من غزة إلى الدوحة: بين إرادة الأنفاق ورهانات القصور
نوال عباسي- تونس
منتدى سيف القدس

لم يغادر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عالمنا تاركاً خلفه ناطحات السحاب التي شيّدها على أرض قطر فحسب، بل خلف أيضاً مشروعاً سياسياً بالغ الإتقان في فن إدارة التناقضات، حوّل “المقاومة” من حالة وجودية تدمي الاحتلال إلى أداة وظيفية تُشحذ وتُغمَد بأمر من واشنطن وتل أبيب، في إحدى أرقى عمليات التدجين السياسي التي شهدها العصر الحديث، حيث تُستلب القضية من جذوتها الثورية وتُلفّ في حرير الوساطات والصفقات. فمنذ انتقال المكتب السياسي لحركة حماس إلى الدوحة عام 2012، لم تكن تلك الاستضافة مجرد لفتة كرم، بل استجابة لرغبة أمريكية معلنة بفتح قناة اتصال غير مباشرة مع الحركة، وهنا تكمن المفارقة التاريخية: الملجأ الذي يظنه البعض حصناً للمقاومة كان غرفة عمليات تحت سقف زجاجي، تحولت فيه المقاومة إلى نمرٍ مخدّر، أنيابه موجودة لكن قدرته على العضّ أصبحت مرهونة بإرادة الحارس. وإذ كانت سلاسل النقود الذهبية، التي تجاوزت قيمتها المليار وثمانمئة مليون دولار، هي السوط الأول الذي روّض شق من الحركة وحوّله من هيئة ثائرة إلى إدارة خدماتية تستجدي استمرار تدفق الحقائب النقدية، فإنّ السوط الأفتن والأعمق كان النسيج الإعلامي الشفاف الذي تنسجه شاشات الجزيرة، لتبدو وكأنها صخرة تتكسر عليها أمواج الرواية الصهيونية، بينما هي سيف ذو حدّين يقطع نياط المقاومة من حيث لا تشعر.

فما إن يُفتح باب الاستضافة لتسفي باريل، الكاتب في صحيفة هآرتس، الذي تنشر الجزيرة مقالاته بانتظام تحت تعريفٍ مُجرّدٍ كـ”كاتب إسرائيلي”، دون الإشارة إلى كونه جزءاً من المؤسسة الإعلامية للاحتلال، حتى يتبدّى أن الأمر ليس مجرد نقل لآراء، بل ترويج منهجي لخطاب النخبة الصهيونية القلقة على سمعة كيانهم اللقيط، لا على حقوق الفلسطينيين، فيُصبح نقدُ باريل لسياسات حكومته أداةً لتلميع صورة الاحتلال عبر إيهام المشاهد بوجود ديمقراطيةٍ تُناقش أخطاءها، بينما الحقيقة أن ذلك النقد ليس إلا تطهيراً للسمعة وتمييعاً لجرائم التطهير العرقي. ولا يتوقف الأمر عنده، فالجزيرة نت خصصت موسوعةً كاملةً للسياسية الصهيونية تسيبي ليفني، التي تنتمي لعائلة صهيونية متطرفة وعملت في الموساد، وتنشر تصريحاتها التي تنتقد حكومة نتنياهو ليس لأنها تعترف بحقوق الفلسطينيين، بل لأنها تخشى على صورة الكيان الصهيوني في الغرب، فيُصبح خطابُها، الذي يدعو لتلميع الاحتلال عبر إصلاحات شكلية، جزءاً من السردية المقدمة للجمهور العربي وكأنه رأيٌ آخر في الصراع، وليس دفاعاً عن مشروع استيطاني يمارس الفصل العنصري والإبادة الجماعية. غير أن أفتن ما تقدمه الشبكة في مسرحية العداء الوهمي، وأكثر ما يكشف حقيقة دورها كأداة احتواء لا مقاومة، هو ذلك الباب المشرع على مصراعيه لخطاب مسؤولي الاحتلال أنفسهم. ففي برنامج Up Front الناطق بالإنجليزية، استضافت الجزيرة وزير التعليم الصهيوني الأسبق نفتالي بينيت، ومنحته مساحةً واسعةً لترديد أكذوبة أن “لا فلسطينياً هُجّر من بيته”، مستشهداً بالكتاب المقدس كسندٍ تاريخي لتهويد الأرض، مدّعياً أن الكيان الصهيوني يستضيف ملايين العرب” في تناقضٍ صارخٍ مع واقع الفصل العنصري، بينما وقف المذيع مكتوفَ الأيدي وكأن تقديم الرواية المضادة ليس من صميم عمله. وتجاوزته الشبكة إلى نائبة وزير الخارجية في الكيان اللقيط تسيفي هوتوفلي، التي رفضت اثنتي عشرة مرةً الإجابة عن سؤال مباشر حول دعمها لدولة فلسطينية، وذهبت إلى حدّ وصف المقاومة بأنها “إرهاب” وربطها بتنظيم “داعش”، في محاولةٍ لتشويه النضال وتبرير الاحتلال، وكأن المشاهد العربي ليس بحاجةٍ إلى كشف زيف الرواية، بل إلى سماعها بصوت واضح وحجة مهذبة. بل واستضافت القناة إفرايم هاليفي، المدير الأسبق للموساد، الذي كشف في حوار علني عن رؤية استراتيجية خطيرة، معترفاً بأن قادة جيش الاحتلال يفضّلون بقاء حماس في الحكم في غزة، ومُقرّاً بوجود رابط مباشر بين الاحتلال والعنف الفلسطيني، وكأنه يُقدّم للمشاهد خلاصةً استخباراتيةً كانت ستظل مخفيةً لولا كرم الضيافة القطرية، فيُحوّل جرائم الحرب إلى مادة للنقاش الأكاديمي، وتُصبح تهويد القدس واقتحام المسجد الأقصى مجرد “رأي” قابل للقبول أو الرفض، وليس جزءاً من مشروع استيطاني عنصري يجب فضحه والتصدي له. وهذا الانفتاح غير المسبوق على خطاب الاحتلال، والذي تتجاهله الشبكة في تغطيتها للجانب الآخر، ليس مجرد “مهنية إعلامية” كما تُرَوّج، بل هو جزء عضوي من استراتيجية التزييف والتدجين التي تنفذها الدوحة بالوكالة الإعلامية، فتُصوّر الجزيرة نفسها وكأنها تتحدى الاحتلال وتكشف جرائمه، بينما تمنحه في الحقيقة منصةً متساويةً لترويج أكاذيبه، وتُقدّم مجرمي الحرب كـ”محللين” و”خبراء”، وتُحوّل الصراع الوجودي بين محتلٍ ومحتَل إلى مجرد خلاف سياسي قابل للحوار والتفاوض.

وهنا يتجلى البعد الأخطر في القفص الذهبي: أن المقاومة لا تُروّض فقط بالمال والوساطة، بل تُروّض أيضاً عبر إعادة تشكيل وعي الجمهور، بحيث يصبح سماع رواية الاحتلال أمراً عادياً، ومعارضتها أمراً متطرفاً، وكأن فلسطين ليست أرضاً مغتصبة بل قضية خلافية تحتاج إلى وسيط. وهذا التمويه لا ينهار إلا عندما نُسلّط ضوء وثائق “ويكيليكس” على العلاقة الحقيقية، حيث يظهر مدير القناة السابق وضّاح خنفر في لقاءاته السرية مع المسؤولة الأمريكية عام 2005، متعهداً بتنقيح التغطية وإزالة المحتوى “المزعج” لواشنطن، ومعترضاً على توثيق ذلك كتابةً، طالباً أن يبقى “اتفاقاً غير مكتوب”، وكأنه يقرّ بأن استقلالية الجزيرة ليست سوى قناعٍ جميل ترتديه لتخدير الوعي العربي وإيهامه بأنه يتابع قناة المقاومة، بينما هي صانعة محتوى تنسجم تياراتها مع الأجندة الأمريكية في الكليات وتتصنع البطولة في الجزئيات.

وهكذا، لا تقف لعبة الدوحة عند حدود المال والإعلام والوساطة، بل تمتد إلى حيث تُصنع الحروب وتُدار، هناك في قلب الصحراء القطرية، حيث تحتضن قاعدة “العديد” الجوية، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في غرب آسيا ، غرفة العمليات الجوية المشتركة التي تُسيّر الضربات الأمريكية في العراق وسوريا وأفغانستان وخمسة عشر دولة أخرى. ففي عام 2003، لم تكن قطر مجرد متفرج على غزو العراق، بل كانت المقر الرئيسي للقيادة العسكرية الأمريكية، حيث انطلقت منها طائرات الحرب لتحطيم دولة وتفكيك جيش وإعادة رسم خريطة المنطقة بالدم والنار، وقد اعترفت واشنطن لاحقاً بأن الدوحة “ساهمت بقوة” في ذلك الغزو، لتضع بذلك حجر الأساس لخراب عراقي ما زالت تداعياته تنزف حتى اليوم. ولم تكتفِ الدوحة بتوفير منصة الانطلاق، بل انخرطت مباشرةً في تفكيك دولٍ أخرى؛ ففي ليبيا، كانت قطر أول دولة عربية تنضم إلى العمليات العسكرية الدولية، مرسلةً طائراتها لفرض منطقة الحظر الجوي، وداعمةً لثوار الناتو بالمال والسلاح والضباط وقوات العمليات الخاصة، بل ونقلت آلاف المقاتلين الليبيين إلى سوريا بطائراتها القطرية، محولةً إياهم من ثوار يبحثون عن تغيير نظام إلى وقود لحروب بالوكالة تخدم أجندة إقليمية لا علاقة لها بتحرير الشعوب. وفي سوريا، بلغ التدجين ذروته، إذ حوّلت قطر انتفاضة شعبيةً إلى مستنقع من الفوضى الطائفية، فكانت السبّاقة في تسليح المعارضة، ومموّلة لثوار جاءت بهم المخابرات التركية بأكثر من ثلاثة مليارات دولار في أول عامين من الحرب، وداعمةً للجماعات الإسلامية المتطرفة ، حتى اتهمها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بـ”إشعال الحرب” عبر إغراق الساحة بالأسلحة. هنا، يتجلى الوجه الآخر للقفص الذهبي: قطر التي تستضيف قادة حماس في قصورها، هي نفسها من فتحت أبوابها لقاذفات الحرب الأمريكية لتدمر العراق، ومن أغرقت سوريا وليبيا بالسلاح والمال لتُحيلهما إلى حقول تجارب للفوضى الخلاقة، وكأنّ دعمها للمقاومة في فلسطين ليس إلا غطاءً يتسع لدورٍ إقليميٍّ أكثر اتساعاً، دور الوسيط الذي يمسك بزمام الحروب تارةً وبزمام الهدن تارةً أخرى، ليظلّ في قلب المشهد، لاعباً لا يُستغنى عنه، ومموّلاً لا يُسأل عن مصير ما يمول. ومن هنا تنكشف الصورة الكاملة: ليست الدوحة ملجأ المقاومة كما تزعم، بل هي غرفة عمليات إقليمية متكاملة، تستخدم المال لتطويع الفصائل، والإعلام لتزييف الوعي، والقواعد العسكرية لتمكين الهيمنة الغربية، والحروب بالوكالة لإعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية غير أنها تُقدّم بقالب عربيٍّ برّاق، يجعل الغافلين يظنون أنهم يشاهدون صنّاع النصر، بينما هم في الحقيقة يشاهدون وكلاء الهزيمة.

غير أن السؤال الأقسى الذي يلوح في الأفق، يكاد ينسف كل ما سبق أو يُكمّله: ففي السابع من أكتوبر، حين اخترقت المقاومة في غزة السياج الإلكتروني والخرساني، لم يكن مكتب الدوحة يعلم، ولم تكن الجزيرة تخطط، ولم تكن الشيكات القطرية قد مهدت الطريق. “طوفان الأقصى” جاء من باطن الأرض المحاصرة، من أروقة الأنفاق لا من أروقة الفنادق الفاخرة، ومن إرادة لا تُشترى بالمال ولا تُؤدَّب بالتهديد بالطرد، ليكشف أن مشروع الدوحة لم يستطع أن يمدّ يديه إلى عمق غزة، حيث تُصنع المعجزات العسكرية بعيداً عن أضواء الكاميرات ودفاتر الوساطة، وهنا يتبدّى أن المقاومة الحقيقية كانت وما زالت عصيّة على كل محاولات التدجين، مهما بلغت براعة المروِّض. غير أن هذه الحقيقة، عوضاً عن أن تنفي الفكرة السابقة، تُعمّقها وتُعطيها بُعداً آخر: فما فعله طوفان الأقصى هو فضح حدود “الاحتواء القطري”، إذ أثبت أن جناح غزة العسكري، بقادته الذين لا يسافرون إلى الدوحة ولا يجلسون على موائد المفاوضات، ظل خارج دائرة النفوذ المالي والإعلامي، محتفظاً باستقلاليته التي أذهلت العالم.

لكن السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا ظلّ المكتب السياسي في الدوحة، بقيادته البارزة، رهينةً لذلك الاحتواء، بينما صنع أقرانهم في غزة الحدث الأكبر؟ الجواب يكمن في أن قطر نجحت، عبر عقود من الإغراء والوساطة، في تحويل قسم من الحركة إلى “ذراع سياسية” قابلة للتفاوض، بينما احتفظ القسم الآخر بجذوته الثورية، فلم تكن الدوحة قادرة على منع الطوفان، لكنها كانت وما زالت قادرة على امتصاص تداعياته والانقضاض عليه ببراعة الوسيط الذي يمسك بطرفَي الخيط، لتقول للعالم: نحن من نفتح قنوات الحل، ونحن من نُهدئ حين تشتعل الجبهات. وهكذا، لم يُخطئ جناح غزة عندما اختار أن يكون بعيداً عن الدوحة، بل كان وعيه بأن الحضن القطري وإن دفّأ الجسد، فإنه يُبرد الروح، هو ما جعله يحتفظ بقراره الأخير في أرض المعركة لا في قاعات الاجتماعات. لكن المأساة أن هذا الانقسام الداخلي بين غزة الثائرة والدوحة المفاوضة هو ذاته ما خدم الأجندة القطرية – وإن كان دون قصد – فبينما كان الطوفان يُشعل المنطقة، كانت الدوحة تتربّع على طاولة الهدنة، وكأنها تُخبر العالم: نحن نملك مفتاح التهدئة، ولا نكاد نملك زمام الانفجار، وفي هذا الفصل يتحقق المطلوب: مقاومة لا تتوقف عن الإزعاج لتبقي قطر في دائرة الضوء كوسيط لا غنى عنه، ومقاومة في الوقت نفسه لا تبلغ درجة التحرير الكامل لكيلا تنقلب الطاولة على الجميع.

من هنا، يتبدّى أن طوفان الأقصى، في عظمته ودهشته، أصبح جزءاً من لعبة الدوحة الدقيقة، ليس لأنه صنع بإرادتها، بل لأنها استطاعت أن تركب موجته وتُبحر به نحو مصالحها، فالمقاومة التي لا تُسيطر عليها قطر كلياً هي في نظرها أفضل من مقاومة تغيب تماماً، لأن وجودها يمنحها دوراً، واندفاعها يُعطيها شرعية، وحدودها تُبقيها في إطار يمكن تفاوضه، وفي هذا المكمن الأخير، حيث تلتقي إرادة غزة بدهاء الدوحة، تتبلور المفارقة الأعمق: أن الاحتواء لا يحتاج إلى السيطرة على كل شيء، بل يكفيه أن يمسك بخيوط ما بعد المعركة، ليُحوّل حتى الانتصارات العسكرية إلى مجرد مقدمات لمفاوضات سياسية، حيث تذوب الدماء في بحر من البيانات الختامية وتُدفن الأسلحة تحت ثقل الاتفاقات الإنسانية. إذن، لم ينجُ أحدٌ من شبكة الدوحة العنكبوتية، لا من آمن بوساطتها ولا من ظنّ أنه عصيّ على احتوائها؛ لأن من لا تسيطر عليه في لحظة المعركة، تسيطر عليه في لحظة الهدنة، ومن لا تروّضه بالمال، تروّضه بالشرعية الدولية ومنصة الإعلام التي تُصوّر المفاوضات كأنها المعركة الحقيقية، متناسية أن المعركة الحقيقية خاضها المقاومون بالدم هناك، في تلك البقعة التي لم تطأها أحذية الديبلوماسيين، حيث كان الطوفان، وحيث كانت النهاية التي لا تُكتب إلا في سجلات الغيب، لا في بيانات الجزيرة ولا في محاضر الوساطة القطرية. وهكذا، يعود بنا المطاف إلى حيث بدأنا: برحيل حمد بن خليفة، تغادر الحياة شخصية استثنائية في فن إدارة التناقضات، لكن سياسته تجاه القضية الفلسطينية ستبقى وصيةً خطيرة على مكتب خليفته، لأن ما أقامته الدوحة ليس دعمًا للمقاومة، بل احتواءً يمنعها من أن تكون خطراً حقيقياً، وتمويلاً يشترط ترويضها، وإعلاماً يضخّم صوتها في التفاصيل ليُسكت جوهرها في الكليات، وقواعدَ عسكريةٍ تُمكّن الغرب من تدمير دول الأمة، وحروباً بالوكالة تُحوّل الثورات إلى فوضى طائفية، كل ذلك في إطار واحد هو “القفص الذهبي” الذي يمنح المقاومة وَهْمَ الحرية بينما يسلبها روحها، ويُعطيها منصةً للصوت بينما يُكمّم إرادتها، ويُشرّع وجودها بينما يُجفّف منابعها.

المقاومة التي تُحتضن في القصور، وتُمول بالشيكات، وتُظهرها الكاميرات كنجوم في برامج سياسية، ليست مقاومة تخيف الاحتلال، بل مقاومة تخدمه عبر إبقاء الصراع في دائرة مغلقة يمكن السيطرة عليها، وحتى حين تشذّ عن السيطرة، كما حدث في طوفان الأقصى، تجد الدوحة نفسها مستعدة لاستثمار ذلك الشذوذ ذاته، فتمسح دموع الشهداء بكمّ الوسيط، وتُحوّل دوي المدافع إلى موسيقى تصويرية لمشهدها الديبلوماسي الأبدي. في هذا القفص الذهبي، بين قصور الدوحة وأنفاق غزة، تموت القضية موتاً بطيئاً تحت وطأة الحضن القطري الدافئ، بينما يظنّ الغافلون أنها تُولَد من جديد، وفي كل طوفان يظنون أنه فجر التحرير، يكون مجرد فجر آخر لصفقة جديدة، يُكتب فيها النصر على الورق، ويُدفن في التراب. هكذا تظل غزة، بدمائها وأنفاقها، عصيّة على القفص الذهبي، لكنها في الوقت نفسه تظل رهينةً له، لأن من لا تستطيع الدوحة أن تروّضه في ساحات المعركة، تستطيع أن تروّضه في قاعات المفاوضات، ومن لا تستطيع أن تسيطر عليه في لحظة الانفجار، تسيطر عليه في لحظة الهدنة، ومن لا تستطيع أن تغيّر إرادته بالمال، تغيّر وعيه بالإعلام، ومن لا تستطيع أن تمنعه من المقاومة في فلسطين، تستطيع أن تشغله بمآسي العراق وليبيا وسوريا التي ساهمت في صنعها، ليبقى المشهد العربي مشتتاً، والجسد العربي ممزقاً، والدوحة وحدها، فوق الأنقاض وفوق الدماء، تُمسك بخيوط اللعبة كلها.

وما بين الأنفاق والقصور، تبقى القضية معلّقة بين سماء التحرير وأرض الصفقات، لا تدري أين يكون مصيرها النهائي، بينما تمر الأيام، وتمضي السنوات، وتبقى الدوحة كما هي: قفصاً ذهبياً، لا يُفتح إلا لمن يريد أن يُحبس، ولا يُغلق إلا على من يظن أنه طائر.