مقدمة
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالسلاح والجيوش والأساطيل، بل باتت تُدار على مستوى أكثر عمقاً وخطورة: مستوى الوعي الجمعي. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد محصورة بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يسيطر على الرواية، وعلى اللغة، وعلى قدرة الشعوب على فهم ذاتها وتحديد عدوها الحقيقي. ومن هنا، يمكن فهم الحراك الإعلامي – السياسي المتسارع في المنطقة، والذي تقوده شبكات تمويل ضخمة ومؤسسات عابرة للحدود، باعتباره جزءاً من مشروع استراتيجي يستهدف إعادة تشكيل الإدراك العربي تجاه قضايا الصراع والهوية والسيادة.[1]
إن ما يبدو ظاهرياً على أنه “إعلام اعتدال” أو “خطاب واقعي” يخفي خلفه عملية هندسة ثقافية وسياسية عميقة، تهدف إلى تفكيك البنية النفسية والفكرية للمجتمعات العربية، وتحويلها تدريجياً من مجتمعات ترى في الكيان الصهيوني عدواً استعمارياً إلى مجتمعات تقبل به كشريك طبيعي في الإقليم.[2]
الإعلام من نقل الخبر إلى صناعة الإدراك
حين يُقدَّم الاحتلال باعتباره “فرصة اقتصادية”، والتطبيع بوصفه “ضرورة استراتيجية”، والمقاومة كعامل “فوضى وعدم استقرار”، فإننا لا نكون أمام اختلاف في الرأي السياسي، بل أمام عملية متكاملة لإعادة إنتاج المعنى نفسه.
هذا التحول لا يحدث بصورة فجائية، بل عبر تراكم طويل الأمد من الخطاب الإعلامي “الناعم”، الذي يعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى التكرار أكثر من المواجهة المباشرة. فإعادة تشكيل الوعي لا تتم بالقوة فقط، بل بالتطبيع النفسي التدريجي مع المفاهيم الجديدة.[4]
التمويل الضخم وصناعة الرواية الموحدة
إن الحديث عن تخصيص عشرات ملايين الدولارات لمؤسسات إعلامية إقليمية يكشف بوضوح أن المنطقة أمام مشروع استراتيجي طويل المدى، لا مجرد حملات ظرفية مرتبطة بأحداث سياسية عابرة.[5]
فالتمويل هنا لا يُستخدم فقط لشراء منصات إعلامية، بل لبناء شبكة تأثير كاملة: مراكز أبحاث، برامج تحليل، مؤثرين، استطلاعات رأي، ومنصات رقمية قادرة على توجيه المزاج الشعبي وإعادة صياغة النقاش العام.
والأخطر أن هذه الشبكات تعمل على توحيد الخطاب السياسي في عدة دول عربية ضمن سردية واحدة: تصوير الكيان الصهيوني كشريك محتمل، وتصوير أي مشروع مقاوم بوصفه تهديداً للاستقرار والتنمية.
وهكذا، يصبح الإعلام جزءاً من بنية الهيمنة السياسية، لا مجرد ناقل للأحداث.
استهداف المقاومة عبر التشويه النفسي والاجتماعي
في لبنان والعراق، تبدو المعركة أكثر تعقيداً، لأن المطلوب ليس فقط مواجهة قوى المقاومة سياسياً، بل تفكيك البيئة الاجتماعية التي تحتضنها.[6] ولهذا تُستخدم حملات إعلامية مستمرة تقوم على التشويه النفسي، والتخوين، وإثارة الانقسامات الداخلية.
يتم استبدال مفردات “المقاومة” و”التحرير” بمفردات مثل “الميليشيات” و”النفوذ الطائفي”، في محاولة لنزع الشرعية الوطنية عن أي قوة ترفض الانخراط في المشروع الأمريكي – الصهيوني.
إن أخطر ما في هذه العملية أنها لا تستهدف القيادات فقط، بل تستهدف وعي الجمهور نفسه، عبر خلق حالة من التعب النفسي والشك الدائم واليأس من إمكانية التغيير. فحين تفقد الشعوب ثقتها بنفسها، تصبح أكثر استعداداً لقبول أي تسوية مهما كانت مهينة.
سوريا الشام وإعادة تدوير الفوضى
أما في سوريا الشام، فتأخذ الحرب الإعلامية بُعداً أكثر خطورة. فبعد سنوات الحرب والتفكك، يجري العمل على إعادة تقديم جماعات مرتبطة بالتطرف كقوى “واقعية” أو “قابلة للاندماج السياسي”، بالتوازي مع حملات تشويه واسعة للمكونات الوطنية السورية.[7]
إن محاولة تلميع شخصيات خرجت من رحم جبهة النصرة لا تعكس فقط خللاً إعلامياً، بل تكشف حجم التحولات التي أصابت بنية الخطاب الإقليمي والدولي. فالمشكلة لم تعد في وجود التطرف، بل في كيفية توظيفه وإعادة تدويره بما يخدم مشاريع الهيمنة.
وفي المقابل، يجري تغييب أي مشروع وطني جامع يمكن أن يعيد بناء الدولة السورية على أساس السيادة والوحدة الوطنية. وهنا يصبح الإعلام أداة لتكريس الانقسام لا لتجاوزه.
ضمن هذه المنظومة، يتم الترويج المكثف لفكرة أن محور المقاومة يعيش حالة انهيار، وأن إيران “تخلت عن حلفائها”، وأن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة لا مكان فيها للمواجهة.[8]
الهدف من هذا الخطاب ليس نقل الوقائع، بل خلق حالة إنهاك نفسي جماعي تدفع المجتمعات إلى الاستسلام المعنوي قبل السياسي. إنها حرب تستهدف المعنويات أكثر مما تستهدف الوقائع العسكرية.
وقد أثبتت التجارب التاريخية أن القوى الاستعمارية غالباً ما تبدأ بتدمير الثقة الداخلية للشعوب قبل فرض مشاريعها السياسية عليها. فالإنسان المهزوم نفسياً يصبح أكثر قابلية للترويض والخضوع.
الاغتيال المعنوي وتحطيم الرموز
من أخطر أدوات هذه الحرب أيضاً استخدام الاغتيال المعنوي ضد شخصيات وطنية أو مقاومة، عبر فبركة ملفات مالية أو أخلاقية أو سياسية تهدف إلى تدمير صورتها أمام جمهورها.[9]
إن الهدف هنا لا يقتصر على إسقاط الأفراد، بل يتعداه إلى تحطيم فكرة “الرمزية” نفسها داخل المجتمعات، بحيث تفقد الشعوب ثقتها بأي قيادة أو نموذج مقاوم.
وحين تُدمر الثقة العامة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة وأكثر قابلية للاختراق الإعلامي والسياسي.
خاتمة: معركة الأمة الأخيرة
إن ما تواجهه المنطقة اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل محاولة شاملة لإعادة تشكيل الإنسان العربي، وإعادة تعريف هويته وذاكرته وعلاقته بقضاياه المركزية.
المعركة الحقيقية لم تعد فقط على الحدود، بل داخل العقل العربي نفسه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط مدينة أو نظام، بل سقوط الوعي وتحول الاستسلام إلى ثقافة عامة.
لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الشعوب التي تمتلك ذاكرة حية لا تُهزم بسهولة. فكل مشاريع الهيمنة، مهما امتلكت من مال وإعلام وتقنيات تأثير، تبقى عاجزة أمام أمة تستعيد وعيها بنفسها وتدرك أن معركة التحرر تبدأ أولاً من تحرير العقل من الخوف والوهم والتضليل.
إنها معركة الوجود والذاكرة والسيادة. ومن يربح معركة الوعي، يربح المستقبل.
الهوامش والمراجع
[1] نعوم تشومسكي، صناعة القبول: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام، ترجمة مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005.
[2] إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، دار الآداب، بيروت، 1997.
[3] مارشال ماكلوهان، وسائل الإعلام وفهم العالم، ترجمة حسن صقر، القاهرة، 2008.
[5] بيار بورديو، حول التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة درويش الحلوجي، 2004.
[6] عزمي بشارة، الطائفة والطائفية والطوائف المتخيلة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.
[8] مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، 1986.
[9] Herbert Schiller, Mass Communications and American Empire, Westview Press, 1992.
د. نبيلة عفيف غصن