المصالحة الفكرية قبل المصالحة السياسية.. نحو كتلة تاريخية عربية إسلامية جديدة
كمال بن يونس_تونس
التقريب ليس مسألة فقهية فقط، بل هو محاولة لإنتاج “مشترك سياسي” بين جماعات تختلف في المذهب، لكنها تلتقي في قضايا مثل فلسطين، والسيادة الوطنية، ومقاومة الاحتلال، ورفض الهيمنة الأجنبية.
شارك الخبر
إذا كان الجزء الأول من هذا البحث قد تتبع الجذور التاريخية للتفاعل بين التيارات القومية والإسلامية، منذ مؤتمر القدس سنة 1931 إلى الثورة الإيرانية وما أفرزته من تحولات في معادلات المنطقة، فإن هذا الجزء يتناول سؤالًا أكثر تركيبًا: كيف يمكن تحويل هذا الإرث التاريخي، بما يحمله من نجاحات وإخفاقات، إلى مشروع فكري وسياسي قادر على تجاوز الانقسامات المذهبية والأيديولوجية؟
لقد كشفت العقود الأخيرة أن الحوار بين السنّة والشيعة، وبين القوميين والإسلاميين، لم يعد قضية فقهية أو تنظيمية فحسب، بل أصبح جزءًا من سؤال النهضة العربية والإسلامية نفسه. فالتحديات التي تواجه المنطقة، من الاحتلال والاستعمار الجديد إلى الاستبداد والتجزئة والطائفية، تفرض إعادة التفكير في مفهوم “المشترك العربي الإسلامي”، بعيدًا عن منطق الاصطفافات المغلقة، وبعيدًا أيضًا عن الدعوات العاطفية التي تتجاهل الحرية والعدالة والتعددية.
ومن هذا المنظور، تصبح تجربة التقريب بين المذاهب، كما تجلت في إيران وفي مؤسسات الحوار الإسلامي، إحدى التجارب الجديرة بالدراسة النقدية؛ ليس بوصفها نموذجًا مكتملًا، وإنما باعتبارها محاولة جمعت بين الفكر والمؤسسات والدبلوماسية الثقافية والسياسات الإقليمية، بما لها من فرص وما عليها من حدود. كما تفتح هذه التجربة الباب أمام مراجعات أوسع داخل الفكر القومي والإسلامي العربي، تضع فلسطين والتحرر الوطني في إطار مشروع حضاري يتأسس على الاعتراف بالتعدد، وتجديد الفكر الديني والسياسي، وبناء ثقافة الحوار والمواطنة، وصولًا إلى انتقال الوحدة من فضاء المؤتمرات إلى فضاء المجتمعات.
موتمرات الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب
من هذا الباب نفهم آلية التقريب بين المذاهب في إيران. فالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ومؤتمرات الوحدة الإسلامية في طهران، والمؤسسات الثقافية الإيرانية في الخارج، كلها حاولت أن تجعل من الحوار السني الشيعي إطارًا دينيًا وسياسيًا وأكاديميًا.
يحتاج الإسلاميون إلى الاعتراف بأن الدولة الحديثة والمواطنة والتعددية ليست مؤامرات غربية، بل ضرورات لتنظيم المجتمع ومنع الاستبداد. ويحتاج الطرفان إلى الاعتراف بأن الاستعمار والصهيونية والتبعية ليست وحدها أسباب التخلف، بل إن الاستبداد والفساد والطائفية وقمع الفكر أسباب داخلية لا تقل خطورة.شارك في هذه المنتديات علماء ومفتون وأكاديميون من بلدان عربية وإسلامية وآسيوية وإفريقية وأوروبية وأمريكية. وكان الهدف المعلن هو مقاومة التكفير، وتعميق التعارف بين المذاهب، والدفاع عن المشتركات الإسلامية، وفتح باب الاجتهاد والحوار. وفي هذا السياق يمكن ذكر آية الله محمد علي التسخيري، وآية الله محسن الأراكي، وآية الله محمد واعظ زاده الخراساني، وغيرهم من رموز التقريب الإيراني. وقد مثّل محسن الأراكي حالة خاصة لأنه جمع بين العمل الحوزوي، والخبرة الغربية عبر المركز الإسلامي في لندن، والعمل المؤسسي في مجمع التقريب.
لكن التقريب لا ينجح حين يبقى مجرد خطاب رسمي. فالحوار المذهبي الحقيقي يحتاج إلى شروط خمسة: الاعتراف الصريح بالتعدد داخل الإسلام، منع التكفير والتحريض، الفصل بين الخلاف الفقهي والعداء السياسي، إشراك الجامعات والمثقفين لا العلماء وحدهم، وربط الوحدة بالعدالة والحرية لا بمجرد الاصطفاف. لذلك كان من المهم أن يظهر إلى جانب رجال المؤسسة الإيرانية تيار آخر من المجددين والإصلاحيين مثل عبد الكريم سروش، ومحسن كديور، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحمد خاتمي. هؤلاء طرحوا أسئلة مختلفة عن علاقة الدين بالمعرفة، والدولة، والحرية، وحقوق الإنسان، وحدود السلطة الدينية. وإذا كان خطاب التقريب الرسمي يركز على وحدة الأمة، فإن خطاب الإصلاحيين الإيرانيين يذكّر بأن الوحدة لا تكون قوية إذا لم تقترن بالتعدد الداخلي وحرية التفكير.
مراجعات مطلوبة من اليسار القومي والإسلاميين المعتدلين
وهذا ينطبق أيضًا على الفكر العربي. فالتقارب بين القوميين والإسلاميين لا يكون مثمرًا إذا تحول إلى صفقة سياسية ظرفية، بل يصبح مهمًا حين يراجع كل طرف أخطاءه. يحتاج القوميون إلى الاعتراف بأن الدين ليس مجرد تراث رمزي يمكن توظيفه، بل قوة اجتماعية وروحية عميقة.
ويحتاج الإسلاميون إلى الاعتراف بأن الدولة الحديثة والمواطنة والتعددية ليست مؤامرات غربية، بل ضرورات لتنظيم المجتمع ومنع الاستبداد. ويحتاج الطرفان إلى الاعتراف بأن الاستعمار والصهيونية والتبعية ليست وحدها أسباب التخلف، بل إن الاستبداد والفساد والطائفية وقمع الفكر أسباب داخلية لا تقل خطورة.
إن التجربة الجزائرية والمغاربية تقدم درسًا مهمًا في هذا المجال. فعبد الحميد مهري لم يكن مجرد سياسي حزبي، بل كان ابن تجربة تحرير وطني أدركت أن الاستقلال لا يصنع وحده نهضة إذا لم يترافق مع مؤسسات وثقافة سياسية جامعة.
وكذلك كانت تجارب تونس والمغرب وليبيا ومصر والعراق وسوريا مليئة بأمثلة عن لقاء الدين والوطنية: من علماء الزيتونة إلى الأزهر، ومن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الإصلاحيين الشاميين، ومن القوميين العرب إلى اليساريين الوطنيين. لقد كانت فلسطين، مرة أخرى، هي النقطة التي تكشف صدق الشعارات أو حدودها. فمن جعل فلسطين قضية جامعة كان أقرب إلى الحوار، ومن حولها إلى ورقة مذهبية أو حزبية ضيّق معناها.
لذلك يمكن القول إن خطًا تاريخيًا يربط بين مؤتمر القدس سنة 1931، وحركات التحرر الوطني في المغرب العربي والمشرق، ومحاولات الحوار القومي الإسلامي بزعامة شخصيات مثل خير الدين حسيب ومعن بشور وعبد الحميد مهري، ثم الثورة الإيرانية وما أطلقته من خطاب التقريب والمقاومة. هذا الخط ليس مستقيمًا ولا بريئًا من التناقضات.
فقد شهد صراعات قومية وإسلامية، وخلافات سنية شيعية، وحروبًا إقليمية، وتوظيفًا سياسيًا للدين والمقاومة. لكنه مع ذلك يكشف أن الأمة، حين تواجه تحديات كبرى مثل الاستعمار والاحتلال والتجزئة، تبحث دائمًا عن لغة مشتركة تتجاوز الحدود المذهبية والحزبية.
الاستفادة من دروس الماضي
إن القيمة الحقيقية لهذا المسار لا تكمن في تمجيد أي دولة أو حزب أو مذهب، بل في استخلاص درس فكري: لا مستقبل لمشروع تحرري عربي أو إسلامي إذا بقي أسير الانقسام بين قومي وإسلامي، أو سني وشيعي، أو علماني ومتدين. كما لا مستقبل له إذا اختزل الوحدة في خطاب عاطفي يتجاهل الحريات والعدالة والكرامة. المطلوب هو كتلة تاريخية واسعة، تتعلم من الثعالبي ومحمد علي الطاهر وبن باديس والإبراهيمي وعلال الفاسي وعمر المختار وسليمان الباروني ورمضان السويحلي وحركات الإصلاح والتحرر في المشرق العربي ..
كما تتعلم من الحصري وعفلق والعروي وهشام جعيط وانى. عيد المالك وفتح الله ولعلو وعصمت سيف الدولة، وتقرأ علي شريعتي ومطهري وبازركان وطالقاني وسروش وكديور، من دون أن تقع في الانغلاق و عبادة الأشخاص أو تقديس التجارب.
من ذاكرة انقسام إلى سردية لدعم المقاومة
فالقدس، في النهاية، ليست فقط مدينة محتلة، بل معيار أخلاقي وفكري. ومن يقارب بينها وبين طهران وبيروت والجزائر وتونس والقاهرة ودمشق وبغداد والرباط وإسلام آباد وإسطنبول، لا يفعل ذلك لصناعة محور مغلق، بل لاكتشاف إمكان تاريخي أوسع: إمكان أن تتحول الذاكرة العربية الإسلامية من ذاكرة انقسام إلى سردية لدعم المقاومة والتحرر و التجديد والتغيير لواقع الشباب والشعوب والدول .
وهذا التغيير لن يتحقق إلا إذا انتقل الحوار من المؤتمرات إلى المجتمعات، ومن بيانات الوحدة إلى ثقافة الاعتراف، ومن التحالفات الظرقية إلى مشروع حضاري يجعل الحرية والعدالة وفلسطين والتعددية عناصر متكاملة لا متعارضة.
من الترجمة إلى التقريب.. إيران والحوار المذهبي بين الإصلاح الديني وسياسات المقاومة
لم يكن حضور الفكر الإسلامي العربي في إيران الحديثة مجرد ظاهرة ترجمة لكتاب إسلاميين بارزين مثل سيد قطب ومحمد قطب ومحمد إقبال ومحمد الغزالي و يوسف القرضاوي و منير شفيق ، أو تبادل ثقافي محدود، بل كان جزءًا من تشكّل فضاء إسلامي عابر للمذاهب واللغات، تداخلت فيه أسئلة النهضة، والهوية، والاستعمار، والعدالة الاجتماعية، والمقاومة السياسية. فمنذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وجدت بعض كتابات سيد قطب ومحمد قطب ومحمد الغزالي طريقها إلى القراء الفرس، لا بوصفها نصوصًا سنية مصرية فحسب، بل بوصفها أدبيات إسلامية حركية تخاطب أزمة الإنسان المسلم في مواجهة التغريب والاستبداد والتبعية.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام شخصيات إيرانية مثل الزعيم والمفكر اية الله علي خامنئي وهادي خسروشاهي وغيرهما بترجمة بعض نصوص سيد قطب أو التعريف بها، ضمن سياق أوسع هو البحث عن لغة إسلامية مشتركة بين السنّة والشيعة، لا تلغي الخلاف المذهبي ولكن تحاول تجاوزه سياسيًا وحضاريًا.
لم يكن حضور الفكر الإسلامي العربي في إيران الحديثة مجرد ظاهرة ترجمة لكتاب إسلاميين بارزين مثل سيد قطب ومحمد قطب ومحمد إقبال ومحمد الغزالي و يوسف القرضاوي و منير شفيق ، أو تبادل ثقافي محدود، بل كان جزءًا من تشكّل فضاء إسلامي عابر للمذاهب واللغات، تداخلت فيه أسئلة النهضة، والهوية، والاستعمار، والعدالة الاجتماعية، والمقاومة السياسية.كان سيد قطب أكثر هؤلاء حضورًا في المخيال الإسلامي الإيراني؛ لأن مشروعه جمع بين نقد الحضارة الغربية، والتأكيد على مركزية القرآن، والدعوة إلى بناء مجتمع إسلامي مستقل عن الهيمنة الأجنبية. لذلك لم تُقرأ نصوصه في إيران باعتبارها مجرد أدبيات إخوانية مصرية، بل بوصفها تعبيرًا عن قلق إسلامي عام.
أما محمد قطب فحضر من خلال امتداد الخطاب القطبي في التربية والتصور الإسلامي، في حين مثّل محمد الغزالي تيارًا إصلاحيًا أكثر مرونة، يوازن بين النص والواقع، وبين الأصالة والاجتهاد، وبين نقد الجمود الديني ونقد التغريب. بهذا المعنى، لم يكن التأثير العربي السني في إيران تأثيرًا مذهبيًا مباشرًا، بل تأثيرًا في لغة الإصلاح والنهضة والممانعة الفكرية.
لكن إيران ما بعد الثورة لم تكتف باستقبال هذه المؤثرات، بل حاولت تحويل فكرة الوحدة الإسلامية إلى بنية مؤسسية.
وهنا يبرز “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية” بوصفه إحدى الأدوات المركزية للحوار المذهبي. تقوم آلية هذا المجمع على عدة مستويات: أولها المستوى العلمي، من خلال البحوث والدراسات والمجلات والمؤتمرات؛ وثانيها المستوى الفقهي، عبر التركيز على المشترك بين المذاهب والاعتراف بشرعية الاجتهاد داخل المدارس الإسلامية المختلفة؛ وثالثها المستوى السياسي، عبر ربط الوحدة الإسلامية بقضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين والقدس ومواجهة الاستعمار والهيمنة؛ ورابعها المستوى الدبلوماسي الثقافي، من خلال استضافة وفود وعلماء وأكاديميين من بلدان متعددة.
في هذا الإطار، أصبحت مؤتمرات الوحدة الإسلامية في طهران مناسبة سنوية تتجاوز الطابع الاحتفالي إلى وظيفة رمزية وسياسية. فهي تجمع علماء شيعة وسنة، ومفتين، وأساتذة جامعات، وشخصيات فكرية وثقافية من العالم العربي وإيران وباكستان والهند وتركيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا. ومن الناحية النظرية، تسعى هذه المنتديات إلى بناء لغة مشتركة حول قضايا مثل: حرمة التكفير، احترام المذاهب، مركزية القرآن والسنة، مكانة أهل البيت في الوجدان الإسلامي، ضرورة الاجتهاد، ومواجهة الطائفية بوصفها خطرًا على المجتمعات الإسلامية. أما من الناحية العملية، فهي تمثل أيضًا أداة من أدوات القوة الناعمة الإيرانية، حيث تُقدَّم إيران لنفسها بوصفها مركزًا للحوار الإسلامي العالمي، لا مجرد دولة ذات مذهب رسمي شيعي.
ولا يمكن فصل آلية التقريب داخل إيران عن شبكة أوسع من المؤسسات، مثل الجامعات المتخصصة في دراسة المذاهب، ومراكز الحوار بين الأديان، ومنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، والمنتديات التي تستضيف شخصيات مسيحية ويهودية وزرادشتية ومسلمة للحوار حول التعايش والسلام. هنا ينتقل الخطاب من “التقريب بين المذاهب الإسلامية” إلى “الحوار بين الأديان”، أي من معالجة الانقسام السني الشيعي إلى بناء خطاب أوسع حول الدين في المجال العام، ومقاومة الإسلاموفوبيا، والدفاع عن القيم الروحية في عالم يهيمن عليه الصراع السياسي والمادي.
غير أن هذا المشروع لا يخلو من إشكالات. فالتقريب، حين يبقى في مستوى العلماء والمؤتمرات، قد لا ينجح في تغيير المزاج الشعبي المتأثر بالإعلام والصراعات والحروب.
كما أن ربط الوحدة الإسلامية بمحور سياسي محدد يجعل خصوم إيران يتعاملون بحذر مع المسار ومع المقاومة وانصارها .
ومن جهة أخرى، يرى مؤيدو هذا المشروع أن الفصل بين الوحدة الإسلامية وقضايا التحرر الوطني أمر غير ممكن، لأن الطائفية في نظرهم ليست مجرد خلاف ديني، بل أداة سياسية لتفتيت المجتمعات وإضعاف قضاياها المركزية.
من هنا تأتي العلاقة بين التقريب وحركات المقاومة الوطنية السنية والشيعية.
ففي فلسطين، تمثل حركات مثل حماس والجهاد الإسلامي نموذجًا لمقاومة ذات خلفية سنية فلسطينية، لكنها دخلت في تحالفات سياسية مع إيران وحزب الله على قاعدة مواجهة الاحتلال.
وفي لبنان، يمثل حزب الله نموذجًا شيعيًا لبنانيًا يربط بين الهوية المذهبية والخطاب الوطني المقاوم مع الانفتاح على نشطاء و زعماء عرب مسيحيين وسنة .
وفي اليمن، برزت حركة أنصار الله الحوثية من بيئة زيدية ذات خصوصية يمنية، ثم أصبحت جزءًا من معادلات إقليمية أوسع. وفي باكستان والهند وافغانستان وتركيا حيث يتعايش مئات ملايين المسلمين السنّة والشيعة داخل مجتمع شديد التنوع، يظهر خطاب الوحدة أحيانًا بوصفه ضرورة اجتماعية لمنع العنف الطائفي، لا مجرد شعار سياسي خارجي.
الحوار الحقيقي لا يعني أن يصبح السني شيعيًا أو الشيعي سنيًا، بل أن يعترف كل طرف بشرعية وجود الآخر، وأن تُدار الخلافات داخل فضاء علمي وأخلاقي لا داخل فضاء التحريض والتكفير.تكشف هذه الأمثلة أن التقريب ليس مسألة فقهية فقط، بل هو محاولة لإنتاج “مشترك سياسي” بين جماعات تختلف في المذهب، لكنها تلتقي في قضايا مثل فلسطين، والسيادة الوطنية، ومقاومة الاحتلال، ورفض الهيمنة الأجنبية.
غير أن نجاح هذا المشترك يتوقف على شرطين أساسيين: الأول ألا يتحول التقريب إلى ذوبان ” ثقافي / مذهبي” أو إنكار للاختلافات التاريخية؛ والثاني ان لا يتحول إلى اصطفاف سياسي مغلق يزيد الاستقطاب بدل أن يخففه.
فالحوار الحقيقي لا يعني أن يصبح السني شيعيًا أو الشيعي سنيًا، بل أن يعترف كل طرف بشرعية وجود الآخر، وأن تُدار الخلافات داخل فضاء علمي وأخلاقي لا داخل فضاء التحريض والتكفير.
في المقابل، تظل حركات الإصلاح والتجديد الفكري والديني عنصرًا مهمًا في هذا المشهد. فالإصلاحيون العرب والإيرانيون والباكستانيون والهنود والأتراك، سواء كانوا قريبين من المؤسسات الرسمية أو مستقلين عنها، طرحوا أسئلة عميقة حول علاقة الدين بالدولة، ومكانة الاجتهاد، وحقوق الإنسان، والمرأة، والمواطنة، ومقاومة الفقر والبطالة و اصلاح الدساتير والقوانين ، ومفهوم الأمة. وإذا كان الخطاب المقاوم يركز غالبًا على العدو الخارجي، فإن خطاب الإصلاح يذكّر بأن وحدة المسلمين لا يمكن أن تقوم فقط على مواجهة الخصوم، بل يجب أن تقوم أيضًا على إصلاح الداخل: التعليم، والاقتصاد والامن ، والفقه، والسياسة، والعدالة الاجتماعية، واحترام التعدد.
لذلك يمكن القول إن التجربة الإيرانية في التقريب بين المذاهب تحمل وجهين متداخلين: وجهًا فكريًا يتصل بالترجمة والتفاعل مع أدبيات الإصلاح الإسلامي العربي، ووجهًا مؤسسيًا سياسيًا يتصل بالمؤتمرات والمنتديات والدبلوماسية الثقافية. وبين الوجهين نشأت شبكة من العلماء والمفكرين والأكاديميين والناشطين من إيران والعالم العربي وباكستان والهند وتركيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا، حاولت أن تجعل من الحوار المذهبي والديني أداة لتخفيف الانقسام وبناء جبهة أخلاقية وسياسية أوسع.
والخلاصة أن التقريب بين المذاهب في إيران والعراق والعالم العربي الإسلامي السني ليس مجرد شعار ديني، بل مشروع مركّب يجمع بين المعرفة والسياسة والهوية والمقاومة. قوته تكمن في قدرته على فتح قنوات بين عوالم سنية وشيعية كانت متباعدة، وفي تحويل قضايا مثل فلسطين والقدس ومناهضة التكفير إلى أرضية مشتركة. أما حدوده فتظهر حين يصبح الحوار تابعًا لحسابات الدولة أو المحاور الإقليمية. ومن ثم فإن مستقبل هذا المشروع يتوقف على قدرته على الانتقال من “وحدة المؤتمرات” إلى “وحدة المجتمعات”، ومن التقريب الرسمي إلى ثقافة شعبية.
