قراءة في مشروع تركيا الصاروخي في الصومال

السواحل الصومالية تستعيد موقعها المركزي في الحسابات الإقليمية والدولية، بالتزامن معالتحولات التي شهدها البحر الأحمر وباب المندب منذ أواخر عام 2023، ما علاقة تركيا، والإمارات و”إسرائيل”؟

محمد حسب الرسول

تستعيد السواحل الصومالية موقعها المركزي في الحسابات الإقليمية والدولية، بالتزامن مع التحولات التي شهدها البحر الأحمر وباب المندب منذ أواخر عام 2023. فدخول اليمن خط إسناد غزة فرض على الممرات البحرية مستوى من الحساسية الاستراتيجية.

أحدثَ ذلك تبدلاً عميقاً في بنية المجال الجيوسياسي، أصبح بموجبه الساحل الشرقي لأفريقيا، بما في ذلك ساحل الصومال، فضاءً ذا قيمة استراتيجية عالية، تتقاطع فيه مشاريع النفوذ المختلفة، وتتنافس عليه أدوات القوة المتنوعة، وتتداخل فيه المصالح بكل أبعادها. فلم تعد المنطقة محض هامش في خرائط النفوذ، إنما تحولت إلى عقدة مركزية في حسابات القوى الإقليمية والدولية، تُختبر فيها قدرة الفاعلين على تحويل الشراكات المحلية إلى أدوات لإعادة تعريف التوازنات.

وفي طليعة هذه المشاريع، يبرز المشروع التركي في منطقة “ورشيخ”، الذي يمثل نموذجاً للحضور العابر للوظائف النمطية، لأنه يجمع بين الأبعاد الفضائية والصاروخية ضمن رؤية استراتيجية تمتد إلى ما وراء الساحل الصومالي.

ورشيخ… العقدة الجيواستراتيجية
جاء الخبر المتعلق بالمشروع التركي في منطقة “ورشيخ”، شمال مقديشو، ليمنح هذا المشهد بعداً ميدانياً شديد الوضوح. فالتقارير المفتوحة التي استندت إلى صور الأقمار الصناعية تتحدث عن مشروع يرتبط ببرنامج فضائي وصاروخي ذي طابع استراتيجي.

فالمشروع، وفقاً لصحيفة “لوموند” وتقرير “منتدى الشرق الأوسط”، يجمع بين قاعدة للأقمار الاصطناعية ومنصة لاختبار صواريخ بالستية بعيدة المدى، صُممت لاستيعاب أنظمة يصل مداها إلى 2000 كيلومتر. وهذا المدى، رغم أنه لا يضع العمق الإسرائيلي في دائرة الاستهداف المباشر، يُحدث تأثيراً بالغاً في التوازن العسكري في المنطقة، وهو ما أثار مخاوف إسرائيلية عميقة من تحول الميناء الفضائي إلى قاعدة عسكرية تهدد وجودها الاستراتيجي في القرن الأفريقي، وتشكل تهديداً لإقليم أرض الصومال.

النموذج التركي… من الإغاثة إلى الردع
تتعاظم دلالات هذا المشروع حين يُقرأ في سياق العلاقات التركية – الصومالية التي تراكمت عبر سنوات الإغاثة والتدريب والتعاون الأمني والاقتصادي. فأنقرة، التي تستند في حضورها إلى إرثها العثماني القديم في المنطقة، صاغت في الصومال نموذجاً خاصاً يجمع بين القوتين الناعمة والصلبة، ويبدأ بالمساعدة الإنسانية وينتهي إلى التموضع الاستراتيجي، مستجيبةً بذلك لشواغل الصومال الرئيسة، وفي مقدمتها الأمن والتنمية، وتسعى من وراء ذلك إلى استعادة نفوذها الإقليمي.

وقد أُعلن عن المشروع رسمياً في كانون الأول/ديسمبر 2025 كثمرة لـ15 عاماً من الاستثمارات التركية، فيما شرعت أنقرة في بناء القاعدة قبل ذلك بشهرين. وتلا الإعلان إبرام اتفاقية تعاون فضائي مثّلت نقلة نوعية في التعاون الاستراتيجي بين تركيا والصومال. ومن ثم، تبدو “ورشيخ” حلقة جديدة في مسار استثنائي طويل، يُعيد تقديم الشراكة كأداة لإنتاج النفوذ وترسيخه، ويعكس رؤية تركيا للصومال كبوابة إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وكقاعدة خلفية تعزز أمنها ومصالحها الاستراتيجية، وتكرّس دورها الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

أرض الصومال و”إسرائيل”.. العمق الاستراتيجي غير المتصل
اتخذت العلاقة بين “إسرائيل” وإقليم أرض الصومال الانفصالي موقعاً لافتاً في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، إذ مثّل الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم في الـ 26 من كانون الأول/ديسمبر 2025 لحظة سياسية ذات دلالات استراتيجية عميقة، فتحت الباب أمام صيغة جديدة من التعاطي معه بوصفه شريكاً محتملاً في معادلة الأمن البحري ومراقبة اليمن وجنوبي الجزيرة العربية، في سياق إقليمي شديد الاضطراب جعل باب المندب ومجاله الحيوي جزءاً من مسرح أمني واحد.

ومن منظور جيوسياسي، يُقرأ هذا التحرك بوصفه سعياً لبناء “عمق استراتيجي غير متصل”، يقوم على نقاط ارتكاز متباعدة تتكامل في وظائف الردع والمراقبة والإنذار، حيث تتعامل “إسرائيل” مع أرض الصومال بوصفها موقعاً بالغ القيمة في حساباتها الاستخبارية والبحرية والعملياتية، إذ يتيح ميناء بربرة ومحيطه توسيع هامش الحركة في خاصرة اليمن والخاصرة الجنوبية للبحر الأحمر.

ولهذا، يتحول الإقليم إلى ورقة ضغط في مواجهة المشروع التركي المتنامي، ونقطة ارتكاز متقدمة في مواجهة اليمن، إذ تسعى تل أبيب إلى تعزيز وجودها غير المباشر عبر التحالفات المحلية، في مقابل التمدد التركي المباشر عبر القواعد العسكرية والفضائية.

الإمارات وشبكة النفوذ المتصلة
راكمت الإمارات حضوراً مركباً في القرن الأفريقي، يقوم على ربط الاستثمار بالمجال الأمني، والموانئ بالسياسة، والتموضع البحري بالتأثير الإقليمي. ويظهر ميناء بربرة، في هذا السياق، كركيزة لهذا الحضور، حيث تحول إلى نقطة ارتكاز ضمن شبكة إماراتية أوسع تشمل المرافئ والعلاقات اللوجستية والاتصالات السياسية الممتدة بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن. كما اكتسبت بوصاصو وغيرها من الموانئ أهمية إضافية داخل هذه الرؤية، باعتبارها مساحات قابلة للربط بين الداخل الإثيوبي والمجال البحري المفتوح.

وتتصل هذه البيئة أيضاً بمشروع أوسع، يقوم على تنسيق محكم بين أبوظبي وتل أبيب، يربط الموانئ بالتموضع، والشراكات بالموارد الاستراتيجية. وقد انعكس هذا التنسيق على الوجود الإماراتي في اليمن وبحر العرب والبحر الأحمر، وامتد عبر السودان وشمال أفريقيا وغربها ضمن شبكة نفوذ متحركة تتغذى من الموانئ والاستثمارات والدور الأمني غير المباشر.

وهنا، تغدو بربرة حلقة الوصل في منظومة نفوذ أوسع، تتجاوز الوظيفة التقليدية إلى الوظيفة الجيواستراتيجية، حيث تتداخل المصالح الإماراتية مع التوجهات الإسرائيلية في مواجهة اليمن المناهض والمشروع التركي الصاعد.

القرن الأفريقي… ساحة تنافس القوى الإقليمية
تكشف هذه التطورات عن تحول القرن الأفريقي إلى ساحة مركزية لإنتاج التوازنات الجديدة، حيث تتقاطع مشاريع تركيا و”إسرائيل” والإمارات ضمن مجال بحري وجغرافي واحد. فالمشروع التركي في “ورشيخ” يضيف بُعداً تقنياً – عسكرياً إلى تموضع أنقرة في الصومال، بينما يمنح الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بُعداً سياسياً وأمنياً جديداً للتحالفات، وترسّخ الإمارات حضورها عبر الموانئ والبنى اللوجستية.

ويمكن قراءة هذا المشهد من خلال عدسة نظرية الأمن الإقليمي المتكامل، حيث لم يعد الفضاء الأمني في المنطقة مقسوماً وفق حدود سياسية تقليدية، بل أصبح مجالاً متصلاً من التهديدات والفرص، يرتبط فيه باب المندب بالقرن الأفريقي، ويرتبط فيه الساحل الصومالي بالبحر الأحمر وبحر العرب. وهذا يعني أن أي تغيير في معادلات الردع في نقطة واحدة ينعكس على كامل المنظومة الإقليمية.

وبناءً على ذلك، يمكن استخلاص عدد من الدلالات الجيواستراتيجية:

أولاً: يندرج المشروع التركي في الصومال ضمن رؤية جيواستراتيجية تتجاوز حدود المنشأة الدفاعية أو الفضائية، إذ تعيد أنقرة، بامتدادها التاريخي في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، إحياء دورها الإقليمي في سياق ما يُعرف بمشروع “العثمانية الثانية”. والصومال، بوصفه ملتقى الممرات البحرية الدولية، يُشكل لأنقرة بوابة استراتيجية تعزز حضورها في نقطة التقاء المصالح العالمية، ما يضع المشروع في مصافّّ الأدوات المؤسسة للتمدد التركي، بينما تظل المكاسب الصومالية، كتعزيز المكانة الإقليمية، نتاجاً للتوجه التركي. ومن ثم، يُعيد المشروع تعريف حضور أنقرة كفاعل مؤثر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، قادر على إدارة توازنات دقيقة مع “إسرائيل” والقوى الكبرى.

ثانياً: يُقرأ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ضوء مواكبة التهديدات اليمنية، حيث أثبتت صنعاء، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، قدرتها على التحكم في الملاحة في باب المندب، وعلى استهداف العمق الإسرائيلي. ويمنح هذا الاعتراف تل أبيب عمقاً استراتيجياً على الضفة المقابلة لليمن، بما يعزز قدرتها على مراقبة اليمن والاعتداء عليه. بيد أن المشروع التركي في الصومال يُدخل متغيراً جديداً إلى المعادلة، إذ إن تمركز أنقرة على الساحل الصومالي يمنحها أدوات موازنة في الفضاء البحري تجاه “إسرائيل”، محوّلاً الصومال إلى ساحة تنافس غير مباشر بين القوتين الإقليميتين الصاعدتين، تركيا والكيان، اللتين تسعى كل منهما إلى توسيع نطاق نفوذها في الممرات المائية الحيوية ومناطق التقاطع الجيوسياسي، بعيداً عن جبهات المواجهة التقليدية في “الشرق الأوسط”.

ثالثاً: يتسم الموقف الإماراتي بمنطق توظيفي متعدد الأوجه، إذ تنخرط أبوظبي في دور وسيط إقليمي يرعى المصالح الإسرائيلية في محيط عربي وإسلامي، حيث تجد تل أبيب نافذة تواصل مع بيئات قد تكون مغلقة أمامها، إلى جانب توظيف قدرات أبوظبي المالية في تمهيد مسارات للنفوذ والتغلغل ضمن هذه الدول. وهذا الدور يُعزز مكانة الإمارات الإقليمية، إذ تستند في صعودها إلى الدعم الإسرائيلي والغطاء الغربي، ما يمنحها ثقلاً يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي. وتستفيد الإمارات، في هذا المسار، من تشابك أدوات نفوذها لتكريس حضورها كفاعل رئيس في المعادلات الإقليمية المتداخلة.