«ماذا لو لم تكن صدفة؟ رحلة من الشاه إلى الشرع»
فاتنة علي، لبنان/ سوريا الطبيعية
ماذا لو فكرنا خارج الصندوق، وطرحنا أسئلة غير تقليدية، وراقبنا التاريخ وكلماته؟ ما الذي يمنع أن نذهب في رحلة إلى الماضي لنرى انعكاساته على مرآة المستقبل؟
من بلاد فارس سنبدأ.
قبل الثورة الإسلامية الإيرانية التي قادها الإمام الخميني رحمه الله، كان الشاه حاكماً لإيران، وكان العرب يأتونه طائعين، وإن أردنا أن نكون أكثر ليناً فلنقل إنهم كانوا يأتونه محملين بالود والوئام. بل إن هناك صلات قرابة ونسب جمعت بينه وبين بعض البيوت الحاكمة العربية. يومها لم يكن هناك ذلك الحضور الطاغي للخطاب القومي أو الطائفي، ولم تكن المنطقة تعيش على وقع الانقسام بين فارسي وعربي، أو سني وشيعي.
لكن مهلاً…
كان الشاه نفسه في الجيب الأمريكي، وحليفاً وثيقاً لإسرائيل. وعندما انتصرت الثورة انقلب المشهد بالكامل، وغدت إيران فجأة العدو الأول، وبرزت الاختلافات القومية والطائفية إلى الواجهة. ومنذ أواخر السبعينيات بدأ الحديث يتكرر عن الفارسي والعربي، والسني والشيعي.
ولأن السياسة لا تحتمل الصدف، ولأن الصدفة ليست من مفردات التخطيط الاستراتيجي، يحق للمرء أن يتساءل: هل كان كل ما جرى لاحقاً مجرد أحداث منفصلة، أم أن هناك مساراً متكاملاً بدأ منذ ذلك الوقت؟
لننتقل إلى لبنان.
في الثمانينيات، وبعد انتهاء الحرب الأهلية، لم يختفِ النظام الطائفي، بل جرى ترسيخه أكثر فأكثر. وأصبح الحديث في الشارع اللبناني مليئاً بالرموز والتوصيفات الطائفية؛ أسد السنة، ونمر الشيعة، وضبع الدروز، وصقر المسيحيين. وهي تعبيرات كانت متداولة آنذاك وما زال بعضها حاضراً حتى اليوم.
وهنا لا بد من استذكار مقولة زياد الرحباني الساخرة: “خيي، في مجال كل طائفة ضب حيواناتها”.
إذاً نحن نتحدث عن مرحلتين مفصليتين: السبعينيات والثمانينيات. وهما الفترتان اللتان شهدتا صعود الخطاب الطائفي والمذهبي وترسيخه تدريجياً في الوعي السياسي والشعبي.
ثم وصلنا إلى العراق عام 2003.
هناك بدأ يتكرر مصطلح “لبننة العراق”، أي نقل نموذج المحاصصة الطائفية إلى بلد آخر. وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده.
إذا نظرنا إلى الخريطة نجد إيران أولاً، ثم العراق، ثم سوريا، ثم لبنان.
فلماذا بُنيت واحدة من أكبر السفارات الأمريكية في العالم داخل العراق؟ ولماذا تُركت الساحة السورية خارج هذا المشهد؟
واستباقاً لمن سيقول إن النظام السوري السابق لم يكن على الود المطلوب مع الأمريكيين، يبرز سؤال آخر: ماذا بعد رحيله؟ ولماذا ما زال الإصرار قائماً على إبقاء هذه الساحة مختلفة عن العراق ولبنان؟
ثم نتابع على الخريطة نفسها لنجد لبنان، حيث بُنيت أيضاً واحدة من أكبر السفارات الأمريكية. العراق ولبنان؛ سفارات ضخمة، ونظم طائفية مترسخة، وخطاب مذهبي يتصاعد، ومصطلح “لبننة العراق” يتكرر، فيما يجري تصوير إيران باعتبارها الخطر الأكبر على العرب والعروبة والإسلام والمسلمين.
وفي خضم كل ذلك، تتراجع إسرائيل إلى الخلفية، وكأنها خرجت من المشهد أو غُفرت لها جرائمها.
ثم تظهر مفارقة أخرى.
الجولاني يصبح أحمد الشرع، ويتغير الاسم واللباس والهوية الإعلامية، وكأن تبديل المظهر كافٍ لمحو سجل طويل وحافل بالدماء والصراعات.
وهنا يبرز سؤال أخطر.
كيف سُمح لتنظيمات صُنفت لسنوات طويلة على أنها تنظيمات إرهابية، مثل داعش وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، بأن تصبح جزءاً من المشهد السياسي الذي أوصلها في النهاية إلى سدة الحكم في سوريا؟
ولماذا كانت سوريا تحديداً الساحة التي استقطبت آلاف المقاتلين من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة؟
ولماذا تُركت مساحة واسعة لما يسمى بالجهادية السنية، بينما جرى في المقابل شيطنة كل ما يرتبط بالفكر الجهادي الشيعي في العراق ولبنان؟
وبما أن سوريا تمثل همزة الوصل بين العراق ولبنان، فلماذا بقي الأول غارقاً في الانقسامات، وبقي الثاني أسيراً للطائفية؟
هل لأن لبنان المفكك أكثر أماناً لإسرائيل؟
وهل لأن العراق المنقسم يشكل حاجزاً يحد من تنامي النفوذ الإيراني ويستنزفه؟
وهل سأل الإنسان العربي نفسه يوماً عن اختيار التاريخ لهذه المحطات؟ وهل حاول أن يقرأ الأحداث بعيداً عن انتمائه المذهبي وتعصبه الطائفي ليقارن بينها ويراقب تسلسلها؟
وهل من المنطقي أن تكون كل هذه الوقائع مجرد مصادفات؟
وهل من المنطقي أيضاً أن تظهر لاحقاً تصريحات تُنسب إلى هيلاري كلينتون حول دعم جماعات متشددة، ثم نجد أنفسنا أمام واقع يؤكد أن عدداً من هذه التنظيمات لعب أدواراً محورية في إعادة تشكيل المنطقة؟
وهل كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مجرد محطة عابرة، أم أنها شكلت نقطة تحول كبرى استُخدمت لإنتاج صورة ذهنية جديدة عن الإسلام والمسلمين، حتى أصبحت عبارة “الله أكبر” في أذهان كثيرين مرتبطة بالخوف بدلاً من أن ترتبط بالإيمان؟
وهل كل هذه الأحداث صدف؟
وهل ما زال الإنسان العربي والمسلم مقتنعاً بأن الغرب سيدعم أي حراك من أجل تحرره، أو أنه معني فعلاً بشكل حياته ومستقبل مجتمعه، أم أن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان تُستخدم أحياناً بوصفها أدوات سياسية براقة قادرة على أسر قلوب شعوب اعتادت الخمول أكثر مما اعتادت التفكير؟
في كل الديانات دعوة إلى التأمل؛ من البوذية والهندوسية إلى المسيحية والإسلام.
“تفكروا”.
فهل من متفكر فيما يجري على هذا الكوكب؟
وما سر بقائنا في الظلمة رغم أننا سُمِّينا شرقاً، ورغم أننا كنا يوماً من صدر للعالم العلم والدين والحضارة، فكنا منارة تهتدي بها الأمم؟
وكيف جرى، على مدى عقود طويلة، كيُّ الوعي العربي وإيقاظ الغرائز والعصبيات داخله حتى عدنا إلى سيرتنا الأولى؟
كيف أُطفئت المنارة، وأُوقدت نيران الجاهلية من جديد؟
وهل المشكلة في ما جرى لنا… أم في أننا توقفنا عن طرح الأسئلة؟
قد نختلف في الإجابات، وقد تتباين قراءاتنا للتاريخ، لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه هو حقنا في السؤال. فالأمم التي تتوقف عن طرح الأسئلة تتحول إلى مجرد متلقٍ للروايات التي يكتبها الآخرون.
ولعل أعظم ما قيل في هذا المعنى:
“ليس أخطر ما في الظلام أن لا ترى الطريق، بل أن تعتاد العيش فيه حتى تظنه نوراً.”
فهل ما زلنا نقرأ التاريخ كما كُتب لنا، أم بدأنا نقرأه كما وقع؟
