انزعوا الأقنعة عن وجه الإمبراطورية؛ فما نطق به ضابط الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السابق جون كيرياكو ليس مجرد شهادة عابرة، بل هو تشريح علني وبشع لآليات الهيمنة، وإدانة صارخة للمنظومة الاستعمارية الصهيونية التي عبثت بسيادة منطقتنا لعقود. حين يتحدث رجل قضى سنوات عمره في “الظلال” بضمير مستيقظ متأخر، فإنه لا يكشف أسراراً بقدر ما يمنحنا مرآة كاشفة لواقع يفرض علينا خوض معركة وعي نهضوية شاملة لاستعادة الإرادة والسيادة الوطنية.
​وهم “التحالف” وعقدة التبعية الاستخباراتية
​تبدأ التعرية الحقيقية من المفهوم المخزي الذي تسوقه بعض الأنظمة في منطقتنا حول “التحالف الاستراتيجي” مع واشنطن. يكشف الضابط السابق ببساطة تامة عن حقيقة صادمة: الـ CIA لا تحتاج إلى التجسس على بعض الدول العربية لأن هذه الأنظمة مخترقة بالكامل، وتقدم كل ما تملكه من معلومات على طبق من فضة!
​هذا التوصيف يسقط ورقة التوت عن مفهوم “الأصدقاء المقربين”. إنها علاقة تبعية بنيوية تحولت فيها أجهزة محلية إلى أدوات وظيفية لحماية مصالح المستعمر، بل وصل الأمر إلى ما هو أسوأ وأكثر بشاعة: تحويل سجون المنطقة إلى “مراكز تعذيب بالوكالة” لصالح واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر.
​عندما تخلت الـ CIA عن قناع “حقوق الإنسان” الذي ارتدته زيفاً في التسعينات، وعادت إلى طبيعتها كمنظمة خارجة عن القانون عبر السجون السرية، والاختطاف، والتعذيب، وجدت في جغرافيا منطقتنا مسرحاً خلفياً لإخفاء جرائمها. هذه الحقيقة تضعنا أمام ضرورة نهضوية ملحة لتفكيك هذه التبعية الأمنية والمعرفية، والتحول من دور “الأدوات الوظيفية” في مشاريع الآخرين إلى بناء أجهزة سيادية تحمي الأمن القومي الحقيقي لشعوبنا.
​اختلال التوازن السيادي: واشنطن وتل أبيب في مرآة الحقيقة
​المحور الأكثر خطورة في هذه الاعترافات هو كشف طبيعة العلاقة العضوية والمشوهة بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي. نحن أمام معادلة استخباراتية وسياسية عجيبة تختصر مشهد الهيمنة:
​القرار الصادر من البيت الأبيض منذ عام 1969 في عهد ريتشارد نيكسون يمنع الـ CIA منعاً قاطعاً من التجسس على إسرائيل، في المقابل، يشن الموساد أشرس عمليات التجسس والاختراق داخل أمريكا لسرقة آخر 2% من المعلومات، وتجنيد مواطنين أمريكيين، واختراق المنظومة الأمنية دون رادع.
​هذا التغول الصهيوني داخل واشنطن لا يقف عند حدود التجسس، بل يمتد ليوجه القرار السياسي الأمريكي بالكامل عبر آليات قذرة تعتمد على:
​المال السياسي التدفق: مئات الملايين من الدولارات التي تضخها شبكات اللوبي الصهيوني للتحكم في انتخابات الكابيتول والبيت الأبيض.
​الابتزاز الأخلاقي والجنسي: توظيف شبكات مشبوهة مثل شبكة “جيفري إبستين” لابتزاز قادة السياسة والأعمال في أمريكا وإجبارهم على اتخاذ مواقف تخدم مصالح تل أبيب.
​الإرهاب الفكري والقانوني: فرض قوانين غير دستورية في 38 ولاية أمريكية تجرّم انتقاد إسرائيل، فضلاً عن تهديدات القتل والتصفية التي تلاحق الأصوات الحرة – مثل الضابط نفسه – إذا تجرأت على قول الحقيقة.
​هذا المشهد يثبت أن صناعة القرار في واشنطن تجاه قضايا بلادنا المصيرية مهددة بالكامل، وأن الوعود الأمريكية بالسلام أو العدالة ليست سوى سراب مخادع؛ فالرئيس الأمريكي، أياً كان، يتحرك برغبة الصهيونية العالمية أو بابتزازها، وهو ما تجلى في اعتراف الضابط بأن قرارات تصنيف حركات التحرر الوطني كمنظمات إرهابية (مثل حماس) هي قرارات سياسية بنسبة 100% نابعة من “غريزة السياسيين” ومصالحهم الانتخابية، وضغوط اللوبي، ضاربة بعرض الحائط تقارير الـ CIA الحقيقية.
​التصدعات في جدار الإمبراطورية: معركة الوعي الجديد
​رغم قتامة المشهد الاستخباري، يحمل المقال في طياته بشائر التحول الجذري والنهضة الوعيية التي بدأت تدك حصون البروباغندا الصهيونية والغربية. هناك تصدع تاريخي يحدث الآن داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وهو مؤشر على أن أدوات السيطرة التقليدية بدأت تفقد فاعليتها:
​انقلاب الرأي العام الشبابي: اعتراف الضابط بأن 80% من الشباب الأمريكي دون سن 30 عاماً يدعمون الحق الفلسطيني، وأن 50% من المنتمين للحزب الجمهوري باتوا يرفضون السردية الإسرائيلية، هو تحول زلزالي غير مسبوق.
​سقوط احتكار الإعلام التقليدي: تعيش وسائل الإعلام الكبرى (Mainstream Media) حالة من الموت الإكلينيكي أمام ثورة “البودكاست” والإعلام البديل اللامركزي. لم تعد عمليات الاستحواذ الصهيونية على منصات البث التقليدية قادرة على حجب صور الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في غزة والمنطقة.
​الرفض الشعبي لحروب الوكالة: يدرك المواطن الأمريكي اليوم أنه يُقاد إلى حرب عبثية ومدمرة ضد إيران لحماية مصالح بنيامين نتنياهو والشريحة الحاكمة في تل أبيب، مما يولد مقاومة داخلية عميقة ضد دفع دماء أبنائهم ثمناً للمشروع الصهيوني.
​إن الإسرائيليين، باندفاعهم الدموي وغطرستهم، تجاوزوا الخطوط الحمراء للوعي الإنساني، وبدأوا يخسرون الحصن الأهم لبقائهم: الرأي العام الغربي. وإذا سقط هذا الحصن، فإن المنظومة بأكملها ستواجه بداية النهاية.
​من أدوات تابعة إلى قوى سيادية
​إن هذا التشريح لآليات عمل الـ CIA والتوغل الصهيوني يفرض علينا كشعوب تبحث عن نهضتها وسيادتها أن نخرج بالخلاصات الاستراتيجية التالية:
​أولاً، إنهاء التعويل على القوى الخارجية: إن الرهان على الإدارات الأمريكية لإنصاف قضايا منطقتنا هو غباء سياسي وانتحار استراتيجي. أمريكا محكومة بآليات ضغط وابتزاز صهيونية بنيوية، والتحرر لا يبدأ إلا من الداخل.
​ثانياً، مواجهة الحرب المعرفية والرقمية: تكشف آليات الـ CIA في استقطاب العمالة وتجنيد الجواسيس (عبر دورة الاستحواذ على الأصول: الرصد، التقييم، التطوير، التجنيد) أن الثغرة تبدأ دائماً من اختراق الوعي، واستغلال الثغرات المالية والنفسية. السيادة الحقيقية تتطلب بناء تحصين معرفي وثقافي لأجيالنا، وتطوير “سيادة رقمية وتكنولوجية مستقلة” تحمي بياناتنا وبنيتنا التحتية من الاختراقات التكنولوجية المتقدمة التي يتباهى بها العدو.
​ثالثاً، استثمار التحول العالمي: يجب على القوى الحية في منطقتنا بناء جسور التواصل مع الرأي العام العالمي الجديد، ودعم الإعلام البديل والمنصات الحرة التي تفضح جرائم الاحتلال. المعركة اليوم لم تعد محصورة في الميدان العسكري فقط، بل هي معركة رواية ووعي وتفكيك لمنظومة الهيمنة من جذورها.
​إن الإمبراطورية التي تبدو شامخة من الخارج تتآكل اليوم من الداخل بفعل فسادها، وانكشاف أكاذيبها، وتبعيها لكيان وظيفي يقود العالم نحو الهلاك. والواجب يحتم علينا ألا نكون شهوداً على هذا التاريخ، بل صناعاً لسيادتنا وحرية أممنا بوعي صلب، وإرادة لا تنكسر.
د. نبيلة عفيف غصن