ترامب لم يجد طريقة لإعلان الخسارة والمقاومة تفرض «التحرير الثالث»…
أحمد بهجة
من الواضح للجميع أنّ بناء الثقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية يحتاج إلى وقت، كما يحتاج إلى خطوات ملموسة على طريق استعادة الثقة، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، التي افتعلت حربين في أقلّ من سنة بينما كانت المفاوضات قائمة بين الجانبين بوساطة عُمانية.
الحرب الأولى بدأها العدو الإسرائيلي بتشجيع من واشنطن يوم الجمعة في 13 حزيران 2025، بينما كان من المقرّر أن تُعقد في مسقط يوم الأحد في 15 حزيران جولة جديدة من المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية التي كان العُمانيون يتحدثون عن تحقيق تقدّم فيها حتى لو كان بطيئاً. وكان ختام تلك الحرب بضربة أميركية ضخمة استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، وردّت إيران بضرب قاعدة العديد الأميركية في الدوحة.
الحرب الثانية أو حرب الأربعين يوماً بدأها الأميركيون والإسرائيليون معاً في 28 شباط 2026، فيما كان من المقرّر أن تُستأنف المفاوضات في جنيف بين وفدين تقنيّين من إيران والولايات المتحدة يوم الاثنين في 2 آذار، علماً أنّ وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي الذي زار واشنطن في ذلك الوقت صرّح للإعلام الأميركي بأنّ المفاوضات إيجابية جداً.
لكن كما يقول الإيرانيون، قام الأميركيون بخيانة المسار التفاوضي وشنّوا الحرب بالشراكة مع العدو الإسرائيلي. ومن الطبيعي جداً أن تردّ إيران على هذا العدوان بما يناسب للدفاع عن أرضها وشعبها ومصالحها الوطنية والاستراتيجية، حتى لو كانت الكلفة كبيرة، خاصة على مستوى الخسائر البشرية التي طالت أيضاً عدداً غير قليل من القيادات في مقدّمتهم قائد الثورة السيد الشهيد علي خامنئي.
استمرّت الحرب أربعين يوماً، وبلغت أعلى مستوياتها، لكن واشنطن وتل أبيب لم تحققا الأهداف الأربعة التي أرادوا الوصول إليها من خلال الحرب، وهي: 1 ـ إسقاط النظام أو بالحدّ الأدنى إجباره على تغيير سلوكه، 2 ـ إنهاء البرنامج النووي الإيراني، 3 ـ القضاء على الصواريخ البالستية والفرط صوتية، 4 ـ قطع علاقات إيران مع حلفائها أو أذرعها كما يصفهم الأميركيون ومَن معهم.
كلّ هذا لم يحصل، ولا يبدو أنه سيحصل، وعليه يمكن القول بشكل حاسم وجازم إنّ الولايات المتحدة و”إسرائيل” خسرتا الحرب، بل أكثر من ذلك حيث فرضت إيران إيقاعها على مجريات الحرب من خلال التحكم بحركة المرور عبر مضيق هرمز وإغلاقه أمام أعداء إيران، وبالتالي صار همّ الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا والخليج فتح المضيق أمام ناقلات النفط والسفن المحمّلة بالبضائع والسلع المختلفة ذهاباً وإياباً.
إزاء هذا الواقع لم تجد الولايات المتحدة أمامها إلا الرضوخ والقبول بهدنة بدأت في 8 نيسان الماضي وجرى تمديدها أكثر من مرة، في حين كان الوسيط الباكستاني يقوم بدور دبلوماسي عالي المستوى بين الجانبين من أجل التوصل إلى الحدّ الأدنى من التفاهمات التي تؤسّس للعودة إلى المفاوضات.
قبل أيام قليلة أعلن الباكستانيون أنّ الطرفين الإيراني والأميركي وافقا على مسودّة أولية أساسها إعادة فتح مضيق هرمز وفي المقابل رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة في الخارج، وإعادة إرساء نوع من الثقة بين الجانبين خلال فترة 30 إلى 60 يوماً يتمّ بعدها استئناف المفاوضات بشأن الملف النووي.
لكن ترامب لم يتقيّد بهذه البنود أكثر من 24 ساعة، حيث نقضها وأخلّ بها وتراجع عنها، بحجة أنه يريد “اتفاقاً عظيماً”، كما قال، والاتفاق المطروح ليس كذلك. وربما يكون الأمر صحيحاً من وجهة نظر ترامب لأنّ بنود المسودّة هي عبارة عن هزيمة شبه كاملة للأميركيين، وعودة إلى الوضع الذي كان قبل الحرب، بل انّ إيران أصبحت في موقع تفاوضي أفضل نتيجة استخدامها ورقة مضيق هرمز وإظهار أنّ لديها ولدى حلفائها أوراقاً كثيرة يمكن اللجوء إليها مثل إقفال باب المندب وإغلاق البحر الأحمر وغير ذلك من أمور لها تأثير كبير جداً على طبيعة المواجهة التي لن تكون على الإطلاق في مصلحة الأميركيين، بل التي تجعلهم يغادرون المنطقة كلها بشكل دراماتيكي.
في المحصّلة… يواجه ترامب المأزق الكبير لأنه لم يجد بعد الطريقة التي تجعله يسلّم بأنه خسر الحرب من دون أن يظهر ذلك بشكل واضح أمام الرأي العام، خاصة داخل الولايات المتحدة حيث تفيد كلّ المؤشرات أنّ الحزب الجمهوري سيخسر الانتخابات النصفية المقرّرة في تشرين الثاني المقبل، وهذا ما قد يعيده مجدّداً إلى المسودّة نفسها ومن ثمّ إلى طاولة التفاوض…
أما شريك ترامب، رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، فهو يحاول دائماً التفلّت من القيود، وعدم الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار، حيث يواصل جيشه الإرهابي العدوان الهمجي على لبنان، مع التهديد بتوسيع نطاق الضربات وتصعيدها إذا استمرّ حزب الله بإطلاق المُسيّرات الانقضاضية التي يُبدع المقاومون في استخدامها ويحققون من خلالها الأهداف التي يريدونها، مما جعل الإعلام الإسرائيلي يصف جنود العدو بأنهم كـ “البط” يصطادهم رجال المقاومة بكلّ حِرفية، الأمر الذي دفع الكثير من الخبراء العسكريين إلى مطالبة حكومة العدو بسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية كما حصل في العام 2000.
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فإننا هذه الأيام نحيي الذكرى السادسة والعشرين لعيد المقاومة والتحرير، ويُجمع الذين عايشوا تلك المرحلة على أنّ ما نراه اليوم لا يختلف كثيراً عن الأيام التي سبقت التحرير في 25 أيار 2000، ومن هنا جاء تأكيد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بأننا على أبواب التحرير الثالث الذي بات قريباً جداً…
