يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل تكتونية متسارعة العجلة، حيث تتقاطع المصالح البراغماتية الفجة مع المخططات الاستعمارية العابرة للحدود. وفي قلب هذا المشهد، يبرز قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ برفع العقوبات عن تركيا وإعادة دمجها في برنامج مقاتلات F-35 كدخانٍ ينذر بحريق هائل تحت الأرض؛ صفقة قذرة ومقايضة كبرى مع رجب طيب أردوغان، هدفها الحقيقي ليس تطييب خاطر أنقرة، بل تحرير “قوة الضربة” التابعة لأبي محمد الجولاني وتوجيه خنجرها المسموم نحو الساحة اللبنانية لتفكيك بنية المقاومة.
1. لغز الـ F-35: المقايضة القذرة بين ترامب وأردوغان
لم يكن قرار ترامب المفاجئ بالإفراج عن مقاتلات F-35 لتركيا خطوة عشوائية، بل كان عملية “تزييت” لتروس التفاهمات التركية-الأمريكية. أردوغان، الذي يتقن اللعب على حبال التناقضات، كان يضغط بفرامل نفوذه على العناصر التابعة للاستخبارات التركية والمدمجة داخل هيكل قوات الجولاني، رافضاً المضي قدماً في خطط واشنطن دون ضمانات ملموسة.
هذه الخطوة أثارت رعب اليمين الصهيوني المتطرف (نتنياهو وسموتريتش)، خوفاً من فقدان إسرائيل لـ “التفوق الجوي النوعي” في المنطقة، رغم وجود مسرحية هزلية معتادة لتوزيع الأدوار. المقايضة واضحة: منح تركيا الضوء الأخضر للمقاتلات المتطورة، مقابل منح أنقرة الضوء الأخضر لوكلائها في سوريا للانخراط في المخطط القادم ضد لبنان.
2. الجولاني كخنجر وظيفي: رسائل الاغتيال الدموية وهندسة الناتو
في هذه اللعبة المخابراتية المعقدة، لا يُعامل الجولاني باعتباره “الابن المدلل” لواشنطن، بل باعتباره الأداة الأكثر فائدة وصلاحية للاستخدام المؤقت، وهو حتماً عنصر قابل للاستبدال حين تنتهي صلاحيته.
رسالة إدلب الدموية: جاء اغتيال الولايات المتحدة لـ “سني الرشيدي”، القائد العقائدي لتنظيم “حراس الدين” (فرع القاعدة في سوريا) في إدلب، كرسالة أمريكية باليستية مشفرة لأنقرة قبيل قمة الناتو؛ مفادها: إما الانصياع الكامل للخطط المرسومة للجولاني، أو تصفية كافة الأوراق البديلة ونقاط النفوذ التركية في شمال سوريا.
في الوقت ذاته، يتحول الشمال السوري إلى مسرح عمليات متقدم لحلف الناتو؛ حيث تتواجد القوات الخاصة الأوكرانية لتزويد الجولاني بتقنيات الطائرات المسيرة والتدريب العسكري العالي، مما يعني أن معركة تفكيك المنطقة تُدار برعاية أطلسية مباشرة عبر وكلاء محليين أثبتوا نجاعتهم في إسقاط دمشق أواخر عام 2024.
3. حرب الممرات والمرافئ: الصراع التركي-الصهيوني على جغرافيا لبنان
الصراع الحقيقي المتخفي وراء الشعارات الأيديولوجية هو صراع على ممرات الطاقة والخطوط التجارية البحرية والبرية. تركيا، من خلال توسيع نفوذها الناعم في شمال لبنان، تسعى لتأمين موطئ قدم استراتيجي يضمن لها:
الهيمنة على احتياطيات الغاز قبالة الساحل السوري اللبناني.
هذا الطموح التركي يصطدم مباشرة بالمشروع الصهيوني التوسعي، الذي لا يريد قضم جنوب لبنان فحسب، بل يهدف إلى فرض هيمنة اقتصادية مطلقة على كامل الجغرافيا اللبنانية عبر بوابة واشنطن والرياض، ليكون منصة انطلاق نحو قبرص ومواجهة النفوذ التركي هناك.
4. السيناريوهات الثلاثة المسمومة لتفكيك المقاومة
تُشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن المخطط الأمريكي-التركي-الصهيوني المشترك لضرب العمق الاستراتيجي لحزب الله يعتمد على ثلاثة مسارات مسمومة بديلة تم صياغتها بعناية:
السيناريو الأول – العدوان العسكري المباشر: تعتمد آليته التنفيذية على شن هجوم جبهوي واسع ومتعدد المحاور. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يتراجع في الحسابات الحالية كخيار أول، نظرًا لأزمة نقص العنصر البشري الحادة وحالة الإنهاك التي يعاني منها جيش الاحتلال.
السيناريو الثاني – حزام الجولاني العازل: ويقوم إجرائيًا على دفع قوات الجولاني لإنشاء منطقة عازلة ممتدة على الحدود السورية-اللبنانية. الهدف الاستراتيجي هنا هو اختراق السلسلة الجبلية الوعرة، والوصول المباشر إلى المناطق الحيوية التي تضم مخازن الأسلحة ومصانع الصواريخ الدقيقة التابعة لحزب الله لتدميرها وإعطاء خطوط إمداد متقدمة للاحتلال.
السيناريو الثالث – الاختراق السياسي والأمني المقنّع: يتحرك هذا المسار عبر استغلال ثغرات مذكرة التفاهم (MOU) المبرمة مع أطراف لبنانيين، وتوظيف تحركات مريبة لرموز أيديولوجية مثل زيارة القيادي “الشيباني”. ويهدف هذا المخطط إلى تبرير دخول قوات الجولاني أو تشكيل قوة خاصة بوجوه مغطاة بدعم دولي، تحت شعار “حماية مؤسسات الدولة اللبنانية”، وهو في جوهره غطاء شرعي لنزع سلاح المقاومة وتصفيتها داخلياً.
5. البراغماتية العارية: سقوط الأوهام حول روسيا والصين
يكشف التحليل العميق للمشهد السوري واللبناني عن سقوط مروع لسرديات “الحلفاء المطلقين”. فروسيا والصين تدير ميزان سياستها الخارجية بعقلية تجارية براغماتية صارمة لا مكان فيها للعواطف:
روسيا: تمتلك تاريخاً طويلاً من التنسيق الأمني مع تل أبيب لحماية أمن الاحتلال؛ حيث منعت سابقاً تدريب الجيش السوري على منظومات S-300، وقدمت غطاءً صامتاً مكّن إسرائيل من اغتيال المستشارين والدبلوماسيين الإيرانيين، بل وقامت بتسريب إحداثيات الدفاعات الجوية الإيرانية في سوريا ليتم تدميرها. كل ما يهم موسكو هو تأمين قاعدة “حميميم” كمنصة انطلاق نحو أفريقيا.
الصين: ترى في إسرائيل شريكاً تجارياً حيوياً وعقداً مركزياً في مشاريع ممراتها الاقتصادية، وتستثمر في موانئ حيفا وأسدود، وتبيع طائرات “وينغ لونغ” المسيرة لأعداء محور المقاومة دون أي اعتبارات سياسية.
الخلاصة الجيوسياسية: القوى العظمى مستعدة لعقد صفقات تسوية مع ترامب فوق جثث حلفائها الإقليميين، طالما أن مصالحها الضيقة مؤمنة.
الخاتمة: اللعب بالنار فوق خزان أمريكي فارغ
إن إقدام دونالد ترامب على إعادة إشعال فتيل الحرب الإقليمية يأتي في لحظة ضعف هيكلي قاتل للإدارة الأمريكية. ترامب يستنزف احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي (SPR)، الذي هبط إلى أدنى مستوياته التاريخية منذ ثمانينيات القرن الماضي، في محاولة يائسة ومصطنعة لخفض أسعار الوقود محلياً قبل الانفجار الكبير.
في المقابل، جاءت المشاهد المليونية الاستثنائية التي تدفقت في شوارع إيران والعراق خلال الجنازات الشعبية الأخيرة لتطلق رسالة رعب حقيقية لواشنطن وتل أبيب؛ فهذه الملايين أعلنت بوضوح رفضها لكل مذكرات التفاهم والتنازلات السياسية، متمسكة بخيار المواجهة الشاملة.
ترامب يقامر اليوم ببلادٍ تعيش على حافة الإفلاس النفطي والاستراتيجي، وأي خطوة متهورة لدفع الجولاني نحو جبال لبنان لن تكون نزهة، بل قد تكون الشرارة التي تحرق عروش الوكلاء والأصلاء معاً، وتغلق ممرات الطاقة الدولية بشكل نهائي.
د. نبيلة عفيف غصن
