لا مبرر للذهاب إلى واشنطن في الحالتين
ناصر قنديل
لم يعد السؤال المطروح في لبنان يتعلق بكيفية إدارة التفاوض في واشنطن، بل بجدوى مواصلة هذا التفاوض أصلاً بعدما تكشفت الوقائع التي رافقت مساره، وبعدما سقطت الفرضيات التي بُني عليها؛ لأن السلطة اللبنانية عندما دعت إلى خيار التفاوض برعاية أميركية فعلت ذلك استناداً إلى نظرية واضحة تقول إن واشنطن تملك مفاتيح الحل، وإن الضغط الأميركي على “إسرائيل” قادر على تحقيق ما يعجز عنه الميدان أو الدبلوماسية التقليدية، لكن حصيلة الأشهر الماضية تفرض إعادة النظر بهذه الفرضية من أساسها.
لم تكن المشكلة في مسار واشنطن أنه أخفق في تحقيق المطالب اللبنانية، بل في أن البيانات التي صدرت عنه أظهرت منذ البداية أن جدول أعماله صيغ وفق الأولويات الإسرائيلية. ففي الجولة الأولى جرى الانتقال مباشرة إلى الحديث عن مستقبل العلاقة بين لبنان و”إسرائيل” تحت عناوين «السلام والأمن» و«بناء الثقة» و«عدم وجود نيات عدائية» و«الاعتراف الكامل بسيادة كل طرف»، وصولاً إلى التمهيد لطرح إنهاء حال العداء قبل معالجة أصل النزاع المتمثل بالاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
ثم جاء البيان الثاني ليمنح هذا الانحياز بعداً عملياً، عندما تبنّى مفهوماً أمنياً قائماً على منح “إسرائيل” حق التصرّف الأحادي بذريعة مواجهة تهديد «جارٍ أو وشيك أو محتمل»، وهو المفهوم نفسه الذي استخدمته “إسرائيل” طوال الأشهر الماضية لتبرير الاغتيالات والقصف والاحتلال واستمرار العمليات العسكرية. ولم يتضمن الطرح المقابل أي نص موازٍ يكفل للبنان حق الدفاع عن نفسه كما نص اتفاق 2024، أو يفرض قيوداً مماثلة على السلوك الإسرائيلي، ما جعل مفهوم الأمن الوارد في التفاوض أقرب إلى الأمن الإسرائيلي منه إلى أمن متبادل بين دولتين.
أما البيان الرابع فكان الأكثر وضوحاً في تبني المقاربة الإسرائيلية؛ فوقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن جرى ربطه حصراً بوقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله وإجلاء عناصره من جنوب الليطاني وتسليم المناطق للجيش اللبناني، بينما غابت أي التزامات إسرائيلية مقابلة تتعلق بوقف الاعتداءات أو الانسحاب من الأراضي المحتلة أو تحديد مهلة زمنية لذلك. وبذلك جرى عملياً تفريغ تفاهم 2024 من مضمونه الأصلي القائم على التلازم بين وقف النار والانسحاب الإسرائيلي خلال ستين يوماً، واستبداله بالمفهوم الإسرائيلي الذي حكم التطبيق طوال خمسة عشر شهراً، والقائم على مطالبة لبنان بتنفيذ موجباته كاملة فيما تحتفظ “إسرائيل” بحرية الاحتلال والاعتداء والتحرك العسكري متى تشاء.
لم يكن الأمر مجرد انحياز سياسي يمكن احتواؤه أو التعايش معه، بل تحوّل إلى مسار تفاوضي كامل يقوم على مطالبة لبنان بتقديم التنازلات المطلوبة مسبقاً، مقابل وعود غامضة وغير مضمونة تتعلق بمستقبل الاحتلال والاعتداءات. وهنا بدأت تتكشف الهوة بين ما قيل للبنانيين عن قدرة واشنطن على التأثير في “إسرائيل” وبين ما جرى فعلياً على الأرض، بعدما ثبت أن المفاوضات تتحوّل إلى منصة لممارسة النفوذ الأميركي على السلطة وتحويل هذا النفوذ أداة ضغط لصالح تلبية الرؤية الإسرائيلية بالكامل وتجاهل المصلحة اللبنانية بالكامل.
الأكثر دلالة أن واشنطن نفسها، التي كانت تطلب من لبنان التمسك بالتفاوض باعتباره الطريق الوحيد للحصول على وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، لم تستخدم نفوذها المفترض لتحقيق هذه الأهداف عندما كان لبنان يطالب بها، لكنها فعلت ذلك فور دخول العامل الإيراني على الخط. فوقف إطلاق النار الشامل الذي عجزت الدبلوماسية اللبنانية عن انتزاعه عبر شهور طويلة من التفاوض، وافقت عليه واشنطن في إطار التفاهم مع إيران. والنص الذي يتحدّث عن وقف شامل للحرب والاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي لم يولد في غرف التفاوض اللبنانية الإسرائيلية، بل في مسار التفاهم الأميركي الإيراني.
هنا يبرز السؤال الجوهريّ: إذا كانت السلطة اللبنانيّة قد بنت خيارها التفاوضي على أساس أن واشنطن تملك أوراق اللعبة، ألا يفترض بها اليوم أن تعترف بأن من أثبت امتلاك هذه الأوراق هو الطرف الذي نجح في دفع واشنطن إلى قبول ما كانت ترفضه سابقاً؟ والوقائع لا تشير إلى نفوذ لبناني داخل واشنطن يمكّن لبنان من تحقيق أي إنجاز نوعي، بل تشير إلى أن واشنطن انحازت مراراً للموقف الإسرائيلي، بينما جاء التحول الوحيد عندما دخلت إيران بثقلها السياسي والاستراتيجي إلى المعادلة.
في المقابل، يحاول بعض المدافعين عن استمرار التفاوض تجاوز هذه الحقيقة عبر القول إن “إسرائيل” باتت تتصرف باستقلالية عن الولايات المتحدة، وإن واشنطن لا تملك القدرة الكافية على فرض إرادتها عليها.
لكن هذا التبرير يفتح باباً لسؤال أكثر إحراجاً: إذا كانت واشنطن عاجزة عن التأثير في “إسرائيل” كما يقول هؤلاء اليوم، فأين ذهبت الفلسفة التي قامت عليها الدعوة إلى التفاوض برعاية واشنطن؟ وكيف يمكن الاستمرار في الذهاب إلى العاصمة الأميركية طلباً لوساطة من جهة يعترف أصحاب هذا الرأي أنفسهم بأنها لا تملك القدرة اللازمة للتأثير على الطرف الآخر؟
إن المنطق يقود إلى نتيجة واحدة في الحالتين؛ فإِذا كانت واشنطن تملك القدرة على التأثير في “إسرائيل”، فإنها استخدمت هذه القدرة طوال الفترة الماضية لخدمة المطالب الإسرائيلية على حساب لبنان، ما يفقدها صفة الوسيط ويجعل التفاوض معها بلا جدوى. وإذا كانت لا تملك هذه القدرة كما يقول بعض مؤيدي السلطة اليوم، فإن الذهاب إليها يصبح عديم الفائدة لأنها تفتقر إلى أدوات الفعل التي بررت أساساً اختيارها راعياً وحيداً للمفاوضات.
