوية وجدانية فقط، بل هوية حقيقية مقاتلة. بمعنى آخر، المشروع القومي الناصري هو مشروع وظيفي تحرّري، وليس هويتي انعزالي. لذلك، حين نتحدث اليوم عن استئناف المشروع الناصري، علينا أن نُعيد تعريف العروبة كما رآها ناصر: هوية تحرر، لا أداة قمع؛ أفق مفتوح، لا حدود مغلقة. العرب أمة لهم مشروع حضاري مناهض للهيمنة.
ثانياً: الرؤية الاختزالية الاشتراكية
ترى هذه الرؤية، التي تنتشر في بعض الأوساط اليسارية، أن الناصرية مجرد مشروع اشتراكي اجتماعي يهتم فقط بالإصلاح الزراعي، والتأميم، ومجانية التعليم، والتصنيع، ودعم الفقراء. لكنها تتجاهل الجذر الحقيقي الذي نبتت منه هذه السياسات: التحرر الوطني، والسيادة، والوحدة.
عبد الناصر لم يكن اشتراكياً بالمفهوم الماركسي العقائدي، بل رأى في الاشتراكية أداة عملية لتحقيق الاستقلال. لم يسعَ إلى اشتراكية مثالية، بل إلى عدالة اجتماعية تحرر الإنسان العربي من الفقر ليتمكن من مواجهة الاستعمار وبناء وحدة قومية صلبة. فبالنسبة له، لم تكن مقاومة الاحتلال ممكنة من دون مجتمع متماسك يتمتع بحد أدنى من العدالة في توزيع الثروة. من هنا، فإن فصل الاشتراكية عن سياق التحرر الوطني يجعلها جوفاء، بل وخطيرة عليها، عندما تتحول إلى مجرد دعم حكومي أو تأميمات بيروقراطية تُفرغ من مضمونها، وتُحوّل إلى أدوات للترضية لا للتحرر. وهذا ما حدث في عدة تجارب عربية، حيث تبنّت دول شكلياً سياسات اجتماعية، لكنها بقيت تابعة للغرب، وساكتة على الاحتلال، ومتصالحة مع الهيمنة.
الناصرية رفضت هذا النموذج، وربطت العدالة الاجتماعية بالكرامة، والكرامة بالاستقلال، والاستقلال بالوحدة. ولذلك، فإن من يراها مشروعاً اشتراكياً فقط يخطئ جوهرها ويفصلها عن ثوريتها.
ثالثاً: الرؤية الاختزالية الحداثية
ينظر البعض إلى الناصرية بوصفها مجرد محاولة حداثية علمانية لم تكتمل ديمقراطياً. هذا التيار، القادم من بعض الليبراليين العرب، يُعجب بعبد الناصر عندما يقف ضد الرجعية الدينية والملكية، لكنه ينتقده لأنه لم يطبّق ديمقراطية ليبرالية كاملة على النمط الغربي.
لكن هذا التوصيف يغفل شيئاً جوهرياً: المشروع الناصري لم يكن يسعى إلى محاكاة الغرب، بل إلى بناء نهضة مستقلة، حديثة ولكن ذات سيادة. صحيح أن عبد الناصر بنى المصانع، وساهم في تمكين المرأة، ونشر التعليم، وازدهرت الفنون والآداب في عهده، لكن هذه الحداثة لم تكن أوروبية، بل عربية جذرية، موجّهة ضد الهيمنة لا من داخلها. أما الديمقراطية الليبرالية فلم تكن متاحة أصلاً لمعظم شعوب الجنوب العالمي في زمن التبعية؛ لم يكن الصراع بين ديمقراطية واستبداد، بل بين تحرر واستعمار. صندوق الاقتراع لا يُخرج الإنجليز من مصر، ولا يُحرّر الفلسطيني، ولا يفرض العدالة الطبقية. هذه حقائق يعرفها كل من عاش النضال التحرّري، لا من قرأ عنه في نظريات أوروبا البرجوازية.
عبد الناصر، برغم طابع حكمه الثوري، لم يكن مستبداً منفصلاً عن شعبه؛ كانت جماهيره تشارك، تعمل، تنتج، تقاتل، وتؤمن بالمشروع. ليس هناك أي نظام سياسي – حتى في أوروبا نفسها – يقارب المشاركة الشعبية التي شهدها مشروع عبد الناصر. صحيح أنه لم تكن هناك تعددية حزبية على الطريقة الغربية، لكن كانت هناك شرعية ثورية واسعة، لا يمكن مقارنتها بأنظمة النفط أو العمالة، ولا حتى بالديمقراطية الزائفة في أوروبا اليوم.
رابعاً: الرؤية الاختزالية الكيانية (المصرية)
ترى هذه الرؤية الناصرية كتجربة مصرية وطنية محصورة في الكيان المصري الصغير. يتبنى هذا الطرح تيار شوفيني داخل مصر، خاصة في الأوساط التي تُعرّف نفسها بـ”الوطنيين المصريين”، الذين يرون في عبد الناصر مجرد قائد وطني داخلي نجح في تعزيز البنية التحتية، وبناء المدارس والمستشفيات، وإنشاء الصناعات الكبرى والصغرى، وإعادة هيكلة الجيش، وتحرير قناة السويس. لكنهم، في المقابل، ينزعون عنه بُعده القومي العروبي، والإفريقي، والتحرري العالمي، والاشتراكي الجذري، ويُقزمونه إلى رئيس مصري وطني.
نعم، عبد الناصر بنى قواعد اقتصادية وثقافية لدولة مصرية حديثة، لكن هذا تمّ ضمن مشروع تحرر عربي وإفريقي شامل. ما لا يفهمه كثير من الوطنيين الكيانيين أن عبد الناصر لم يبنِ مصر لأجل مصر فقط، بل بناها كقاعدة انطلاق لتحرير الوطن العربي، وأفريقيا، والجنوب العالمي. كان يرى أن مصر القوية المستقلة، ذات الاقتصاد المنتج، لن تتحقق إلا وهي قاعدة متقدمة للوحدة العربية، وسند لفلسطين والجزائر واليمن، ومركز مواجهة للمشروع الصهيوني والهيمنة الغربية. أي أن الدولة المصرية، كما أرادها عبد الناصر، لم تكن كياناً منغلقاً، بل دولةً قاعدة تحمل مشروعاً أكبر من حدودها الجغرافية. في ظل التراجع السياسي العربي، والتطبيع، والانكفاء القطري، يسعى البعض الآن داخل النخبة المصرية إلى “تَجْنِين” عبد الناصر، ونزع الطابع القطري عنه في مقالات منشورة ولقاءات صحفية وكتب، ليجردوه من أسلحته الوحدوية، وينعتوه فقط بـ”أب المدارس المجانية” و”باني الصناعات”، ليُحوّلوه إلى رمز محلي تنموي بلا مخالب تحريرية.
هذه إذن الرؤى الاختزالية الأربع. وبعد أن فككناها، كيف نرى نحن المؤمنين فعلاً بالمشروع الناصري جوهره في الواقع التاريخي؟
لقد قامت الناصرية على عدة ركائز أساسية، نذكر منها اليوم:
الركيزة الأولى: التحرر من الهيمنة
التحرر عند جمال عبد الناصر لم يكن مجرد طرد لجيوش الاحتلال، بل مواجهة شاملة لمنظومة الهيمنة الغربية بكل أبعادها: سياسياً، عبر الأنظمة التابعة؛ اقتصادياً، بنهب الموارد وتحويل البلدان العربية إلى أسواق للمستعمر؛ وثقافياً، بفرض نمط تفكير وتعليم يُقصي الهوية ويجعل الإنسان العربي يحتقر دينه وثقافته وتاريخه.
لم تكن هذه أفكاراً نظرية، بل جسّدها عبد الناصر بخطوات عملية: تأميم قناة السويس، الذي اعتبره كثير من المؤرخين في العالم نهاية الإمبراطورية البريطانية؛ طرد القواعد العسكرية البريطانية من مصر؛ دعم حركات التحرر في فلسطين والجزائر واليمن؛ بناء اقتصاد مستقل عبر السد العالي والتصنيع وإصلاح الأراضي بعيداً عن التبعية؛ ومواجهة الكيان الصهيوني كمشروع استعماري، ليس دولة طبيعية يمكن التفاوض معها، بل قاعدة متقدمة للإمبريالية الغربية في قلب الأمة. الاستقلال الحقيقي، في رؤيته، لا يعني فقط خروج المستعمر، بل التحرر من نظام عالمي يبقي العرب والأفارقة تابعين وضعفاء.
لذا، رفض المعونات المشروطة، وواجه الأحلاف العسكرية العميلة كحلف بغداد، وتصدى للمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين، وسعى لبناء كتلة عالم ثالثية مستقلة. باختصار، كان التحرر عنده مشروعاً شاملاً للسيادة والكرامة والانعتاق من كل تبعية.
الركيزة الثانية: الوحدة العربية، والتضامن الإفريقي والجنوب عالمي
الوحدة العربية، في نظر عبد الناصر، لم تكن حلماً رومانسياً أو شعاراً بلاغياً، بل ضرورة سياسية واقتصادية لتحرير الأمة من التبعية، وحماية هويتها ودينها ومصيرها، وتحصينها ضد التجزئة التي فرضها الاستعمار الأوروبي عبر اتفاقية “سايكس-بيكو”. رأى أن العرب إذا لم يتوحدوا، فسيبقون أدوات للغير يُستعملون ضد بعضهم البعض، كما حدث ويحدث حتى اليوم. لماذا الوحدة؟ لأن العالم يُدار بقواعد التوازنات والكتل الكبرى؛ لا مكان لكيانات صغيرة هشة، ولا سيادة مع اقتصاديات ضعيفة ومجزأة، ولا قدرة لأي شعب على مواجهة الاستعمار الجديد بدون جبهة عربية موحدة. الوحدة ليست غاية عاطفية، بل وسيلة تحرر واستقلال ومناعة؛ هي مشروع سياسي واقتصادي وثقافي متكامل.
ولهذا، لم يرَ عبد الناصر مصر أو الوطن العربي كجزر معزولة، بل كجزء من أربع دوائر استراتيجية متداخلة:
· الدائرة العربية: المجال الطبيعي للتكامل.
· الدائرة الإفريقية: حيث تشترك مصر والدول العربية مع شعوب القارة في معركة التحرر من الاستعمار الغربي.
· الدائرة الإسلامية: فضاء حضاري وروحي مشترك يُعمق الجذور الثقافية ويوسع قاعدة التضامن.
· دائرة الجنوب العالمي: حيث تتقاطع مصالح دول ما بعد الاستعمار في مواجهة الهيمنة الغربية.
التفاعل بين هذه الدوائر لم يكن ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة منظومة هيمنة شاملة؛ لأن الهيمنة عالمية، فالتحرر لا يكون قطرياً، بل عالمياً، ومواجهة الاستعمار تقتضي تحالفاً بين المقهورين.
الركيزة الثالثة: العدالة الاجتماعية
العدالة الاجتماعية في فكر عبد الناصر لم تكن مجرد تحسين مستوى المعيشة، بل تغييراً جذرياً في بنية المجتمع، تلغى بموجبه الامتيازات الطبقية القديمة، ويعاد توزيع الثروة لصالح الأغلبية الشعبية: الفلاحين، العمال، والطبقة الوسطى الصاعدة. لم يكن يرى العدالة صدقة، بل حقاً وجزءاً من معركة التحرر. فالمشروع التحرري والوحدوي لا يمكن أن ينضج في مجتمع تسوده الفوارق الطبقية والاحتكار والهيمنة الإقطاعية أو الرأسمالية المشوهة. التحرر السياسي يتطلب مجتمعاً ناهضاً يشعر أبناؤهم بأنهم شركاء لا عبيد. كان يؤمن أن الاستقلال السياسي بلا عدالة اجتماعية يعني دعم الاستعمار الخارجي بهيمنة داخلية طبقية.
وحقق لتحقيق ذلك: الإصلاح الزراعي، بمصادرة أراضي الإقطاع وتوزيعها على الفلاحين، منهياً هيمنة كبار الملاك ومحرراً ملايين المصريين؛ مجانية التعليم والصحة، حتى الجامعة، مع بناء المدارس والمستشفيات في الريف والصعيد؛ تأميم المصانع والشركات الكبرى، ونقل ملكيتها للدولة، وتحويل أرباحها إلى مشاريع تنموية تخدم المجتمع لا جيوب الأثرياء؛ وتمكين العمال والطبقات الوسطى، بمنحهم تمثيلاً نقابياً حقيقياً وأمنهم فرص العمل والاستقرار. العدالة الاجتماعية لم تكن شعاراً، بل شرطاً للسيادة وضمن برنامج التحرير، لأن المشروع الناصري أدرك أن الجائع لا يحمي وطناً، وأن الفقر ينتج التبعية والانقسام.
وبعد أن عرفنا الركائز، لماذا المشروع الناصري اليوم بالذات؟ لماذا هو راهن وله علاقة بمستقبلنا الآن؟
لأن الأسئلة الكبرى التي طرحها عبد الناصر قبل أكثر من سبعين عاماً لم تجد جواباً حتى الآن، بل ازدادت إلحاحاً. والتحديات التي واجهت أمتنا عنده ما زالت تواجهنا اليوم:
هل زالت الهيمنة؟ الواقع يجيب: لا. مثلما كانت موجودة في 1952، هي موجودة اليوم أيضاً. الهيمنة ما زالت تتحكم في اقتصادنا وسياساتنا وثقافتنا؛ نُصدّر المواد الخام ونستورد كل شيء؛ الدولار يتحكم بنا؛ الشركات الغربية تنهب ثرواتنا؛ القرار السياسي العربي مخترق؛ التطبيع مع العدو صار شرطاً للقبول الغربي؛ القواعد العسكرية الأجنبية تنتشر في أوطاننا؛ والعدو المباشر متفوق بالسلاح والدعم، بينما جيوشنا موجّهة إلى الداخل. الخلاصة: طالما أن الاستعمار ما زال قائماً بثوب جديد أو قديم، فالمشروع الذي واجهه – أي المشروع الناصري – لا يمكن أن يُعتبر من الماضي.
هل تحررنا من التبعية؟ لا. نعيش تبعية اقتصادية وثقافية وإعلامية كاملة، نستورد من الغرب حتى القيم والمعاني. الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار ما زالت تمزق جسد الأمة؛ الدول القطرية تخاف من الوحدة أكثر من خوفها من الاحتلال، فتحولت إلى أدوات في يد الغرب، تفتح القواعد، تفرض الحصار، وتُغذي الحروب بالوكالة. النتيجة: لا أمن قومي عربي، ولا تنمية شاملة عربية أو إفريقية، ولا مقاومة فعالة، والكيان الصهيوني يبقى المستفيد الأكبر من هذا التمزق.
عبد الناصر فهم هذه المعادلة مبكراً، وجعل الاستقلال الكامل شرطاً للوجود، لا مجرد شعار. في زمن التبعية الشاملة اليوم، يبدو مشروعه أكثر واقعية وجرأة من كل أوهام الليبرالية الفارغة. الحقيقة العارية أن المشروع الناصري هو الوحيد الذي رأى الصورة كاملة: الاستعمار كمنظومة، والتبعية كبنية، والحدود كأدوات هيمنة. لم يكن مجرد حنين، بل خطة تحرر متكاملة تجمع السيادة بالعدالة، والوحدة بالاستقلال. إنه مشروع لا يُدفن، لأنه يجيب عن سؤال الوجود العربي: كيف نكون أحراراً في زمن الهيمنة والتبعية؟ وكان الجواب: ليس بديمقراطية شكلية، بل بكرامة متجذرة، واستقلال فعلي، وامتلاك للقرار. لهذا تبقى الناصرية نداءً للمستقبل، لا بقايا ماضٍ منتهٍ.
بل إننا بحاجة إلى الناصرية الآن بالذات، لأن العالم يتغير تدريجياً لصالحنا. وقد يبدو هذا غريباً ونحن نعيش هذه التراجيدية العربية، لكنني أقول: في زمن عبد الناصر، كان الغرب مركز العالم، يهيمن على الاقتصاد والسلاح والإعلام. لكن اليوم، هذا الغرب نفسه ينهار: الصين أصبحت مصنع العالم وقوة تكنولوجية وعسكرية جبارة؛ روسيا والهند والبرازيل في تقدّم عسكري واقتصادي غير مسبوق؛ دول الجنوب تثبت أن النهوض لا يحتاج إلى ديمقراطية ليبرالية زائفة، بل إلى سيادة وطنية وتنمية منتجة وتنظيم داخلي قوي، تماماً كما حلمت الناصرية. أمريكا تحولت إلى اقتصاد ديون ومضاربات، وتعاني من انقسام داخلي خطير لم يحدث منذ الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر، وأوروبا فقدت تفوقها وقدراتها الصناعية وأصبحت أكثر تباعية لواشنطن بعد أزمة أوكرانيا. كل هذا يعني أن مركز السيطرة الإمبريالية لم يعد صلباً، بل متصدعاً، وهو ما يفتح نافذة تاريخية لمشروع تحرر عربي جديد، إن امتلكنا الإرادة.
ثم جاء زلزال 7 أكتوبر في غزة: غزة المحاصرة كسرت هيبة العدو، وعاد مفهوم المقاومة إلى قلب الوعي العربي. كشفت المعركة عزل الأنظمة الرسمية، وأظهرت المقاتلين في خندق التحرير، كما حدث في زمن عبد الناصر. فلسطين عادت إلى مركز الصراع، ليس كقضية، بل كبوابة للتحرر العربي الشامل. والمشروع الناصري وحده يملك القدرة على احتضان هذه اللحظة، لأنه لا يفصل المقاومة عن الوحدة، ولا عن العدالة، ولا عن التحرر من التبعية. المقاومة في المفهوم الناصري ليست عملاً عسكرياً فقط، بل مشروع شامل ضد الاحتلال والهيمنة والتبعية في آن واحد، وليست فلسطينية فقط، بل تمتد من الجزائر إلى جوهانسبرغ، ومن السويس إلى بغداد. في زمن ينهار فيه الغرب من الداخل، وينهض الجنوب من الأطراف، وتعود المقاومة كفعل شعبي حي، يصبح المشروع الناصري ليس فقط راهناً، بل ممكناً. اللحظة الآن هي لحظة إعادة بناء مشروع تحرر عربي مستنير بروح عبد الناصر، متجاوزاً لأخطائه، ومؤمناً بأن التحرر السياسي والاقتصادي والثقافي لا يمكن أن يُجزأ. حقاً، كل صاروخ انطلق من غزة حمل في صداه صوت ناصر: “سنحارب، سنحارب”.
وهنا، أدعو إلى ما أسميه “الناصرية الجديدة”. في نهاية هذه الرحلة عبر التاريخ والمعركة والمشروع، نصل إلى لحظة مفصلية: إذا كانت الناصرية لا تزال حية، وإذا كانت أسئلتها لا تزال مطروحة، وإذا كانت الوقائع من غزة إلى الخرطوم، ومن بيروت إلى واغادوغو، تُعيد فتح ملفات التحرر والسيادة والكرامة، فلابد من دعوة جادة إلى بعث ناصرية جديدة. ليس تكراراً حرفياً، ولا حنيناً رومانسياً، بل تحديثاً واعياً وجذرياً يُخرج المشروع الناصري من سجلات التاريخ إلى قلب المعركة الحاضرة.
دعني أوضح ملامح هذه الناصرية الجديدة:
أولاً: ناصرية عقائدية قاعدية شعبية، لا نخبوية ولا فوقية. الناس اليوم لا يريدون تنظيراً معقداً في ندوات مغلقة، ولا خطابات عظيمة فوق المنصات – ربما حتى كهذا الخطاب. يريدون مشروعاً يعبّر عن حاجاتهم: الخبز، السكن، الكرامة، والمقاومة. ناصرية اليوم يجب أن تبدأ من القاعة، من الأسواق، من الأحياء، من المدارس والمزارع والمصانع. لا يكفي أن نكتب ونحلل؛ علينا أن ننظّم، نعبّئ، نبني أدوات تمكن الجماهير من التعبير، لا من الاستماع فقط.
ثانياً: ناصرية عربية، لا مصرية فقط. نعم، مصر ستظل الإقليم القاعدة، ليس من باب التفوق، بل من باب الإمكانيات والتاريخ والموقع. لكن المشروع لا يُكتب باللهجة المصرية وحدها، بل بلهجات الوطن العربي كلها. يجب أن يصبح ابن تونس يشعر أنه ناصري من موقعه، وأن يرى الفلسطيني والسوداني والمغربي في المشروع امتداداً له، لا تبعية لمركز واحد.
ثالثاً: ناصرية تعبّر عن تعدد الرموز والوجوه والانتماءات. انتهى زمن الزعيم الأوحد، حتى لو كان عبد الناصر العظيم نفسه. نحن في زمن تليق به القيادة الجماعية، والمقاومة الجماعية، والقيادة المنتشرة على كل المستويات. لا نحتاج إلى ناصر واحد، بل إلى آلاف من ناصر: مفكرون في بيروت، مناضلات في غزة، عمال في الدار البيضاء، فنانون في بغداد، مقاومون في حضرموت. بهذا التنوع نحاصر الهيمنة، ونحمي المشروع من الاغتيال الرمزي.
رابعاً: ناصرية تُدار بثقافة ثورية لا بيروقراطية، وبكفاءة لا شعارات. عبد الناصر نفسه قال: “لقد قضت البيروقراطية على الثورة” (بما معناه). المشروع اليوم يحتاج إلى إدارة ثورية مرنة، شابة، رقمية، تتقن أدوات العصر، وتعرف كيف تنظم شبكات لا فقط أجهزة باردة. نحتاج إلى تفكيك العبء الإداري، إلى جرأة في اتخاذ القرار، إلى روح المبادرة، لا فقط حفظ الخطاب القديم وتكراره.
خامساً: ناصرية تنتج فكراً، وإعلاماً، ورؤية جذرية تخاطب تحديات القرن الحادي والعشرين. نحتاج إلى مدرسة فكرية تنتج فكراً حقيقياً يتفاعل مع الواقع. نحتاج إلى إعلام بديل يُعري الهيمنة ويسخر منها، ويقترح بديلاً حقيقياً ملموساً. نحتاج إلى سرديات، إلى سينما، إلى موسيقى، إلى مقاطع تيك توك ويوتيوب، تجسّد التحرر والسيادة والكرامة في عقول الناس العاديين. الناصرية الجديدة لا تريد أن تحكم، بل أن تلهم؛ لا تريد أن تقلد، بل أن تبتكر. لا تتوقف عند فكر جمال عبد الناصر، بل تنطلق من روحه لتبني روحاً وجسداً جماهيرياً، عربياً، إفريقياً، جنوب عالمياً، مقاوماً، صلباً، متنوعاً، ومنغمساً في معارك اليوم.
هذه ليست دعوة عاطفية، بل إعلان بدء مرحلة جديدة، مرحلة يُعاد فيها تشكيل الوعي العربي، من حناجر المقاومين ومن وجع المهمشين.
هذه الناصرية الجديدة.. فهل نعلنها، ونشكلها، ونعمل على تأسيسها من أجل شعوبنا وأمتنا؟
هذا سؤال الجيل العربي الجديد.. فهل من مجيب؟
