إيران والغرب: قراءة في طبيعة الصراع وتحولات المعركة
مقدمة:
إيران بلدٌ لا يُفهَم بسهولة. وثورتها الخمينية يصعب على الأغلب تفكيك مشهدها وفهم تعرجاتها الداخلية إلا من عايش تجربتها وعَلِمَ تضاريس تاريخها وغاص في فلسفة إشراقها.
سؤال المرحلة الآن: هل انتهت معركة أمريكا والغرب ضد إيران؟ لا أتصور، فمعركة جمهورية ولاية الفقيه مفتوحة مع عدوها لأسباب عديدة، بل ستبدأ الآن المعارك الخفية في حرب استنزاف طويلة الأمد.
طبيعة الصراع: صراع حضارات وليس مجرد مواجهة عسكرية
ما جرى من حرب كان متوقعًا، لأنها كانت مؤجلة من سنوات. لا يمكن قراءتها على أنها مسار تصعيدي سريع يتدرج نحو الصدام، بل المشكلة أعمق، وتتمثل في جغرافيا صراع الحضارات والهويات، وتكمن في عدم السماح لوجود قوة تعتمد على قدراتها لتنهض في المنطقة.
الغرب نظام كمّي، قوته مفرطة في حسابات المصالح، لا يقبل أن تضاهيه تجربة أخرى تعتمد على ذاتها وتستنهض كيان الإنسان بالكيفي السامق. هذا ما يوجعه في العمق. لقد عمل في شعوبنا لقرون على كيّ الوعي وجلد الذات وتشتيت الصفوف ومسح الهوية، وأنتج كيانات ذات عجز وظيفي، غير مستقرة داخليًا، ولا هي ضمان لاستقرار الإقليم. بهذا يمكن فهم المنظومات التي تتعامل معها واشنطن وتحركها في كل الأزمات.
الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تتعامل مع دولنا كفضاءٍ مستقل، بل بتبعية كاملة. وكلما تحركت الشعوب لهدف التحرر، أعادت تشكيل نسق للحكم بعناوين متعددة: انقلابات، ثورات ملونة، تحريك مسارات، وحروب. وكلُّه مسموح للأمريكي على قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”.
الحرب الأخيرة: تحولات جديدة في موازين القوة
خلقت إيران من المعركة الأخيرة ظروفًا جديدة للتوازن مع واشنطن في المنطقة. والقراءات البسيطة لما حدث لا تلامس جوهر الموضوع. ما تم إنجازه على الأرض كان عكس توقعات الأمريكي، لأنه يجهل حقيقة هذا البلد وجذوره الممتدة في التاريخ، وفي تضاريس الدول المجاورة، وعلاقاته الاجتماعية.
مع ما جرى في الحرب الأخيرة، بات واضحًا أن طهران تحصنت بمربع المعرفة والاقتدار العسكري وحاضنة شعبية، مع محور مقاومة عابر للحسابات التقليدية، وكلها مقومات حولت موازين القوة لصالحها بالاعتماد على استراتيجية عملت عليها لسنوات.
ظهر أن التفوق العسكري الصهيوأمريكي في أغلبه كان هشًا، سُوِّق له إعلاميًا، ومُكِّن له سياسيًا، ودُجِّن له عبر طبقات من المطبعين. نتائج هذه الحرب – سيتحول زخمها تدريجيًا – إلى قدرة على تعطيل كل مخططات الأعداء. أي إن وظيفة القوة المسوقة لم تعد لتفرض أجنداتها، وهذا في حد ذاته تحول جوهري في طبيعة كسر الهيمنة ومسارات القوة نفسها.
استراتيجية إيران: إدارة النزيف بدلاً من الحسم
لم تتحرك إيران في هذه الحرب بمنطق ردود الفعل، إنما بهندسة مضادة تقوم على تحويل الضغط والاستهداف إلى امتصاص بعامل الزمن، وتحويل الزمن إلى أداة استنزاف بنيوي للخصم. وهنا تكمن قوة طهران. هذا ما يفسر التحول من منطق “الحسم” إلى منطق “إدارة النزيف”، للانتقال من نيران الحرب إلى إدارة الاستدامة، ومنها إلى القلق الاستراتيجي المستمر.
ما ظهر من مقاومة في الحرب الأخيرة، اكتشفت به إيران قوتها، وكشفت به للغير أنها أداة دفاع قوية عن ذاتها، وهو في جوهره إدارة قديرة بعدم السماح بتحويل نتائج تفوق العدو عسكريًا إلى حسم سريع، وعدم الإغلاق السياسي.
لم تسعَ طهران منذ انطلاق ثورتها إلى الحسم مع خصومها في أي ملف، حتى في حرب العراق. كما لم تسعَ لرفض النظام الدولي وقوانينه، بل عملت على إبقائه وجعلت للشرعية الدولية مكانة، حتى لا تسقط في الفوضى الأمريكية. والانفتاح لا يزال مستمرًا، وسياسة الشد والمد على كل الجبهات هي الشكل الأكثر أمانًا لتآكل قدرة الخصم وإضعافه.
ضمن هذه الرؤية والفعل الممنهج، يتغير معنى القوة بأساليب الدفاع عن النفس بالوسائل الممكنة، فلا يُمْنَع أي طرف من الحركة. هنا، يتحول الصراع من مواجهة حاسمة إلى نظام تشغيل دائم. هذا ما كان يحدث حتى في الصراع مع الكيان الصهيوني بدعمها لحركات التحرر، وتقديم النصح لهم بفتح معارك استنزاف طويلة زمنيًا.
الكيان الصهيوني ودول الخليج: قراءة في المواقف
للتذكير: إن الكيان الصهيوني منذ نشأته لم يعمل – بصفته فاعلًا مستقلًا خارج النظام الغربي والأمريكي – بل هو امتداد وظيفي لمنطق الردع في المنطقة. وقد فقد قدرته على إنتاج نهايات للحروب بالحسم في أكثر من معركة، ومنذ حرب 2006 انكشف أكثر. وهو يميل للمعارك السريعة والحروب الخاطفة والحاسمة.
استراتيجية إيران مع الكيان كانت تعمل على أن يتحرك داخل بيئة المنطقة بخوف دائم، لا يسمح له بالاستقرار، لأنه غدة دخيلة على المنطقة وشعوبها. من هنا كانت عملية التطبيع مهمة بالنسبة له، والاتفاقات الإبراهيمية المسوقة أمريكيًا مصيرية لوجوده وتمدده.
أما دول الخليج التي كانت تتغطى بالأمريكي، فقد اكتشفت مع هذه الحرب أن هذه المظلة لم تعد يُبنى عليها استقرارها، ولا تنتج لها أمانًا؛ لأن الحرب فقدت أهدافها المعلنة التي رفع الأمريكي سقفها العالي منذ البداية.
أمام هذا الواقع الجديد، سقطت “لحظة الخليج” حين اعتقد حكامها أن فائض مالها وطفرة طاقتها وعلاقاتها مع الغرب يمكن أن تحول عواصمهم إلى مراكز قيادة إقليمية جديدة، قادرة على إعادة تشكيل العالم العربي والإسلامي لتحديد اتجاهاتها السياسية والثقافية والأمنية. غير أن الحرب على إيران كشفت أن امتلاك الثروة لا يعني شيئًا، وامتلاك القدرة التاريخية على إنتاج التوازنات المستقرة هو كل شيء، ويختلف تمامًا عن طفرة البترودولار.
كانت إدارة الأزمة في الخليج منذ بدايتها محفوفة بالكثير من الاختلالات والخيانات، وستنقلب نتائجها على أصحابها. ومع سياسة التضييق على الداخل في الإمارات والسعودية والبحرين والكويت، والاعتماد على الوسائل الأمنية، سيضرب استقرارها. وهذه دائمًا مشكلة الحكومات الوظيفية التي لا تفهم أهمية تثبيت استقرارها الداخلي للتقليل من كلفة المخاطر في الأزمات.
مضيق هرمز: عقدة جغرافية في تجارة الطاقة
أما بالنسبة لمضيق هرمز، فقد كانت القرارات الإيرانية صائبة لتفريغ الحرب من مطالبها وتوجيهها إلى المعابر النفطية. إنها فرصة انتظرها الإيراني كثيرًا لقلب المعركة إلى عقدة جغرافية في تجارة الطاقة الدولية، حتى تحولت إلى نقطة اختبار مركزية في إدارة المعركة كلها. لأنها كشفت أن الطاقة لم تعد منفصلة عن الصراعات والحروب، بل هي جزء من آلية ضبطها. حين تتحول كل شحنة إلى عنصر في معادلة ردع غير معلنة، تصبح أداة حساسة لربط الأمن الاقتصادي بالسياسي.
الداخل الأمريكي: تآكل القوة وانكشاف الترسانة
أما الداخل الأمريكي، فمعضلته أصبحت أعمق من مجرد خلاف سياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين. يتمثل التحول في العقيدة العسكرية لتعريف القوة القابلة للاستخدام في الحروب الكبيرة، التي أصبحت ثمنًا لبقاء السياسي والرفاه الاقتصادي، مع انكشاف تام لتآكل الترسانة العسكرية الأمريكية التي اعتمدت منذ الحرب العالمية الثانية. وانتصار “شاهد 136” على التوماهوك، وقوارب “حيدر” على فرقاطات بملايين الدولارات، ظهر للجميع أننا انتقلنا إلى جيل جديد من القتال في كلفته وتخطيطه.
ما يحدث الآن وينتظر التوقيع عليه ليس اتفاق سلام، بل خروج اضطراري للأمريكي من حرب وصل فيها إلى طريق مسدود. ويرى أغلب المراقبين أنه يمثل ميلاد نظام جديد في الشرق الأوسط. فبعد عقود من العقوبات والتهديدات والحروب السرية والضغوط العسكرية، لم تنهار إيران، بل أصبحت إحدى القوى الجيوسياسية الحاسمة في العالم إلى جانب أمريكا وروسيا والصين.
المخرجات الاستراتيجية للحرب
إن المخرجات الاستراتيجية لهذه الحرب كبيرة في حجمها، وفي مستوى ارتداداتها ستكون ضخمة:
· تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة وتأثيره على الكيان الصهيوني، وسقوط مشروع تمدده وسياساته.
· انكشاف خطير للقدرات العسكرية الأمريكية (تكنولوجية ولوجستية) نتيجة دخولها في هذه الحرب.
· تزايد التماسك والانسجام بين أعضاء محور المقاومة، ولا يُستبعد انخراط أطراف جديدة للالتحاق به.
· تزايد القوة الإقليمية لإيران مع بوادر لتفاهمات حول الأمن الجماعي لدول المنطقة.
خاتمة: نهاية مرحلة الأوهام وبداية استنزاف طويل
ما يجري اليوم ليس نهاية صراع، بل نهاية مرحلة من أوهام الحسم السريع للجيوش التقليدية، والأغلب سيعتبرها مرحلة توازن قسري، حيث ستتراجع مشاريع الإخضاع الشاملة.
من هنا يمكن أن نقول: إن التحضير لصراع الحسم بين إيران (دولة ولاية الفقيه) وأمريكا وحلفائها قد بدأ الآن. والأكيد أن المنطقة ستعيش مرحلة استنزاف إلى أن تحين معركة الحسم في آخر المطاف.
حسن بن عمارة
