الحلوى الأمريكية المسمومة… حين تصبح السيادة ثمنًا للتطبيع

فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

ما شهدناه في الأيام الأخيرة من تغطية إعلامية واسعة لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية السماح للمملكة العربية السعودية بتخصيب اليورانيوم، ثم تراجع هذه التصريحات إلى الحديث عن تخصيب “سلمي” فقط، قبل أن يتضح لاحقًا أن الأمر مشروط بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، لا ينبغي التعامل معه على أنه مجرد خبر سياسي عابر، بل هو حدث يفرض سلسلة من الأسئلة المنطقية التي يجب أن تُطرح بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والدعاية السياسية.

إذا كان امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية حقًا مشروعًا للدول، فلماذا يصبح هذا الحق محل مساومة سياسية عندما يتعلق بدولة عربية أو إسلامية؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تؤمن بحق الدول في تطوير برامجها النووية السلمية، فلماذا خاضت كل تلك المواجهات مع إيران بسبب برنامجها النووي؟ ولماذا تعتبر الصين اليوم أخطر منافس اقتصادي واستراتيجي لها؟ إن المشكلة لم تكن يومًا في التقنية بحد ذاتها، بل في هوية من يمتلكها، وفي مدى خضوعه أو استقلاله عن الإرادة الأمريكية.

وهنا تبرز الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها؛ فالقضية ليست قضية تخصيب يورانيوم، ولا مفاعلات نووية، ولا مشاريع اقتصادية، بل قضية إرادة سياسية مستقلة. فكل مشروع يمكن أن ينهض بدولة في غرب آسيا، أو يشكل عنصر ردع حقيقيًا، يصبح مشروعًا مرفوضًا إذا لم يكن منسجمًا مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للمنطقة.

ومن هنا يبرز السؤال الأكبر: متى سيدرك العرب، حكامًا وشعوبًا، أن الحديث عن سيادة كاملة واستقلال حقيقي ونهضة شاملة سيبقى مجرد شعارات ما دام الكيان الإسرائيلي يحتفظ بموقعه الوظيفي الذي أُنشئ من أجله في قلب المنطقة؟ فوجوده لم يكن يومًا مجرد قضية حدود، بل مشروعًا استعماريًا هدفه منع قيام أي قوة إقليمية قادرة على منافسة النفوذ الغربي أو التحرر من هيمنته.

إن الكيان الإسرائيلي ليس جسمًا طبيعيًا في هذه المنطقة؛ فهو دخيل عليها جغرافيًا، وغريب عنها ثقافيًا، ومفروض عليها سياسيًا وعسكريًا. ولذلك فإن بقاءه، وفق هذا الطرح، يعني استمرار الحاجة إلى إبقاء الدول العربية في حالة تبعية أمنية واقتصادية وسياسية، بحيث لا تتحول أي دولة إلى قوة مستقلة قادرة على فرض معادلات جديدة.

ولمن يعتقد أن السلام مع الاحتلال كان طريقًا إلى الازدهار، فإن التاريخ الحديث يقدم ما يكفي من الأمثلة. من كامب ديفيد إلى وادي عربة، ومن أوسلو إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، كانت الوعود تتحدث عن السلام والرخاء والتنمية، لكن الواقع سار في اتجاه مختلف. فالحقوق الفلسطينية لم تُستعد، والاستيطان لم يتوقف، والقدس لم تتحرر، بل توسعت مشاريع الاحتلال، بينما تقلص الدور العربي عامًا بعد عام.

أين مصر اليوم من موقعها العربي الذي كانت تشغله لعقود؟ وأين تأثيرها السياسي والإعلامي الذي كان يصنع الرأي العام العربي؟ لقد تراجع ذلك الدور تدريجيًا، في مقابل صعود أدوار جديدة اعتمدت بصورة أساسية على القوة المالية والبترودولار أكثر من اعتمادها على مشروع عربي جامع.

وأين الأردن من مفهوم الاستقلال الكامل، وهو ما زال يعاني تحديات مائية واقتصادية معقدة جعلت قضية المياه نفسها جزءًا من معادلات سياسية حساسة؟ وأين الدولة الفلسطينية التي وُعد بها الشعب الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو؟ لقد أثبتت السنوات، وفق هذا الطرح، أن غزة بقيت آخر خطوط الدفاع عن القضية الفلسطينية، بينما تحولت معظم الوعود إلى أوراق بلا قيمة عملية.

أما سوريا، فهي مثال حاضر أمام أعين الجميع. فبعد كل ما شهدته من تغيرات سياسية وعسكرية، يُطرح سؤال بسيط: ماذا جنت الدولة السورية من أي مسار يهدف إلى تخفيف العداء مع إسرائيل أو الانفتاح على الغرب؟ هل استعادت كامل أراضيها؟ وهل رُفعت عنها الضغوط والعقوبات؟ وهل تحقق لها الاستقرار الاقتصادي الذي وُعدت به؟ إن هذه الأسئلة تظل مطروحة أمام كل من يعتقد أن تقديم التنازلات يقود بالضرورة إلى الأمن والازدهار.

ومن أكثر ما يثير الاستغراب هو استمرار بعض الأنظمة والنخب في التعامل مع الوعود الأمريكية وكأنها ضمانات ثابتة، رغم أن التجربة الممتدة لعقود تثبت أن السياسة الأمريكية تقوم على إدارة المصالح لا على الوفاء بالالتزامات. فالبيت الأبيض لا يمنح شيئًا مجانًا، ولا يقدم دعمًا إلا مقابل أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

وفي هذا السياق، يبرز الملف اليمني بوصفه نموذجًا واضحًا. فقرار السعودية استئناف قصف مطار صنعاء، بصرف النظر عن تفاصيله العسكرية والسياسية، يعيد طرح سؤال جوهري: هل تستطيع المملكة خوض مواجهة طويلة مع اليمن دون دعم أمريكي مباشر؟ وإذا كانت قادرة عسكريًا، فهل تستطيع اقتصاديًا تحمل كلفة حرب مفتوحة وما قد يرافقها من تهديدات للبنية الاقتصادية، وفي مقدمتها المنشآت النفطية مثل أرامكو وغيرها؟

هذه الأسئلة تقود إلى قراءة مختلفة للتصريحات الأمريكية الأخيرة. فما بدا في البداية وكأنه “مكافأة” استراتيجية للسعودية، تحول سريعًا إلى عرض مشروط، وكأن واشنطن تمسك بقطعة حلوى أمام تلميذ مطيع، ثم تخبره بعد تنفيذ المطلوب أن الحلوى ليست سوى ورقة مغلفة لا يمكن أكلها.

ومن هنا تبدو الصورة، وفق هذا التحليل، وكأنها عملية استدراج سياسي متدرجة؛ بدأت بالحرب على اليمن، ثم باستمرار الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية، وصولًا إلى ربط أي امتياز استراتيجي، مثل برنامج نووي سلمي، بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. وبهذا تصبح الدولة أمام معادلة قاسية: إما الاستمرار في الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية وما يرافقها من أثمان سياسية، وإما خسارة ما وُعدت به منذ البداية.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس مجرد التطبيع بحد ذاته، بل تحويله إلى شرط للحصول على حقوق يفترض أنها مكفولة لكل دولة ذات سيادة. وعندها تصبح الأرض والمقدسات والقضايا المصيرية أوراقًا على طاولة المساومات الدولية، لا باعتبارها حقوقًا تاريخية، بل أثمانًا تُدفع مقابل وعود قد لا تتحقق أصلًا.

إن قراءة متأنية لمسار السياسة الأمريكية والبريطانية في المنطقة، والدعم الغربي المستمر لإسرائيل، تكشف أن جوهر هذه السياسات، وفق هذا الطرح، يقوم على إدارة موازين القوة بما يحفظ التفوق الإسرائيلي ويمنع تشكل أي مشروع عربي أو إقليمي مستقل يمتلك عناصر القوة الاقتصادية أو العسكرية أو العلمية. وما يتغير هو الأدوات والخطاب، أما الغاية فتبقى واحدة: إبقاء المنطقة في حالة احتياج دائم للحماية الغربية، وتحويل السيادة إلى امتياز يُمنح ولا يُمارس.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأمم ليس الهزيمة العسكرية، بل أن تعتاد التبعية، وأن تقنع نفسها بأن الارتهان للخارج هو الطريق الوحيد للبقاء. وعندما يصبح القرار الوطني مرهونًا برضا العواصم الأجنبية، وعندما تتحول الحقوق التاريخية إلى أوراق تفاوض، فإن الحديث عن الاستقلال لا يعدو كونه شعارًا يرفع في الخطب، بينما تصنع القرارات الحقيقية في أماكن أخرى.

“ما انحطَّت أمةٌ لأنها كانت فقيرة، بل لأنها باعت قرارها، واستبدلت الكرامة بالإذن، والسيادة بالموافقة، حتى صار المستعمر يكتب مستقبلها بيدٍ، ويصفق لها بالأخرى.”