تحدثت سماء اليمن وانكسر الحصار ..
عفاف فيصل صالح
هناك مشاهد لا تمرّ على ذاكرة الشعوب مرور العابرين، بل تُحفر في وجدانها بحروفٍ من نور، وتبقى شاهدةً على لحظاتٍ يتجلى فيها معنى الصمود، وتُختبر فيها إرادة الأمم. ومن بين تلك المشاهد سيبقى ذلك اليوم حاضرًا في ذاكرة اليمنيين؛ يوم حاولت آلة العدوان أن تُلقي بظلال الخوف على سماء صنعاء، وأن تجعل من مطار صنعاء الدولي بوابةً مغلقة أمام حياة شعبٍ بأكمله، فإذا بالإرادة تنتصر على القصف، وإذا بالعزيمة تحلق فوق أصوات الصواريخ.
كانت السماء تضجّ بدويّ القصف، وكانت الأنظار معلقة نحو الطائرة، والقلوب ترفع أكف الدعاء، والألسن تلهج بالرجاء إلى الله أن يحفظ الركاب والطواقم، وأن يكتب لهذا الوطن فرحةً بعد أعوامٍ من الألم والمعاناة. وبينما ظن المعتدي أن نار صواريخه ستصنع الخوف، كان هناك شعبٌ يصنع من لحظات الخطر ملحمةً جديدة من الثبات والثقة بالله.
لم تهبط الطائرة وحدها بل هبط معها الفرح إلى قلوبٍ أنهكها الحصار، وهبطت معها دموع الفرح والحمد والشكر، دموع شعبٍ عرف معنى الصبر، وعرف أن بعد العسر فرجًا، وبعد الليل الطويل لا بد أن تشرق شمس الأمل.
لقد أرادوا أن يجعلوا من مطار صنعاء رمزًا للحصار، فإذا به يتحول إلى رمزٍ آخر: رمز الإرادة التي لا تُكسر، والصمود الذي لا ينحني. أرادوا أن يبعثوا برسالة خوف، فكانت الرسالة التي وصلت إلى العالم أن شعبًا يُحاصر لا يعني أنه يُهزم، وأن أمةً تُقصف لا يعني أنها تفقد عزيمتها.
سنواتٌ طويلة عاش فيها اليمن تحت وطأة الحصار، أُغلقت الطرق، وضاقت السبل، وتحملت الأسر اليمنية آلامًا لا توصف، وكان العالم يرى المأساة ولا يتحرك كما يجب، حتى أصبح صمت العالم جرحًا آخر يضاف إلى جراح اليمنيين.
وفي وسط ذلك الظلام برزت مواقف من اختاروا الوقوف إلى جانب اليمن في محنته، مواقف تركت أثرًا في ذاكرة الشعب اليمني، وفي مقدمتها الموقف الإيراني الذي عبّر أنصاره عنه باعتباره وقوفًا إلى جانب اليمن في مواجهة الحصار والمعاناة. فالمواقف الصعبة هي التي تكشف معادن الرجال، والوفاء الحقيقي يظهر عندما تكون الكلفة عالية والطريق محفوفًا بالمخاطر.
الشعوب لا تنسى من يقف معها في لحظات الشدة، فالتاريخ لا يكتب فقط أسماء الأقوياء، بل يخلّد أسماء من اختاروا نصرة المظلومين والوقوف إلى جانب قضايا الشعوب. ولذلك تبقى كلمات الشكر والامتنان لكل من ساند اليمن في محنته تعبيرًا عن الوفاء والعرفان.
وفي المقابل، أثبت اليمنيون مرةً أخرى أن إرادتهم ليست أمرًا يمكن كسره، وأن كرامتهم ليست ورقةً للتفاوض أو المساومة. فالشعب الذي تحمل سنوات الحصار والقصف والجراح، لا يمكن أن يقبل أن يُحرم من أبسط حقوقه، ولا أن تُصادر حريته وقراره.
ردنا اليمني رسالةً بأن للصبر حدودًا، وأن الشعوب حين تُدفع إلى الزاوية فإنها تتمسك بحقوقها بكل ما تملك من قوة وعزيمة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الإذلال، والكرامة لا تُمنح من أحد، بل تُصان بالإرادة والثبات.
وخرجت الجماهير إلى الساحات، تحمل مشاعر الفرح والاعتزاز، وترفع أصواتها رفضًا للحصار والعدوان، وتؤكد أن اليمنيين لا ينسون المواقف ولا يتجاهلون التضحيات. كانت تلك الحشود صورةً أخرى من صور ارتباط الشعب بقضاياه، وإصراره على أن يبقى حاضرًا في صناعة مصيره.
اليمن أثبت عبر سنوات المحن أن الجبال لا تهتز أمام الرياح العاتية، وأن الشعوب التي تستند إلى إيمانها وهويتها لا تُمحى من صفحات التاريخ. قد تُغلق المطارات، وقد تُحاصر المدن، وقد تُفرض القيود، لكن روح الشعوب الحرة تبقى تحلق فوق كل الحواجز.
سيبقى اليمن وطنًا يرفض الانكسار، وشعبًا يحمل في ذاكرته دروس الايمان والصبر والجهاد والتضحيات. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بما تملكه من إرادة، واليمن أثبت أن إرادته أقوى من الحصار، وأن كرامته أكبر من كل التحديات.
وبالله نستعين، وعليه نتوكل، وعلى طريق الحق والكرامة نمضي مؤمنين بأن العدل لا يضيع، وأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا بد أن تجد طريقها إلى النصر بإذن الله.
