جاءت قراءة الكاتبة نوال عباسي لتؤكد، من حيث لا تدري، الأزمة البنيوية التي يعاني منها الفكر الحضاري المستغرق في التجريد؛ أزمة الهروب من استحقاقات الواقع الجيوسياسي الصلب نحو فضاءات التبرير اللاهوتي والميتافيزيقي السائل. إن محاولة الدفاع عن أطروحة الدكتور الحبيب الشوباني لم تفعل شيئاً سوى إعادة إنتاج نفس المغالطات التي قمنا بتفكيكها في مقالنا الأصلي، ولكن بجرعة إضافية من الرومانسية الفكرية التي تقيس الظواهر الاستعمارية بمقاييس وعظية أخلاقية لا صلة لها بقوانين التاريخ وصراع الوجود.
1. مغالطة “الحوض السائل” وإلغاء المتعين الجغرافي والتاريخي
تبدأ الناقدة بالدفاع عن مفهوم “الحوض الحضاري الإسلامي” باعتباره وعاءً تراكمياً يستوعب الخصوصيات الإقليمية كالسومرية والفرعونية والأمازيغية، مشبهة إياها بروافد نهر النيل. وهنا يتجلى التهافت المعرفي الأول في عدم التمييز بين “التأثير الثقافي المتبادل” وبين “الهوية القومية والجيوسياسية المتعينة”. إن اختزال مجتمعات حية ذات جغرافيا تاريخية صلبة ودورات حضارية مستقلة، كالهلال الخصيب أو مصر أو المغرب، في مجرد “روافد” لوعاء عقدي ديني، هو عين الاختزال والقطع المعرفي.
التاريخ لا يتحرك في “أحواض” هلامية تلغي الحدود المادية للجغرافيا والسياسة. وحين استخدمنا مصطلحات كالمشرق أو البيئة الإقليمية، لم نكن نقع في الاختزال، بل كنا نحدد كيانات جيوسياسية واجتماعية لها شروط إنتاجها التاريخي الخاص. الإسلام كرسالة روحية وحضارية تفاعلت مع هذه البيئات ولم يلغها، ولكن تحويله إلى “مشروع حل سياسي” عابر للجغرافيا والديمغرافيا لإيجاد مخارج لمنظومة استعمارية إحلالية هو قفزة في الفراغ. إن الهوية التاريخية للمشرق، على سبيل المثال، ليست جينات معزولة في وعاء، بل هي نمط إنتاج ثقافي واجتماعي وسياسي متصل بالأرض، ولا يمكن تسييله لصالح سرديات أممية تفقد بأسها أمام دبابات العدو.
2. وهم “التحرير المزدوج” وبؤس القياس الاستعماري البليد
تستبسل الناقدة في الدفاع عن مقولة “التحرير المزدوج” و”حل العودتين”، مستشهدة بتجربة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا وبكتابات نعومي كلاين. هذا القياس يمثل ذروة السقوط في فخ التنميط الاستعماري، ويظهر جهلاً بنيوياً بطبيعة الحركة الصهيونية مقارنة بالنظام العنصري في جنوب أفريقيا (الأبارتهايد).
نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كان نظاماً استعمارياً قائماً على “استغلال” العمالة المحلية من السكان الأصليين، وبالتالي كانت ديمومة النظام مادية واقتصادية تعتمد على وجود “الآخر” الأسود، مما جعل الحل السياسي القائم على المواطنة المشتركة والتحرير المشترك ممكناً بنيوياً بعد كسر الإرادة السياسية للأقلية البيضاء. أما الصهيونية، فهي حركة استعمار استيطاني “إحلالي وإبادي”، لا تقوم على استغلال السكان الأصليين بل على “إلغائهم” واقتلاعهم وإحلال كتلة بشرية غريبة مكانهم، مستندة إلى أساطير لاهوتية مغلقة.
كيف يمكن الحديث عن “تحرير عقل الصهيونية من صهيونيته” كجزء من استراتيجية التحرر بينما آلة الإبادة تعمل على الأرض؟ الرهان على وعي “عقلاء اليهود” كنعومي كلاين أو غيرها هو ترف فكري ينفصل عن دموية الواقع. هؤلاء أفراد يمثلون ضميراً أخلاقياً معزولاً في الغرب، ولا يشكلون بأي حال من الأحوال تياراً قادراً على تفكيك البنية اللاهوتية-العسكرية للكيان الصهيوني من الداخل. إن وضع العربة أمام الحصان يتجلى هنا في أبهى صوره: المطالبة بمشروع حضاري يستوعب المستعمر قبل تفكيك أدوات قهره المادية، وهو ما يحول فعل التحرير من عملية اقتلاع ثورية للعدوان إلى ورشة عمل لاهوتية واسترضائية مع المستعمرين.
3. تسليع الدين لتحمل وزر “الأزمة الغربية” وعبثية التبرع بالحلول
تنتقد الناقدة تأكيدنا على أن “المسألة اليهودية” هي أزمة أوروبية-أوروبية بامتياز، معتبرة أن التعامل مع الوجود الصهيوني في فلسطين هو ضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا، وأن كلامنا يشبه “انتظار غودو” لإصلاح الضمير الأوروبي.
هنا نقع في مغالطة خلط المفاهيم: نحن لا ننتظر غودو، ولا نطلب من الغرب إصلاح ضميره. بل إن ما نرفضه بشكل قاطع هو أن تتطوع النخب الفكرية في أمتنا بتقديم “حلول حضارية أخلاقية” تضمن دمج أو إعادة تعريف الوجود البشري المستعمر في منطقتنا تحت لافتة “التسامح الإسلامي التاريخي”.
إن تحويل الإسلام إلى مشروع حل للمسألة اليهودية ينطوي على تهافت قيمي وتاريخي مركب. المسألة اليهودية، بنشأتها، وتطورها، ومذابحها، وغاياتها الاستعمارية، هي منتج أوروبي خالص أفصحت عنه الرأسمالية الإمبريالية في لحظة تغولها. وحين تأتي نخب فكرية مشرقية أو إسلامية لتقول: “لدينا الحل في نموذجنا الحضاري لاستيعاب اليهود وتحرير عقولهم”، فإنها تمارس نوعاً من المازوخية الفكرية (جلد الذات الطوعي).
هذا الطرح يتطوع، بلا مقابل، للإجابة على سؤال لم يطرحه الضحية أصلاً، بل طرحه الجلاد الغربي الذي أراد التخلص من فائض سكاني وعقدي عبر قذفه في قلب المشرق. وبدلاً من إبقاء الأزمة في مربعها الحقيقي كعدوان إمبريالي استيطاني تجب مقاومته واقتلاعه، تحاول هذه الأطروحات إلباس الصراع لبوساً فقهياً، وتحويل المقاوم الوطني السيادي إلى “قاضٍ شرعي” يبحث في شروط استضافة المستعمر وتحديد مكانته القانونية المستقبلية (أهل ذمة، مستأمنين، مواطني حوض حضاري).
نعم، الكيان موجود على أرض فلسطين بالجغرافيا والدبابات، ومواجهته تكون بالاقتلاع المادي وبسلاح المقاومة، لا بالتطوع بحمل وزر الجريمة الغربية عبر اجترار أطروحات “التعايش القديم” أو التخطيط لمستقبل المستعمرين. حين نتحدث عن “اقتصاد الإبادة” وتحالف الكارتيل الرأسمالي العالمي مع العقيدة التوراتية، فإننا نصف منظومة وظيفية تستخدم الأيديولوجيا كأداة تشغيلية. العدو لا يواجهنا بـ “الفكرة” المجردة لنواجهه بـ “الحوار الحضاري”، بل يواجهنا بكتلة مصالح إمبريالية مسلحة باللاهوت. تفكيك الأساطير الصهيونية يكون بكسر فاعليتها على الأرض، فالعقائد الإبادية لا تتبخر بنقاشات الفكر، بل تسقط عندما تصبح تكلفة التمسك بها في الأرض المغتصبة أعلى من قدرة المستعمر على الاحتمال.
4. بؤس الإسقاط التاريخي: من الإمبراطورية إلى الدولة الوطنية وطوباوية المقارنة
أخيراً، تحاول الناقدة الهروب إلى الأمام من خلال مقارنة السجل الإسلامي بالسجل الأوروبي في التعامل مع اليهود، معتبرة أن وجود توترات متفرقة لا يلغي “نصاعة” النموذج. إن هذا الأسلوب الدفاعي التبريري هو ما يسقط الأطروحة في الطوباوية المنهجية. التاريخ ليس ساحة للمفاضلة الأخلاقية بين الجلادين؛ إن استدعاء مفهوم “أهل الذمة” في القرن الحادي والعشرين كأفق للحل الحضاري هو تراجع فكري مريع يعجز عن فهم مفاهيم الدولة الحديثة والمواطنة والسيادة الوطنية الشاملة.
يعاني هذا الفكر من “أنيميا تاريخية” حادة تعجز عن التمييز بين منطق “الإمبراطوريات القروسطية” ومنطق “الدولة الوطنية الحديثة”. في زمن الإمبراطوريات (العالم القديم والوسيط)، كان نظام “الملل” أو “الذمة” شكلاً متقدماً -بمقاييس عصره- لإدارة التعددية الدينية تحت سيادة مركزية؛ نظاماً يقوم على تراتبية واضحة (حاكم ومحمي) في عالم لم يكن يعرف مفهوم “المواطنة المتساوية”.
أما اليوم، في عصر الدولة الحديثة والقانون الدولي، فإن استدعاء هذه المفاهيم لحل صراع مع حركة استعمارية صناعية، مسلحة بالنووي وبالكارتيلات المالية العالمية، هو نوع من الوهم السياسي. الصهيونية لا تبحث عن “أمان” في حوض إسلامي، بل تبحث عن “إبادة” المحيط لإقامة مجالها الحيوي. إن مواجهة مشروع كهذا لا تكون بالنكوص إلى مفاهيم ما قبل الدولة الحديثة، بل بالارتقاء إلى مستوى “الدولة القومية والاجتماعية القوية” القادرة على فرض سيادتها المادية، وتطوير تكنولوجيتها الخاصة، وبناء إنسان محصن بالوعي المعرفي والسياسي، لا بالشعارات الوعظية السائلة.
إن ما سمته الناقدة “تسييلاً للصراع” وتفكراً في “اليوم التالي” ليس نضجاً سياسياً، بل هو عودة مكررة لنفس الخلل الفكري الذي قاد إلى كامب ديفيد وأوسلو؛ الخلل الذي يبدأ بتقديم التنازلات الفكرية والأخلاقية وصياغة سيناريوهات الاسترضاء قبل امتلاك عناصر القوة المادية الكاملة على الأرض. إن حرب أكتوبر لم تضع مسارها في خدمة الفكرة المائعة، بل سقطت في فخ التسوية السياسية لأن القيادة السياسية حينها لم تكن تؤمن بحرب الوجود، بل تحركت بعقلية “تحريك الأزمة” لا “تحرير الأرض”.
خاتمة
إن “الوهم الحضاري” يكمن تحديداً في الاعتقاد بأن الشعارات الأخلاقية والحلول اللاهوتية الفضفاضة يمكنها أن تقود صراعاً وجودياً ضد مشروع إبادي مركب. الطوفان الذي نعيشه اليوم ليس بحاجة إلى وعاظ يعيدون تدوير مقولات المستشرقين أو المفكرين الرومانسيين، بل هو بحاجة إلى وعي معرفي وجيوسياسي يدرك أن الأرض والسيادة لا تُحمى بالنيات الطيبة، وأن النصر يصنعه من يملك وضوح الرؤية في تحديد العدو وآليات اقتلاعه، لا من يشغل نفسه بكيفية ترويض وعي القاتل وهو يمسك بالسكين.
د. نبيلة عفيف غصن
إقرأ أيضا(بين التراكم الحضاري ووهم الانطلاق من الصفر: قراءة في مقال “تفكيك الوهم الحضاري”)
