من رحم الحروب الكبرى لا تولد الاتفاقيات والميدان فحسب، بل تولد أيضاً فرصة تاريخية للارتقاء والتحرر الفكري. لسنوات طويلة، خضع الوعي اللبناني لعملية تجريف ممنهجة حاولت تسويق فكرة واحدة: “أنت ضعيف، مستباح، ومجرد كرت محروق على طاولة الكبار”. واليوم، يأتي الاتفاق الأخير ليشكل صدمة معرفية وسياسية تفكك هذه الأدبيات المنهزمة وتضع حداً لأصحاب الأقلام المأجورة الذين امتهنوا جلد الذات وتبرئة الجلاد.
أولاً: الميدان يصنع السياسة.. سقوط قراءة “الغرف المغلقة”
يحاول أصحاب الفكر التبسيطي اختزال مشهد الصمود الأسطوري في جنوب لبنان بربط وقف الحرب بحسابات ترامب الانتخابية أو بترتيبات الداخل الإيراني. هذه القراءة ليست قاصرة عسكرياً فحسب، بل هي إهانة مباشرة لمنطق التاريخ.
حقيقة القوة: القوى العظمى والكيان الصهيوني لم يوقفوا آلة القتل رأفةً بأحد، بل لأنهم اصطدموا بجدار سميك من الردع الميداني جعل كلفة استمرار الحرب أكبر بكثير من كلفة إيقافها.
صناعة المعادلات: إن النفط، وسلاسل التوريد، ومضيق هرمز لم تتحرك كملفات تفاوضية إلا لأن البندقية في الجنوب اللبناني فرضت واقعاً لا يمكن تجاوزه. الاتفاق لم يُصنع في واشنطن أو طهران ليُملى على لبنان؛ بل صُنع في قرى الحافة الأمامية ودُفع به إلى طاولات العواصم الكبرى.
ثانياً: شرعية المقاومة.. درع دستوري وقانوني لا “ذريعة” عدوان
أخطر ما في خطاب الأبواق المأجورة هو محاولة جعل الضحية مسؤولة عن إجرام المعتدي، عبر الترويج لمقولة أن “سلاح المقاومة هو الذريعة لاستمرار الحرب”. هذا المنطق المتهافت يتصادم مباشرة مع أبجديات القانون الدولي والدستور اللبناني:
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: تكفل “الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة عليها”. المقاومة اللبنانية ليست خارجة عن القانون، بل هي التطبيق الفعلي والمشروع لهذا الحق الدولي في وجه كيان يمتلك سجلاً حافلاً بآلاف الخروقات الموثقة.
الواجب الدستوري الأسمى: مقدمة الدستور اللبناني حاسمة في نهائية الوطن وسيادته. وحين يهدد خطر وجودي كيان الدولة، يصبح الدفاع شعباً وجيشاً ومقاومة ضرورة دستورية لحفظ بقاء الوطن.
الغطاء التنفيذي والتشريعي: البيانات الوزارية المتعاقبة للحكومات اللبنانية، والتي نالت ثقة البرلمان، كرّست معادلة الدفاع المشترك. وبالتالي، فإن سلاح المقاومة يمتلك شرعية قانونية داخلية صلبة لا تملك أي جهة حق التنازل عنها بالمجان تحت وطأة التهويل.
ثالثاً: إسقاط خرافة “الذراع والرهينة”.. التحالف كشبكة أمان
لسنوات، صدّعوا الرؤوس بسردية تقول إن لبنان مجرد “كيس رمل” وتخريب ساحته هدف لحماية المشروع النووي الإيراني. وجاءت تسوية وقف إطلاق النار لتدق المسمار الأخير في نعش هذه الأكذوبة.
حقيقة التسوية الإقليمية: لو كان لبنان مجرد ورقة مقايضة، لكان أول ما جرى بيعه والتضحية به في سوق الصفقات لتأمين مصالح المركز. لكن اشتراط شمول لبنان وإلزام الإدارة الأميركية بوقف إطلاق النار فيه كجزء لا يتجزأ من التهدئة، أثبت أن هذا التحالف هو شبكة أمان استراتيجية لحماية لبنان، وليس منصة للتضحية به.
انعكاس الحاجة: النتيجة الرقمية والسياسية تثبت أن لبنان – البلد الصغير بمساحته والمستهدف بأطماع تاريخية – هو من كان بحاجة إلى عمق استراتيجي وتسليحي يكسر الحظر الغربي المفروض على تزويد منظومته الدفاعية بسلاح رادع. هذا العمق سخّر ثقله السياسي والعسكري لضمان عدم الاستفراد بلبنان وسحقه، محولاً فكرة “التبعية” المزعومة إلى تحالف ندي يحمي السيادة.
رابعاً: نحو رؤية سيادية حقيقية.. لا تفاوض من موقع الضعف
إن المطالبة بتسليم السلاح فوراً وبالمجان كوسيلة لكسب “ثقة المجتمع الدولي” هي دعوة للانتحار الاستراتيجي. في عرف العلاقات الدولية، المفاوضات التي تتم تحت التهديد بتجريد الطرف من وسائل قوته تؤدي إلى “صكوك استسلام” لا إلى اتفاقيات تحفظ السيادة.
خلاصة استراتيجية: إن الوعي التحرري الحقيقي يفرض علينا اليوم أن نخرج من عقدة النقص والدونية السياسية. ثقة اللبنانيين بدولتهم لا تُبنى بتقديم التنازلات وإضعاف عناصر القوة، بل بالتمسك بالمعادلة التي جعلت عواصم القرار تدرك أن لبنان لم يعد مكسر عصا، بل رقم صعب في معادلات الشرق الأوسط. من يريد بناء دولة حقيقية، عليه أن يطالب بإلزام المعتدي بالقوانين الدولية، لا بتجريد صاحب الأرض من درعه الحامي.
د. نبيلة عفيف غصن
