في مواجهة النفوذ الإسرائيلي.. هل نشهد تقاطع المصالح حتى بين الخصوم؟

محمد عز / باحث سياسي فلسطيني

إنّ العدو الإسرائيلي وآلته التوسعية الأمنية، ما بعد السابع من أكتوبر، لا يتوقفان عن استهداف المنطقة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، ضمن رؤية التحديات الاستراتيجية والأمنية للكيان التي تبلورت بعد عملية طوفان الأقصى. وتُعدّ إحدى أهم مرتكزات هذه الاستراتيجية بناء سور أمني أو مناطق أمنية عازلة تُفرض بالقوة والنار، وتحيط بالكيان لمنع تكرار هجوم جديد يشابه السابع من أكتوبر من أي جبهة مجاورة.

وفي هذا السياق، تأتي التحركات العسكرية والأمنية للعدو في المنطقة بهدف ترميم صورته الأمنية والاستراتيجية، بعد أن تعرضت لاهتزاز كبير نتيجة أحداث السابع من أكتوبر. ففي خضم الصراعات في المنطقة وإفرازاتها وتطوراتها، ما زال الإحساس بالهزيمة والإخفاق الأمني والتهديد المستقبلي يدفع الكيان إلى البحث عن وسائل جديدة لتعزيز الردع، من خلال القضم الممنهج للأراضي والاستيطان في الضفة الغربية، ومحاولة التوسع على طول حدود دول الطوق عبر إنشاء مناطق أمنية عازلة، كما في جنوب لبنان وجنوب سوريا وقطاع غزة.

ومن هذا المنطلق، أصبح كابوس السابع من أكتوبر، واحتمال فتح جبهات إسناد لغزة، تحديًا قائمًا في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي عند التعامل مع دول الطوق والإقليم.

في المقابل، يبرز سؤال مهم: ما الذي ينبغي على الدول المتضررة فعله لمواجهة سياسات الكيان؟

لا يعني ذلك أنه يتوجب على هذه الدول بناء تحالفات عسكرية شاملة، فلكل دولة توجهاتها السياسية الخاصة وهواجسها الأمنية المختلفة، وعلاقاتها وارتباطاتها المتباينة. لكن، رغم هذا التباين والاختلاف والخلاف بين هذه الدول، هناك حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن هذه الدول تقع في عين العاصفة ودائرة الاستهداف، وأنها تواجه تحديات متشابهة وتداعيات مباشرة وغير مباشرة تنتج عن سياسات الكيان في المنطقة.

من هنا، يمكننا الحديث عن إمكانية خلق مساحات للتعاون بين هذه الدول في سبيل المصلحة المشتركة، لا التطابق والتماثل السياسي الكامل. فالتنسيق في القضايا الأمنية الإقليمية من خلال إيجاد صيغ ترابطية أمنية، وتقليص الفجوات السياسية، قد يسهم بصورة مؤثرة في حماية مصالح هذه الدول، ويمنحها القدرة على التعامل مع التحديات الإسرائيلية، وبالتالي خلق ردع مستقبلي في مواجهة السياسات الأمنية للعدو.

إن استمرار الخصومات والصراعات بين الأطراف المتضررة قد يؤدي إلى إضعاف الموقف السياسي الجماعي في مواجهة التحديات الإسرائيلية، ويمنح الكيان مساحة أوسع لتعزيز نفوذه في المنطقة وفرض وقائع جديدة تخدم أهداف مشروعه التوسعي.

ومن بين الخطوات العملية الممكنة في هذا الإطار: إعادة تفعيل قنوات التواصل السياسي، والاستفادة من أوراق القوة الموجودة في المنطقة لصد المشروع “الإسرائيلي”، سواء عبر حزب الله أو فصائل المقاومة. كما يبرز التنسيق مع إيران باعتبارها أحد أبرز الأطراف المناهضة للكيان في المنطقة، خاصة في ظل ما أظهرته المواجهات الأخيرة من امتلاكها أوراق ضغط وردع فاعلة في مواجهة إسرائيل.

ونستخلص من ذلك أن المصلحة المشتركة قد تكون عاملًا مهمًا يدفع بعض الدول المتضررة إلى فتح أبواب التواصل والتعاون في هذا السياق. فإن استمرت الخلافات والنزاعات من دون بذل جهود للتقارب انطلاقًا من المصالح المشتركة، ومن دون إدراك طبيعة التوازنات الإقليمية، فقد ترجح كفة الميزان لصالح الكيان. أما إذا نجحت هذه الأطراف في بناء جسور التواصل وفتح قنوات الحوار، فقد تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها وأمنها الإقليمي المشترك، وكبح سياسات واستراتيجيات الكيان التوسعية.