بين عواصف الميدان المشتعلة في الضفة الغربية ونيران الغدر التي لا تتوقف في قطاع غزة، تبرز الحقيقة الفلسطينية عارية من أي زيف؛ شعبٌ يُذبح من الوريد إلى الوريد، لكنه يرفض الانكسار أو الانجرار خلف طروحات التصفية والفتن المشبوهة. إن المشهد الفلسطيني الراهن ليس مجرد أخبار عاجلة، بل هو ملحمة صمود أسطوري تتداخل فيها دماء الشهداء بدموع الثكالى، وتلتحم فيها وحدة الموقف الوطني لتسحق كل محاولات اختراق الجبهة الداخلية.
​الضفة الغربية: حرب الوجود واعتداءات المستوطنين
​لم تعد الهجمة الصهيونية على الضفة المحتلة مجرد اقتحامات عابرة، بل هي حرب وجودية تشنها قوى الاحتلال بتكامل فاشي مع عصابات المستوطنين. ففي الأغوار الشمالية، وتحديدًا في “خربة الرأس الأحمر”، يُترجم الحقد الاحتلالي بمنع طواقم الهلال الأحمر من إنقاذ جريح ينزف، في جريمة حرب مكتملة الأركان.
​وفي اللحظة ذاتها، تمتد يد الغدر لتنفيذ إعدامات ميدانية بدم بارد؛ حيث ارتقى الشهداء برصاص الاحتلال في قرى سلفيت وبيت لاهيا، لينضموا إلى قافلة الخالدين، مؤكدين أن الدم الفلسطيني هو الوقود الذي يغذي نار المقاومة الثائرة في طوباس، وقصرة، وسنجل، والأمعري.
​أما القدس المحتلة، فتبقى في عين العاصفة؛ حيث تحترق أراضيها في حي العباسية بسلوان على يد المستوطنين، وتُخنق حركة مواطنيها في واد الربابة عبر تضييقات ومخالفات انتقامية، بالتزامن مع حملات اعتقال تطال الطفولة في قريوت جنوب نابلس، ليعتقل الاحتلال مع الفجر عشرات المواطنين والأطفال، في محاولة يائسة لكسر إرادة الجيل القادم.
​غزة: ثالوث الموت ووداع لا ينتهي
​في قطاع غزة، تتجسد المأساة الإنسانية بأبشع صورها وسط خروقات مستمرة وجرائم لا تتوقف من خانيونس إلى غزة وشمالها. قصف للمواصي، وغارات على حي النصر وشارع النصر، وزوارق تطلق النار بكثافة، ومسيّرات تسقط الموت فوق مخيم البريج.
​خلف هذه الأرقام، تعيش العائلات قصصًا تمزق القلوب:
​الطفولة الأسيرة بالمرض: أطفال رضّع يولدون بمرض جلدي نادر يُعرف بـ “الطفل الشمعي”، ليخوضوا معركة ألم مزدوجة بين المرض ولهيب الصيف الحارق داخل خيام النزوح المهترئة.
​كوارث بيئية وصحية: مياه الصرف الصحي التي باتت تحاصر النازحين على الشواطئ، لتصبح “المجاري” أداة موت تلاحق الفلسطينيين بأقنعة جديدة، إلى جانب الحصار، والجوع، والنزوح.
​هذا الدمار الشامل يواجهه جهاز الدفاع المدني بصدور عارية؛ حيث ارتقى سدس القوة العاملة من أفراده شهداء، وفقد الجهاز 75% من قدراته التشغيلية في ظل منع الاحتلال الصارخ لإدخال معدات تحييد القنابل غير المنفجرة، مما يجعل كل دقيقة تمر بمثابة خطر محدق على أرواح الأبرياء.
​الوعي العشائري يصفع “حراك الفتنة”
​أمام هذا المشهد الدامي ومخططات التهجير القسري الممنهجة التي تحذر منها القوى الوطنية والإسلامية، حاولت أطراف مشبوهة اللعب على أوتار المعاناة عبر ما يسمى “حراك 26 يونيو”. إلا أن الصدمة نزلت كالصاعقة على رؤوس المتربصين؛ حيث أعلنت عائلات وعشائر قطاع غزة، تبرؤها التام والكامل من هذا الحراك الهدام.
​لقد أثبت رجال الإصلاح والمخاتير والقبائل أن بوصلة الشعب الفلسطيني كانت وستبقى موجهة نحو مواجهة الاحتلال وأعوانه فقط. إن هذا الوعي الجمعي يمثل جدار الصد المتين الذي يحمي الظهر الفلسطيني من الطعنات الداخلية، مؤكدًا أن وحدة الصف هي السلاح الأقوى في معركة التحرير والإبادة.
​بشائر النصر من رحم المعاناة
​رغم سوداوية المشهد الإنساني، فإن النبض العالمي ينحاز لفلسطين؛ فنتائج الفعاليات والتجمعات في “نيويورك” تعكس تنامي التأييد للحق الفلسطيني وتراجع الرواية الصهيونية، وجماهير المونديال ترفع علم فلسطين في كل المحافل ليكون الرمز الأبرز للحرية في العالم.
​إن دماء الشهداء، من الأكاديميين والصحفيين والأبرياء، لن تذهب سدى. إن فلسطين اليوم، من بحرها إلى نهرها، تكتب بمداد الألم والأمل فصلًا جديدًا من فصول العزة؛ شعبٌ يرفض التهجير، ويحمي وحدته الوطنية، ويصر على نزع حقوقه وعماله المحتجزة ملياراتهم لدى الاحتلال. إنها ثورة الأرض والإنسان التي لن تخمد نيرانها حتى دحر المحتل عن كامل ترابنا المقدس.
د. نبيلة عفيف غصن