من يتابع وسائل الإعلام يلحظ أن هنالك حديثًا عن احتمال عودة الحرب الإيرانية الأمريكية مجددًا، ولا نعلم مدى دقة هذه المعلومات، ولكن الكثيرين في منطقتنا وفي أرضنا المقدسة يعيشون حالة من التوتر والخوف من مستقبل مجهول. ونحن لا نعلم إلى أين نحن ذاهبون مع هذه الحروب التي لا تتوقف.
فما إن تنتهي حرب حتى تبدأ حرب أخرى، وكأنه محكوم علينا جميعًا في هذه المنطقة أن نعيش في حالة من عدم الاستقرار والحروب والدمار والخراب.
الفلسطينيون، منذ النكبة وحتى اليوم، يعيشون حالة مستمرة من الحروب والقمع والظلم، إلى أن وصلنا إلى حرب الإبادة في غزة وما خلّفته من تداعيات كارثية ومأساوية.
هنالك من يقول إن الفلسطينيين قد أدمنوا الحروب، وهذا توصيف غير دقيق، فلا يمكن لأي إنسان أن يدمن الحروب أو يتأقلم مع المظالم والاضطهاد والاستهداف الذي يتعرض له الإنسان الفلسطيني.
الفلسطينيون الذين تعرضوا لحرب الإبادة في غزة، اما أبناء الضفة الغربية فانهم يعيشون وكأنهم في سجن كبير، ويتعرضون للاستهداف في كافة تفاصيل حياتهم.
الفلسطينيون يستحقون أن ينتقلوا إلى مرحلة جديدة من تاريخهم، ينعمون فيها بحياة أفضل يسودها الأمن والأمان والسلام.
العالم منهمك اليوم بالحديث عن حرب محتملة بين أمريكا وإيران، توقفت لفترة من الزمن، ويبدو أنها قد تعود، وإن كنا نتمنى ألا يحدث ذلك، لأننا نرفض الحروب بكافة مسمياتها وأوصافها، وننادي دومًا بحل الخلافات من خلال لغة الحوار، التي تجنب المدنيين دفع أثمان باهظة بسبب قرارات يتخذها زعماء وقادة سياسيون في هذا العالم.
إن شعبنا الفلسطيني هو من أكثر الشعوب التي تدرك جيدًا ماذا تعني الحرب، وهو الشعب الذي دفع أثمانًا باهظة من دمائه وحياته وحريته بسبب الحروب الظالمة التي فرضت عليه، وكان آخرها حرب الإبادة المروعة في غزة المنكوبة والمكلومة.
نتساءل، ويتساءل معنا الكثيرون: إلى أين يتجه هذا العالم في ظل قرارات تُتخذ لتكريس حالة الحروب والعداء بين الشعوب؟
إلى أين يتجه هذا العالم الذي يتغنى بعض قادته بحقوق الإنسان، بينما يتجاهلونها في أماكن معينة، ولا سيما في فلسطين، التي يعيش شعبها المظالم والمعاناة بشكل دائم ومستمر؟
لا نريد للحرب أن تعود، وأظن أن الكثيرين يشاركونني هذا الموقف. فكل إنسان يحمل أجندة إنسانية وأخلاقية يرفض عودة الحرب التي جعلت الكثيرين يعيشون في حالة خوف وتوتر وقلق. أما أصحاب القرار، فأجندتهم ليست إنسانية، بل هي أجندة المصالح الاقتصادية والاستعمارية، وهم يفكرون بعقلية التوسع والمصالح، ولا يأخذون بعين الاعتبار الإنسان الذي يدفع فاتورة هذه الحروب المأساوية والمروعة.
لا نريد للحرب الإيرانية الأمريكية أن تعود، ولكننا نقول في الوقت ذاته إنه لا يجوز لأي أحداث عالمية، مهما كانت كبيرة أو جسيمة، أن تحجب الأنظار عن معاناة شعب مظلوم ومكلوم في قطاع غزة.
لقد باتت قضية غزة ومعاناة أهلها خبرًا مهمشًا، وكأن آلام أكثر من مليوني إنسان في القطاع لا تعني شيئًا ولا قيمة لها.
وأصبحت أخبار القطاع مجرد خبر عاجل في كثير من وسائل الإعلام. وقد قيل لنا قبل عدة أشهر إن الحرب قد توقفت، ولكن الواقع يؤكد أنها ما زالت مستمرة ومتواصلة.
نعم، لا نريد أن تعود الحرب الأمريكية الإيرانية، ولكننا أيضًا ننادي بأن يتوقف العدوان على غزة، فأهل غزة بشر خلقهم الله كما خلق كل إنسان في هذا العالم، وهم يستحقون أن ينعموا بالحياة، وأن يعيشوا حياة طبيعية. فالحرب ليست قدرهم، وسياسات التجويع والتنكيل ليست قدرًا لا يمكن مواجهته ورفضه.
أعان الله أهلنا في غزة أمام هذا الكم الهائل من النكبات والمظالم والمآسي والكوارث الإنسانية، فبات مطلب الكثيرين في القطاع الحصول على الماء العذب، ورغيف الخبز، والدواء الذي يداوي المرضى.
أكثر من مليوني إنسان في القطاع يعيشون أوضاعًا مأساوية وكارثية، ولا يجوز لأي حدث عالمي أن يحجب الأنظار عن مأساة وكارثة شعب يريد أن يعيش حياة أفضل.
لا نريد للحرب أن تتجدد، ولكننا نريد أيضًا أن تتوقف الاعتداءات على غزة، وقنص الأبرياء، وخاصة الأطفال الذين يموتون بعيدًا عن الأضواء، وكأن حياة الإنسان في غزة لا قيمة لها.
إن حياة الإنسان في غزة لها قيمة أخلاقية وإنسانية، كما أن لكل إنسان في هذا الكون الحق في أن ينعم بحياة يسودها السلام والأمن والأمان. فلا يوجد إنسان من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة العاشرة، ولا يوجد شعب يستحق الحياة وآخر يستحق الموت، فكل الشعوب تستحق الحياة، وكل الشعوب تستحق أن تعيش بأمن وأمان وسلام.
إلى متى سيبقى حال الإنسان الفلسطيني هكذا؟ ومتى سيصحو حكام وجبابرة هذا العالم ليعودوا إلى إنسانيتهم، ويعملوا من أجل تحقيق العدالة المغيبة في هذه الديار؟
إن القابع في البيت الأبيض وحلفاءه هم الذين يتحكمون بسياسات الحرب والسلم، وهم الذين يتخذون القرارات المتعلقة بالحرب والسلام.
هل يمكننا أن نتفاءل بأن السياسات الأمريكية يمكن أن تتغير، وأن تصبح أكثر إنصافًا للمظلومين، وأكثر عدلًا وإنسانية؟
أمريكا تتغير من الداخل، والعالم كله يتغير، وهنالك انعطافة غير مسبوقة في سائر أرجاء العالم لصالح الفلسطينيين وعدالة قضيتهم.
أقول لأهلنا في غزة: أعانكم الله على هذه المحنة. وأقول لشعبنا الفلسطيني: أعانكم الله على هذه المظالم. ولكننا، في الوقت ذاته، نقول إننا لن نسمح لأي جهة بأن تغرقنا في ثقافة اليأس والإحباط والقنوط، فقضية شعبنا هي قضية حق وعدالة، ومهما طال الزمن فلا بد لهذا الشعب أن ينعم بالأمن والأمان.
إن هذه التضحيات، وهذه الدماء المسفوكة، لا بد أن تكون ثمرتها الحرية. والفلسطينيون يستحقون الحرية، وهي ليست منّة من أحد، بل هي حق مشروع لكل إنسان فلسطيني أن يعيش في وطنه بأمن وأمان وسلام.
وتبقى القضية الفلسطينية هي البوصلة، وهي مفتاح السلام في كل مكان.
أعيدوا لشعبنا حقوقه، فشعبنا يستحق أن يعيش، وأن ينعم بحرية طال انتظارها. نعم، لا نريد للحرب أن تعود، ولكننا نريد أيضًا أن تتحقق العدالة المغيبة في أرض تتوق إلى العدالة والحرية والسلام.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 17 تموز 2026
