حين ينشغل العالم… ماذا يُمرَّر في الظل؟

فاتنة علي، لبنان/سوريا الطبيعية

«”ليست كل الأحداث الكبرى هي الأهم، وليست كل القضايا المصيرية هي الأكثر حضوراً على الشاشات.”»

في زمن التدفق الهائل للأخبار، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على تمييز ما يستحق المتابعة من بين آلاف العناوين التي تتنافس على جذب الانتباه. وبينما تنشغل الجماهير العالمية بأحداث ضخمة كالمونديال، أو بالأزمات الاقتصادية، أو بالصراعات العسكرية المتسارعة، تبقى هناك تطورات أخرى تمر بصمت، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً على مستقبل المنطقة من الأحداث التي تتصدر الشاشات.

من هنا تبرز أهمية السؤال: ماذا يجري بعيداً عن دائرة الضوء؟

خلال الأيام الماضية، برز خبر يتعلق بمدينة الخليل والحرم الإبراهيمي، حيث جرى الحديث عن استكمال إجراءات نقل بعض الصلاحيات المرتبطة بالموقع إلى السلطات الإسرائيلية. ولسنا هنا بصدد مناقشة أداء السلطة الفلسطينية أو تقييم خياراتها السياسية، فذلك موضوع آخر يطول فيه النقاش، وإنما المقصود هو التوقف عند فكرة أوسع: كيف تُمرَّر التحولات الكبرى أحياناً في لحظات يكون فيها الرأي العام منشغلاً بملفات أخرى؟

هذه ليست حالة استثنائية في التاريخ. فالكثير من القرارات المصيرية، وخطوات التوسع، وعمليات فرض الوقائع الجديدة على الأرض، غالباً ما تأتي في لحظات الانشغال الجماعي، حين تكون الأنظار متجهة إلى مكان آخر.

وإذا وسعنا دائرة النظر قليلاً، سنجد أن ما يجري لا يقتصر على الخليل وحدها. فهناك توسع إسرائيلي متسارع في الجنوب السوري، وضغط مستمر على الجنوب اللبناني، واستمرار للحرب على غزة وما تتركه من آثار إنسانية وسياسية وأمنية عميقة. وكل ذلك يجري في وقت تتغير فيه أولويات التغطية الإعلامية العربية والدولية بصورة لافتة.

هنا يبرز سؤال جوهري: هل ما نراه هو مجرد تزاحم طبيعي للأحداث، أم أن هناك خللاً حقيقياً في ترتيب أولويات التغطية الإعلامية؟

فالقضية الفلسطينية نفسها وصلت إلى قطاعات واسعة من شعوب العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما وصلت عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. وهذا يقود إلى تساؤلات أخرى: أين دور النشطاء اليوم؟ وأين المبادرات الإعلامية الفلسطينية والعربية والسورية القادرة على تسليط الضوء على ما يجري؟ وهل يكفي أن نمتلك أدوات النشر إذا كنا عاجزين عن توجيه الاهتمام نحو القضايا الأكثر حساسية وخطورة؟

قراءة أخرى للمشهد الإقليمي

وبعيداً عن ضجيج العناوين اليومية، يمكن محاولة قراءة بعض التطورات الأخيرة من زاوية مختلفة.

ففي بداية المواجهات الإقليمية الأخيرة، بدا أن الإدارة الأمريكية كانت تتوقع مساراً أقصر وأقل تعقيداً مما حدث لاحقاً. ومع اتساع الأزمة، ظهرت محاولات أمريكية لحشد دعم أكبر من الحلفاء الغربيين، إلا أن العديد من الدول الأوروبية بدت أكثر حذراً في الانخراط المباشر في صراع مفتوح قد يحمل تداعيات يصعب التحكم بها.

وفي الوقت نفسه، تصاعد الحديث عن اتفاقيات أبراهام وإمكانية توسيعها، بالتوازي مع ضغوط سياسية وإعلامية مورست على عدد من الدول العربية. لكن ما لفت الانتباه هو أن مسار هذه الاتفاقيات لم يتقدم بالسرعة التي توقعها البعض، رغم الضغوط الكبيرة والظروف الإقليمية المعقدة.

كذلك برزت مواقف لعدد من الدول الخليجية، مثل السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان، اتسمت بالحذر ومحاولة تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لكلفة الحروب المفتوحة على الجميع.

وفي المقابل، ظهر تباين واضح بين الرغبات الأمريكية وبين حسابات عدد من الحلفاء، سواء داخل حلف الناتو أو خارجه. فالدول تتحرك وفق مصالحها أولاً، وحين تصبح كلفة المغامرة مرتفعة، تبدأ الحسابات بالتغير مهما كانت التحالفات قوية.

أسئلة تستحق التأمل

في ضوء هذه المعطيات، يبرز عدد من الأسئلة المشروعة:

هل يمكن أن تكون بعض الرسائل السياسية الأمريكية موجهة بالدرجة الأولى إلى الحلفاء أكثر مما هي موجهة إلى الخصوم؟

وهل يمكن استخدام الاتفاقات أو التفاهمات مع طرف إقليمي ما كوسيلة ضغط على أطراف أخرى لدفعها نحو خيارات سياسية مختلفة؟

وهل ما يبدو في ظاهره تنازلاً أو تغييراً في الموقف قد يكون في بعض الأحيان جزءاً من عملية تفاوض أوسع وأعقد؟

ثم السؤال الأهم:

إذا كانت القوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها باستمرار وفقاً لمصالحها، فهل تمتلك شعوب المنطقة وإعلامها القدرة نفسها على إعادة ترتيب أولوياتها؟

بين الضجيج والحقائق

المشكلة ليست في متابعة الأحداث الرياضية أو الفنية أو السياسية الكبرى، فهذه جزء طبيعي من حياة المجتمعات. المشكلة تبدأ حين يتحول الضجيج إلى ستار يحجب ما يجري في الخلفية.

فالأحداث لا تتوقف لأن العالم منشغل، والوقائع على الأرض لا تنتظر انتهاء البطولات أو تبدل العناوين الرئيسية. وما يُفرض اليوم كأمر واقع قد يصبح غداً حقيقة يصعب تغييرها.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معرفة الأخبار، بل في فهم ترتيبها وأهميتها وسياقها. فليست كل الأخبار متساوية في أثرها، وليست كل العناوين العاجلة هي التي سترسم شكل المنطقة بعد سنوات.

ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا: ما الذي نتابعه؟ وما الذي يغيب عنا؟ ومن يحدد لنا أولويات الاهتمام أصلاً؟

ففي السياسة، كما في التاريخ، كثيراً ما تكون الأحداث الأخطر هي تلك التي تمر بصمت، بينما ينشغل الجميع بالنظر إلى مكان آخر.