تتناول صحيفة “معاريف” العبرية، في مقال للكاتب بن كسبيت، نقاشًا سياسيًا داخليًا متصاعدًا داخل “إسرائيل” حول مستقبل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في ظل ما تعتبره الصحيفة مؤشرات غير مسبوقة على احتمال إعادة التفكير في استمراره السياسي، وذلك عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى أنه غير متأكد من نية نتنياهو الترشح للانتخابات المقبلة. وبحسب ما ورد في المقال، فإن السؤال الذي يطرح نفسه داخل دوائر سياسية وإعلامية في”إسرائيل” هو ما إذا كان نتنياهو يسعى فعليًا إلى كسب الوقت من أجل إجراء مراجعة ذاتية وحسابات سياسية وقانونية أخيرة، أم أن الأمر لا يزال في إطار التكهنات التي لم ترقَ سابقًا إلى مستوى الجدية، حتى جاءت تصريحات ترامب لتعيد فتح الملف بشكل علني. ويشير الكاتب إلى أنه كان قد طرح هذا الاحتمال قبل أسابيع، لكنه اعتبره في حينه احتمالًا بعيدًا وضعيفًا جدًا، إلا أن تصريح ترامب الأخير غيّر المشهد، خصوصًا بعد أن قال بشكل مباشر إنه غير متأكد من أن نتنياهو سيخوض الانتخابات المقبلة، وهو تصريح اعتبره الكاتب نقطة تحول لأنه صدر علنًا ولم يعد بالإمكان التراجع عنه أو تفسيره بعيدًا عن سياقه السياسي. وبحسب “معاريف”، فإن حزب “الليكود” سارع إلى نفي أي نية لعدم ترشح نتنياهو في الانتخابات المقبلة، غير أن الكاتب يشكك في مستوى مصداقية هذا النفي، معتبرًا أن مصداقية الحزب في الوقت الراهن متدنية للغاية، وأن بياناته الرسمية لم تعد تحظى بثقة كبيرة داخل الرأي العام أو حتى داخل النقاش السياسي الداخلي. وفي سياق تحليله، يتناول الكاتب طبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واصفًا إياه بأنه شخصية سياسية تتحدث دون قيود أو ضوابط، حيث يطلق تصريحات عفوية بشكل مستمر، دون وجود فرامل سياسية أو توازنات تقليدية، وهو ما يؤدي إلى خروج مواقف مفاجئة من فمه بشكل مباشر. ويضيف المقال أن ترامب لا يحتفظ بالأسرار ولا يتبع أسلوب الدبلوماسية التقليدية، بل يتحدث بما يخطر بباله فورًا، وهو ما يجعله – بحسب الكاتب – يشبه طفلًا صغيرًا ينقل كل ما يسمعه دون فلترة، سواء كان ذلك في سياق سياسي أو غيره، وهو ما يمنح تصريحاته طابعًا خطيرًا من حيث التأثير، رغم عفويتها. ويكرر الكاتب الإشارة إلى أن ترامب يقول كل ما يخطر بباله دون فرامل أو قيود، ويؤكد أن لهذه السمة جانبًا سلبيًا من حيث عدم الانضباط السياسي، لكنها في الوقت نفسه تحمل جانبًا إيجابيًا يتمثل في غياب الأسرار داخل الدائرة السياسية التي يتحرك فيها. وينتقل المقال إلى نقطة أكثر حساسية، حيث يطرح الكاتب سؤالًا حول مصدر هذا النوع من التصريحات، معتبرًا أن ترامب لا يمكن أن يخترع مثل هذا التكهن من تلقاء نفسه، وبالتالي فإن قوله هذا قد يعني أنه سمعه من جهة ما، سواء من أحد مساعديه المقربين أو في إطار إحاطة استخباراتية أو سياسية. ويشير الكاتب إلى أن الأجهزة الأميركية، وعلى رأسها وكالة الأمن القومي (NSA)، التي تُعتبر النظير الأميركي لوحدة 8200، تعمل بقدرات ضخمة ويعمل فيها عشرات الآلاف من الموظفين، إلى جانب وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) التي تمتلك شبكة واسعة من العملاء والمصادر حول العالم. وبحسب هذا الطرح، يطرح المقال احتمال أن تكون هذه الأجهزة قد زودت الإدارة الأميركية أو دوائرها السياسية بتقييمات أو معلومات تتعلق بمستقبل نتنياهو، بما في ذلك احتمال اعتزاله الحياة السياسية، وهو احتمال لا يستبعده الكاتب بالكامل، وإن كان لا يجزم به. ويضيف أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تهتم بشكل كبير بتحليل الشخصيات السياسية، ووضعها الصحي والنفسي والسياسي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقادة لهم تأثير مباشر على المصالح الأميركية، ويشير إلى أن نتنياهو يُعد من أبرز هذه الشخصيات في السياق السياسي الأميركي-“الإسرائيلي”. ويقول الكاتب إنه لا يعرف ما إذا كانت تصريحات ترامب تعكس رغبة شخصية أو قراءة سياسية أو حتى مجرد ملاحظة عابرة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذه التصريحات تحولت داخل “إسرائيل” إلى هجوم انتخابي فعلي، وأثارت موجة واسعة من الجدل السياسي. وبعد ذلك ينتقل المقال إلى الوضع القانوني لنتنياهو، حيث يشير إلى أن ملفاته القضائية لا تبدو في وضع جيد، بل هي في الواقع خطيرة من ناحية الإمكانيات القانونية، إذ يواجه – بحسب التقديرات التي يوردها الكاتب – احتمال وجود إدانتين على الأقل، وربما ثلاث إدانات، قد تترافق مع عقوبة سجن فعلية. ويعرض المقال مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمستقبله السياسي والقانوني، من بينها إمكانية أن يتوصل نتنياهو إلى صفقة ادعاء تنهي قضاياه مقابل اعتزال الحياة السياسية، والخروج من المشهد العام بما يسمح للدولة – بحسب تعبير الكاتب – بالبدء بعملية تعافٍ سياسي داخلي. كما يطرح سيناريو آخر يتمثل في إصرار نتنياهو على خوض الانتخابات المقبلة، وفي حال خسارته وتحوله إلى زعيم معارضة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع قدرته على التفاوض بشأن صفقة ادعاء مستقبلية، ما يعني أن موقعه السياسي الضعيف سيؤثر مباشرة على وضعه القانوني. ويضيف الكاتب أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام مطالب داخل النيابة العامة في “إسرائيل” بتشديد الموقف القانوني تجاهه، خاصة في ظل ما يصفه المقال بحملات سياسية وقضائية متوترة، ما قد يؤدي إلى تشديد شروط أي تسوية محتملة معه. وبناءً على ذلك، يرى المقال أن القرار الذي يواجهه نتنياهو قريبًا ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل قرار مصيري يتعلق بمستقبله الشخصي والقانوني، بين الاستمرار في خوض المعركة السياسية أو التوجه نحو الاعتزال. ويؤكد الكاتب أن هذا القرار لا يمثل مجرد “مقامرة سياسية”، بل هو – بحسب تعبيره – مقامرة على حياة نتنياهو الشخصية، بعد أن كان في السابق يُتهم بالمقامرة على مستقبل الدولة، مشيرًا إلى أن هذه المرة المعادلة انعكست لتصبح مرتبطة بمستقبله هو. وبعد هذا التحليل، يخلص الكاتب إلى أنه لو اضطر إلى المراهنة، فإنه يعتقد أن نتنياهو سيواصل طريقه حتى النهاية، انطلاقًا من شخصيته السياسية التي تتسم بالإصرار وعدم الاستسلام، وإيمانه الدائم بإمكانية العودة وتحقيق النجاح رغم الأزمات. ومع ذلك، لا يستبعد المقال أن يكون احتمال الاعتزال قد أصبح قائمًا لأول مرة منذ فترة طويلة، خصوصًا إذا استمرت التراجعات في استطلاعات الرأي أو ازدادت حدتها، وهو ما قد يدفع نتنياهو إلى التفكير بجدية في خيارات أخرى. وفي هذا السياق، يطرح المقال احتمال أن يسعى نتنياهو إلى صفقة ادعاء سريعة أو إلى عفو بصيغة خاصة ومفصلة تتناسب مع وضعه، بحيث تضمن له الخروج من الحياة السياسية دون وصمة قانونية ثقيلة، مقابل التزامه بعدم العودة إلى العمل السياسي. كما يشير إلى احتمال أن يكون هدفه المستقبلي هو الترشح لمنصب رئيس دولة “إسرائيل” بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي إسحاق هرتسوغ، باعتبار ذلك مخرجًا سياسيًا يحافظ على مكانته دون العودة إلى صراعات الانتخابات الحزبية. وبديلًا عن ذلك، يطرح المقال إمكانية أن يقبل بصيغة اعتزال “محددة المدة”، تمتد من سنة ونصف إلى سنتين، بحيث تسمح له قانونيًا بالعودة لاحقًا إلى المشهد السياسي عند انتهاء ولاية هرتسوغ. كما يثير الكاتب تساؤلًا إضافيًا حول آليات التصويت داخل الكنيست في حال ترشحه لمنصب رئيس الدولة، وما إذا كان سيتم فرض رقابة أو تصوير أعضاء الكنيست أثناء عملية التصويت السري، في ظل حساسية هذا المنصب. ويختم المقال بالإشارة إلى أن مسألة اعتزال نتنياهو، رغم أنها مطروحة لأول مرة بشكل جدي، لا تزال محاطة بالكثير من الغموض، وأن الحسم النهائي لم يتبلور بعد، سواء باتجاه البقاء أو الاعتزال. المصدر : شهاب – وكالات
