بين خباثة المحتل ووعي الشعوب… كيف يمكن أن تفشل المخططات؟

فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

في الشرق الأوسط لا تُدار الحروب على الجبهات العسكرية فقط، بل تُدار أيضاً داخل العقول. فقبل أن تُرسم الحدود على الخرائط، تُرسم في الوعي، وقبل أن تُهزم الجيوش أو تنتصر، تُستهدف القناعات وتُعاد صياغة الأولويات. ولهذا كانت معركة الوعي عبر التاريخ أخطر من معركة السلاح، لأن الشعوب التي تفقد بوصلتها قد تخسر قضيتها حتى لو امتلكت كل أسباب القوة.

منذ الحديث عن المفاوضات الإيرانية الأمريكية وما تردد عن وضع الملف اللبناني في مقدمة النقاشات، برزت مؤشرات عديدة توحي بأن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق. وقد شددت إيران خلال تلك المرحلة على ضرورة وقف الحرب في المنطقة، وهو ما يمكن قراءته كإشارة إلى رغبة في وقف شامل لإطلاق النار يمتد إلى مختلف الساحات المرتبطة بالصراع.

وفي الوقت نفسه كانت القاهرة تستضيف جولات من المباحثات المتعلقة بغزة والقضية الفلسطينية، لنجد أنفسنا أمام مسارين متوازيين؛ الأول أمني واستراتيجي يرتبط بالتفاهمات الإقليمية والدولية، والثاني سياسي يتناول مستقبل القضية الفلسطينية وشكل المرحلة المقبلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تسير هذه الملفات فعلاً نحو حلول حقيقية، أم أن المنطقة أمام محاولة جديدة لفصل الساحات عن بعضها البعض وإعادة تعريف الصراع بما يخدم مصالح القوى الكبرى؟

لقد قامت فكرة “وحدة الساحات” خلال السنوات الأخيرة على اعتبار أن ما يجري في فلسطين لا ينفصل عما يجري في لبنان أو اليمن أو أي ساحة أخرى تواجه المشروع الصهيوني. ومن وجهة نظر أنصار هذا الطرح، فإن أحد أهم أسباب صمود محور المقاومة كان إدراكه أن المعركة واحدة وإن تعددت الجبهات.

لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن أخطر ما تلجأ إليه القوى الاستعمارية عندما تعجز عن كسر خصومها بالقوة المباشرة هو تفكيكهم من الداخل. فالانقسام أقل كلفة من الحرب، والفتنة أكثر فاعلية من الدبابة، وتفكيك الوعي الجمعي أخطر من أي حصار عسكري.

ومن هنا يبرز البعد الأخطر في المشهد الحالي؛ محاولة تحويل الصراع من صراع مع احتلال إلى صراع بين أبناء المنطقة أنفسهم. فبدلاً من أن تبقى فلسطين القضية المركزية، يجري دفع المجتمعات نحو الانشغال بصراعات مذهبية وطائفية تستنزف طاقاتها وتعيد ترتيب أولوياتها.

وإذا كان البعض لا يزال يراهن على أن التبدلات السياسية داخل “إسرائيل” يمكن أن تؤدي إلى تغيير جوهري في طبيعة الصراع، فإن قراءة المشهد الممتد منذ عقود تدفع الكثيرين إلى استنتاج مختلف. فالمشكلة بالنسبة للفلسطينيين لا ترتبط بحكومة بعينها أو بائتلاف سياسي مؤقت، بل بمشروع استيطاني يرى في السيطرة والتوسع ضمانة لبقائه واستمراره.

وقد أثبتت العقود الماضية أن الحكومات “الإسرائيلية” المتعاقبة، على اختلاف توجهاتها، لم تنجح في إنتاج تسوية تعطي الفلسطينيين حقوقهم الوطنية الكاملة، بينما استمرت مشاريع الاستيطان وفرض الوقائع الجديدة على الأرض بوتيرة متفاوتة. ولهذا يرى كثيرون أن الخلافات داخل الكيان غالباً ما تدور حول إدارة الصراع لا حول إنهائه، وحول الوسائل لا حول الأهداف النهائية.

في المقابل، تبدو المنطقة أمام مشهد آخر لا يقل خطورة، وهو تصاعد الخطاب المذهبي والطائفي منذ مطلع الألفية الجديدة. فمن العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 إلى سوريا خلال سنوات الحرب، شهدت المنطقة ارتفاعاً غير مسبوق في حدة الانقسامات المذهبية، الأمر الذي أدى إلى استنزاف المجتمعات وإضعاف الدول وتفتيت الأولويات.

ولعل أخطر ما نتج عن تلك المرحلة هو انتقال الصراع في وعي كثير من الناس من مواجهة الاحتلال والمشاريع التوسعية إلى مواجهة الشريك في الدين أو المذهب أو الوطن. وعندما يحدث ذلك، تتحقق أكبر هدية يمكن أن تُقدم لأي مشروع استعماري؛ شعوب منشغلة ببعضها، وعاجزة عن رؤية من يستفيد من هذا الانقسام.

«”حين تنجح الفتنة في تحويل العدو إلى خلاف داخلي، تكون قد حققت ما عجزت عنه الجيوش.”»

إن ما جرى في العراق وما شهدته سوريا لاحقاً يقدم درساً بالغ الأهمية: فالدول لا تُهزم فقط عندما تُقصف، بل تُهزم أيضاً عندما يفقد أبناؤها القدرة على التمييز بين خلافاتهم الطبيعية وبين القضايا الوجودية التي تهدد مستقبلهم جميعاً.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه شعوب المنطقة ليس التفوق العسكري لـ”إسرائيل” وحده، بل نجاح محاولات إعادة تشكيل وعيها على أسس مذهبية وطائفية. فكلما ارتفع منسوب الانقسام، تراجعت القضايا الجامعة، وكلما تراجعت القضايا الجامعة، اتسعت مساحة الحركة أمام المشاريع التوسعية.

إن جوهر الصراع، وفق هذه القراءة، ليس صراعاً بين سنة وشيعة، ولا بين عربي وغير عربي، بل صراع بين مشروع يسعى إلى إبقاء المنطقة ضعيفة وممزقة، ومشروع آخر يرى أن قوة المنطقة تبدأ من وعي شعوبها ووحدتها حول قضاياها الأساسية.

ومن هنا يصبح الوعي السياسي ضرورة لا ترفاً فكرياً. فالوعي لا يعني ترديد الشعارات، بل القدرة على قراءة الأحداث وربطها ببعضها وفهم المصالح التي تحرك اللاعبين الدوليين والإقليميين. كما يعني إدراك أن أي تسوية لا تعالج جذور القضية الفلسطينية ستبقى تسوية مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً يمكن عزله عن محيطه، ولا أزمة يمكن إدارتها عبر المفاوضات وحدها بينما يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض. ولهذا فإن تجاهل أصل المشكلة لا يؤدي إلى حلها، بل إلى تأجيل انفجارها.

ومن المهم في ختام هذا الطرح أن نفهم :

رغم كل ما يقال عن الخطط والاستراتيجيات والمشاريع الكبرى، يبقى هناك عامل لطالما أربك حسابات القوى العظمى عبر التاريخ: وعي الشعوب.

فقد سقطت إمبراطوريات ظنت نفسها خالدة، وفشلت مشاريع بدت في لحظة من اللحظات وكأنها قدر لا يمكن تغييره. وما جمع تلك النهايات جميعاً هو أن إرادة الإنسان حين تقترن بالوعي والثبات تصبح قادرة على تغيير مسار الأحداث مهما بدا ميزان القوى مختلاً.

إن المطلوب اليوم ليس الاستسلام لفكرة أن كل ما يُخطط له سيحدث، ولا الوقوع في فخ اليأس أمام تعقيدات المشهد، بل فهم ما يجري بعمق أكبر. فالمعرفة تحصن العقول، والوعي يحبط المخططات، والوحدة تغلق أبواب الفتنة.

وفي النهاية، يظل البشر يخططون ويحسبون ويعقدون التحالفات، لكنهم يبقون مخلوقين لا خالقين، محدودي القدرة أمام إرادة الله وسنن التاريخ.

لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على ما يخططه الآخرون، بل على قدرة الشعوب على إدراك ما يُحاك لها، والتمسك بقضاياها الجامعة، وعدم السماح للخلافات بأن تتحول إلى جدران تفصل بينها.

فحين يحضر الوعي، تتعثر المخططات.
وحين تتوحد البوصلة، تضيع على المحتل طرق الفتنة.
وحين يقترن الإيمان بالوعي، يصبح المستحيل مجرد مشروع هزيمة مؤجل.