لم تعد الجغرافيا مجرد تضاريس؛ بل تحولت في عصر “النيوليبرالية المتوحشة” إلى سلعة تُباع في مزادات النفوذ السياسي. وما يحدث اليوم على السواحل الألبانية — وتحديداً في جزيرة “سازان” وشبه جزيرة “زفيرنيك” — ليس مجرد صفقة عقارية فاخرة بقيمة مليارات الدولارات يقودها “جاريد كوشنر”، بل هو تجسيد حي لصراع إرادات وجودي بين منطق “البلوتوقراطية” (حكم الأثرياء) العالمي الذي يرى الأرض مشاعاً للاستثمار النخبوي، وبين منطق السيادة الوطنية والوعي النهضوي الشعبي الذي يرفض تحويل المقدرات العامة إلى إقطاعيات خاصة.
​١. “النزهة الحافية” والأسلاك الشائكة: فجوة الغطرسة النخبوية
​في مشهد يلخص عمق الانفصام بين النخبة المعولمة والواقع على الأرض، خرجت “إيفانكا ترامب” في مقابلة صوتية حديثة تتحدث بشاعرية مفرطة عن كيفية “اكتشاف” الجزيرة؛ حيث كانت في رحلة بحرية مع أصدقاء، وقررت السباحة نحو الشاطئ والمشي “حافية القدمين” إلى قمة الجبل لتُفتن بسحر المكان وتقرر “إحياء إمكاناته”.
​هذه الرومانسية الاستعلائية تقابلها على أرض الواقع حقيقة مغايرة تماماً:
​عزل الشواطئ: أسلاك شائكة أحاطت بالمساحات العامة وحرمت الصيادين والمواطنين المحليين من سواحلهم.
​آليات ثقيلة: جرافات تقتحم المحميات الطبيعية وتغير معالم بيئية صمدت لعقود.
​خصخصة التاريخ: تحويل قاعدة عسكرية تاريخية شهدت حقبة الحرب الباردة، وبُنيت بأموال وعرق الشعب الألباني، إلى منتجع مغلق لليخوت الفاخرة والأثرياء.
​إن خطورة هذا النمط من المشاريع تكمن في محاولة شرعنة “الاستعمار السياحي”، حيث يتم التعامل مع الدول النامية كمساحات جغرافية بلا شعوب، مجرد خلفيات بصرية جميلة لمنتجعات الأثرياء، بينما يُدفع بأصحاب الأرض إلى الهامش.

​٢. “ثورة الفلامنغو”: الوعي الشعبي كأداة للنهوض والرفض

​أمام هذا التغول الرأسمالي، لم يقف المجتمع المدني الألباني مكتوف الأيدي. فقد تفجرت موجة احتجاجات عارمة اتخذت من طائر “الفلامنغو الوردي” رمزاً لها (نظراً لأن المشروع يهدد الموائل الطبيعية الهامة لهذه الطيور المهاجرة في دلتا نهر فجوسا، الذي يُعد “آخر نهر بري في أوروبا”).

​تحت شعارات مدوية مثل “ألبانيا ليست للبيع” و”إيفانكا.. عودي إلى منزلك”، أثبت الحراك الشعبي أن الوعي البيئي والسياسي يمكن أن يتحول إلى قوة دفع نهضوية قادرة على كسر حاجز الخوف والتصدي للقرارات الفوقية. لم تعد القضية مجرد دفاع عن بضع طيور أو شواطئ، بل تحولت إلى معركة استرداد للكرامة الوطنية والقرار المستقل ضد حكومة يرى المحتجون أنها فرطت في أصول الدولة الاستراتيجية من أجل كسب رضا دوائر النفوذ في واشنطن.

​٣. سياط القانون وتهاوي قلاع الفساد: دخول “SPAK” على خط المواجهة

​الضربة الأقوى التي هزت أركان هذه الصفقة المشبوهة جاءت من داخل مؤسسات الدولة نفسها؛ حيث فتح مكتب الادعاء الخاص لمكافحة الفساد في ألبانيا (SPAK) تحقيقاً رسمياً واسعاً.

​يتمركز التحقيق حول نقاط قضائية بالغة الخطورة:
.١ ​تعديل القوانين القياسي: كيف تم تعديل قوانين حماية البيئة والمحميات الطبيعية في عام 2024 خصيصاً لتمهيد الطريق لهذا المشروع؟
.٢ ​منح المزايا الاستثنائية: كيف حازت شركة كوشنر الـ (LLC) على صفة “مستثمر استراتيجي” وتمتعت بتسهيلات وإعفاءات استثنائية دون وجود دراسة جدوى حقيقية أو خطة عمل متكاملة؟
.٣ ​شبهات الشبكات الخفية: التحقيق في تورط شبكات مصالح معقدة شملت قضاة مستقيلين، ورجال أعمال تحوم حولهم الشبهات، لشرعنة تملك الأراضي وتغيير تصنيفها القانوني.
​هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان ما حدث لكوشنر في العاصمة الصربية بلغراد، حيث انهار مشروعه لبناء “برج ترامب” الفاخر بعد ملاحقات قضائية وتوجيه اتهامات لوزير الثقافة الصربي بتزوير وثائق لإلغاء الحماية الثقافية عن المباني التاريخية المستهدفة. التاريخ يعيد نفسه، ليؤكد أن غطاء النفوذ السياسي مهما كان سميكاً، فإنه ينكشف أمام سياط القانون النافذة ويقظة الضمير القضائي.

​لا بديل عن السيادة الوطنية

​إن النموذج النيوليبرالي الذي يحاول رئيس الوزراء الألباني “إيدي راما” الدفاع عنه باستماتة — معلناً بتحدٍّ أنه “لا توجد فرصة واحدة لإيقاف هذا المشروع” — هو نموذج بائد ومأزوم. الرهان على جلب الاستثمارات الأجنبية عبر تقديم تنازلات تمس السيادة البيئية والجغرافية والقانونية هو رهان خاسر، لا ينتج عنه سوى تنمية مشوهة تزيد الأثرياء ثراءً وتنتزع من الشعوب مقدراتها.

​الخلاصة: إن المقاومة الشعبية والقانونية المستمرة في ألبانيا هي درس نهضوي بامتياز لكل الشعوب التي تواجه خطر “الاستباحة الاستثمارية”. إنها تؤكد أن حماية الأرض، والحفاظ على الهوية البصرية والجغرافية للأوطان، وسيادة القانون فوق الجميع، هي الركائز الحقيقية لأي نهضة حقيقية. إن اليقظة الشعبية الصاعدة هناك تثبت أن الشعوب لم تعد تقبل بأن تكون مجرد “كومبارس” في مسرحية صفقات العائلات السياسية الحاكمة ورأس المال العابر للقارات.

 
د. نبيلة عفيف غصن