المقاربة الجيوسياسية للتوظيف الاستعماري | د. نبيلة عفيف غصن
المقاربة الجيوسياسية للتوظيف الاستعماري: تفكيك التقاطع بين العنف المقدس، الجغرافيا السياسية، وهندسة الخرائط الغربية في الهلال الخصيب
مقدمة: لاهوت الدم وجغرافيا النفط والممر
لا يمكن لعاقل، امتلك حظاً من بصيرة أو قسطاً من قراءة واعية للتاريخ المعاصر، أن يتأمل مشهد الدمار الشامل والخراب العميم المحيط بمنطقة “الهلال الخصيب” أو “سوريا الطبيعية” (التي تضم في مداها الحيوي الاستراتيجي: العراق، الشام، وفلسطين و…) دون أن يصاب بذهول عميق ودهشة عارمة من هذه المفارقة الجيوسياسية العجيبة. فمن بين مئات ملايين المسلمين واليهود المنتشرين في قارات الأرض الست، والذين يعيش السواد الأعظم منهم في سياقات دينية، واجتماعية، وثقافية متنوعة ومتصالحة مع محيطها، لم تجد أعتى الأيديولوجيات تكفيراً وظلامية (ممثلة في تنظيم “داعش” ونموذجه الدموي) وأشدها عنصرية واستئصالاً وفاشية (ممثلة في “التوراتية الصهيونية” بنموذجها الاستيطاني الإحلالي) بيئة تنفيذية “على الأرض” ومسرحاً جغرافياً للممارسة الدموية الحرفية إلا في هذه البقعة بالذات من جسد العالم العربي [1].
إن هذه الحقيقة الصارخة والمؤلمة تسقط في الوهلة الأولى فرضية “العفوية التاريخية” أو مقولة “الجنون الديني المحض” والصدام الحضاري الذاتي، لترفع الستار بقوة وجلاء عن الحقيقة الكبرى: التوظيف السياسي والجيو-استراتيجي الممنهج من قِبل الغرب الاستعماري. إن الأيديولوجيات المتطرفة، سواء نُبشت عظامها المقبورة من دهاليز التاريخ التوراتي والقصص الأسطورية، أو استُدعيت من فتاوى التكفير والدم المنتجة في أزمنة الانحطاط، لم تكن لتملك في عصرنا الحديث دبابات، أو تكتسح حدوداً دولية مصونة، أو ترسم خرائط جغرافية بالدم القاني، لولا أنها دُرست بعناية فائقة في غرف الاستخبارات المظلمة، ورُعيت بتمويلات مشبوهة، ووُظفت كـ”مشرط جراحي” خبيث في أيدي القوى الاستعمارية الكبرى (الأنجلو-ساكسونية والأوروبية) لإعادة هندسة الشرق الأوسط، وتفتيت قواه الحيوية بما يخدم مصالحها الوجودية، ويضمن تدفق ثرواته الاقتصادية إلى شريان الرأسمالية الغربية المتوحشة [2].
من هنا، ينبثق هذا البحث ليفكك بالتحليل الجيوسياسي العميق أبعاد هذه المؤامرة المستمرة، معرياً أدواتها، وكاشفاً لاهوتها المزيف، ليرسم معالم طريق نهضوي لا يحيد عن الحقيقة، ولا يستسلم لواقع التجزئة والدمار.
أولاً: صناعة الأنساق المغلقة واستراتيجية “الإشعال المنضبط”
إن العودة الفاحصة إلى تاريخ المخابرات الاستعمارية الغربية ــ البريطانية والفرنسية في مرحلة الاستعمار التقليدي، والأمريكية والصهيونية في مرحلة الاستعمار الحديث وما بعد الحداثة ــ يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الغرب لم يخلق هذه التيارات الفكرية المتطرفة، ولا الجماعات الوظيفية المستعصية من “العدم المطلق”. فالأفكار الشاذة موجودة دائماً في هوامش التاريخ، لكن الغرب قام بما يُعرف في العلوم السياسية الحديثة بـ”الهندسة الاجتماعية والتحفيز الأيديولوجي الموجه” [3]. تقوم هذه الهندسة الخبيثة على رصد بؤر التوتر الفكري، والتقاط النتوءات المتطرفة داخل البنى الدينية، ثم توفير الدعم اللوجستي، والمظلة الإعلامية، والتمويل المالي غير المباشر لها، لتتحول من مجرد أفكار هامشية معزولة إلى تيارات جارفة قادرة على ابتلاع المجتمعات.
لقد وجد الغرب في التراث الديني نصوصاً حادة وقراءات إقصائية مجتزأة من سياقاتها التاريخية والمعرفية؛ كالتيار التيمي في أسوأ تجلياته التكفيرية، أو النبوءات التوراتية اللاهوتية القائمة على فكرة “أرض الميعاد” و”إبادة الأغيار”. وبدلاً من أن يدعم الغرب قوى التنوير والنهضة والعلمانية والحركات القومية والتقدمية التي كانت تسعى جاهدة، منذ أواخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، لبناء دول وطنية حديثة، قوية، ومستقلة في الهلال الخصيب، عمد هذا الاستعمار بكل قوته وجبروته إلى تجفيف منابع النهضة، ومحاصرة الفكر الحر، ودعم الأنساق الفكرية المغلقة والمؤسسات التقليدية الارتكاسية [4].
إن الهدف الاستراتيجي من تغذية وحوش التكفير من جهة، واليهودية الأرثوذكسية الصهيونية من جهة أخرى، هو خلق ما يمكن تسميته بـ”جزر هوياتية متقاتلة” تنفي وجود الآخر وتستأصله [5]. فالغرب يدرك، من خلال مراكز أبحاثه ومستشرقيه، أن “النقاء العقدي” الإقصائي عند تنظيم داعش، و”النقاء العرقي” العنصري عند الصهيونية التوراتية، هما مادتان كيميائيتان شديدتا الانفجار والاشتعال. ومتى ما أُطلقت رصاصة البداية، ووُفرت البيئة الحاضنة في منطقة جغرافية تتميز بالتداخل التاريخي، والتنوع الإثني والديني والمذهبي الفريد كالهلال الخصيب، فإن النتيجة الحتمية والآلية هي تفجير المجتمعات من داخلها، وتقويض تماسكها الاجتماعي، وهدم دولها الوطنية. إنها استراتيجية “الإشعال المنضبط” أو ما يُعرف في الأدبيات العسكرية والاستخباراتية بـ”الحروب بالوكالة” و”حروب الجيل الرابع والخامس”، حيث يتكفل أبناء المنطقة المضللون بتدمير أنفسهم وأوطانهم بالنيابة عن المستعمر، ودون أن تضطر الجيوش الاستعمارية الضخمة لتقديم خسائر بشرية ومادية ترهق ميزانياتها وتقلق رأيها العام الداخلي [6].
ثانياً: لماذا الهلال الخصيب (سوريا الطبيعية) بالذات؟
إن تركز هذه المجموعات التنفيذية الدموية، بتزامنها المريب وأدائها المنسق، على أرض سوريا الطبيعية والعراق تحديداً، ليس مجرد مصادفة دينية مجردة، أو نتيجة لعوامل لاهوتية غيبية، بل هو اختيار جيو-استراتيجي دقيق ناتج عن الأهمية الفائقة والخطيرة لهذه المنطقة الحيوية من العالم. ويمكن لنا تلخيص هذه الخطورة الجيوسياسية والاستعمارية في ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. قلب العروبة وحطام المشرق
تمثل منطقة سوريا الطبيعية العمق الاستراتيجي، والمركز الحضاري، والقلب النابض للعالم العربي بأسره. فعبر التاريخ، لم تقم للمنطقة قائمة، ولم تتأسس لها حضارة كبرى إلا عندما كان هذا الهلال متصلاً، قوياً، ومعافى (من دمشق إلى بغداد). إن ضرب هذا القلب، وتحويله إلى ركام وحطام، وتفكيك جسمه الجغرافي المترابط، يعني تلقائياً الحكم بالإعدام على أي مشروع نهضوي موحد يمكنه أن يهدد الهيمنة الغربية أو يمتلك إرادته السياسية والاقتصادية الحرة [7].
2. عقدة الممرات والغاز والنفط
تقع جغرافية الهلال الخصيب في أخطر وأهم برزخ للطاقة العالمي وممرات التجارة الدولية عبر التاريخ. فهي حلقة الوصل الإلزامية في “طريق الحرير” الجديد الصاعد من شرق آسيا نحو أوروبا، وتنامت أهميتها في العقود الأخيرة بعد الاكتشافات الهائلة لخطوط وثروات غاز شرق المتوسط، فضلاً عن كون العراق يمثل ثاني أكبر احتياطي نفطي في المنطقة. إن السيطرة المطلقة على هذه الجغرافيا الاستراتيجية، والتحكم في خطوط الأنابيب البرية والبحرية، يتطلب بالضرورة إبقاء هذه المنطقة في حالة سيولة أمنية دائمة، وفوضى خلاقة مستمرة، تحت رحمة “الوحوش الأيديولوجية” التي تمنع قيام سلطات مركزية قوية قادرة على فرض شروطها الوطنية في سوق الطاقة والتجارة العالمي [8].
3. الجوار الجغرافي للمشروع الصهيوني
إن بقاء الكيان الصهيوني واستمراره كقاعدة استعمارية غربية متقدمة، و”مخفر أمامي” للإمبريالية في قلب الأمة السورية والعالم العربي، يتطلب حتماً إضعاف محيطه الجغرافي، وتفتيت قواه العسكرية والبشرية. ولذلك، كان من الواجب استخباراتياً إيجاد “وحش ديني” موازٍ في التوحش ومضاد في الشعارات على الضفة الأخرى (داعش وأخواتها من جماعات الإرهاب المذهبي). هذا الوجود الموازي يحقق للغرب والكيان الصهيوني هدفين ضربا بحجر واحد:
● أولاً: تبرير وجود الكيان الصهيوني في المنظومة الدولية كـ”واحة للديمقراطية والحداثة” مزعومة وسط بحر متلاطم من الإرهاب الديني والمذهبي المتخلف.
● ثانياً: إشغال الامة وشعوب العالم العربي بمعارك جانبية، وحروب أهلية، وقتال وتكفير داخلي متبادل يمتص طاقاتهم ومقدراتهم، عوضاً عن توجيه بنادقهم وجهودهم نحو مواجهة الاستعمار الفعلي والاحتلال الصهيوني لفلسطين [9].
ثالثاً: من “سايكس بيكو” إلى “برنارد لويس”: إعادة هندسة الخرائط بالدم
إذا كانت اتفاقية “سايكس بيكو” المشؤومة عام 1916 قد رسمت حدود المشرق العربي بمقاييس هندسية استعمارية وخطوط مستقيمة لتقاسم النفوذ بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية آنذاك [10]، فإن القرن الحادي والعشرين قد شهد الانتقال الفعلي إلى مشروع أكثر خطورة وشيطانية؛ وهو مشروع “الشرق الأوسط الجديد” أو “الكبير”. هذا المشروع يقوم في بنيته النظرية والعملية على أطروحات ومخططات المستشرق الصهيوني الأمريكي الشهير “برنارد لويس”، الذي قدم للكونغرس والإدارة الأمريكية مخططاً تفصيلياً يقضي بتفتيت العالم العربي والإسلامي المقسم أصلاً، وتحويل الدول الكيانية الحالية إلى كانتونات ودويلات مجهرية طائفية، ومذهبية، وعرقية، وعشائرية تتناحر إلى الأبد [11].
وهنا تحديداً، يتجلى التوظيف الوظيفي القاتل والأداء الميكانيكي لتنظيم داعش والتيارات التكفيرية المرتبطة به في نقطتين حاسمتين:
1. تدمير الحدود الكيانية والسيادة
قامت داعش بشكل استعراضي وإعلامي ضخم بجرف السواتر الترابية والحدود الدولية بين العراق وسوريا، معلنة في إصداراتها الموجهة “كسر حدود سايكس بيكو” وإحراق جوازات السفر [12]. المفارقة التاريخية الكبرى هنا، والتي تكشف عمق التوظيف، هي أن هذا الفعل الميليشياوي لم يخدم بحال من الأحوال وحدة الأمة أو تحررها، بل خدم بالمسطرة والقلم ــ وعبر قصر نظر سياسي مريع أو عمالة مباشرة ــ مشاريع التفتيت الغربية. فإلغاء الحدود الكيانية لم يؤدِ إلى قيام دولة الخلافة الراشدة العادلة، بل أدى إلى سيولة جغرافية مكنت القوى الدولية من تحويل المنطقة إلى أشلاء وكانتونات عرقية وطائفية ممزقة (كانتونات كردية، سنية، شيعية، علوية) متنافرة تبحث كل منها عن حماية أجنبية [13].
2. شرعنة التدخل الأجنبي المباشر
كان التمدد السريع والمريب للمجموعات التكفيرية، وسيطرتها الخاطفة على مساحات شاسعة ومدن استراتيجية كالموصل والرقة، بمثابة الحجة الذهبية، والهدية الاستخباراتية الثمينة، والغطاء الدولي الأخلاقي والقانوني الذي سمح لـ”التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل العسكري المباشر. هذا التدخل أثمر عن إقامة قواعد عسكرية غير شرعية، واحتلال بري مباشر لمناطق ثروات النفط والقمح والغاز في شرق سوريا الشام وغرب العراق، ونهبها علانية، وضمان استمرار حالة التفتيت السياسي والجغرافي [14].
رابعاً: التطابق الوظيفي بين “أرض الميعاد” و”أرض التمكين”
تتجلى عبقرية التوظيف الاستعماري الخبيث، والالتقاء الموضوعي بين قوى الهدم الديني، في جعل الجماعتين التنفيذيتين (الصهيونية والتكفيرية) تعملان معاً كـ”مكبسين متوافقين لآلة ميكانيكية واحدة” تهرس عظام المشرق العربي وجغرافيته وحضارته. إن هذا التطابق ليس شكلياً بل هو تطابق بنيوي ووظيفي في منتهى الخطورة:
● فمن جهة، نجد التوراتية الصهيونية تبرر احتلالها الاستيطاني، وبناء جدارها العنصري العازل، وممارستها لعمليات التطهير العرقي، والإبادة الجماعية الممنهجة بحق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، مستندة إلى مسوغات “الحق الإلهي”، ووعد الرب، وفكرة “شعب الله المختار”، ووجوب حماية هذا “النقاء الوجودي” من محيط عربي وإسلامي بربري متوحش يجب إبادته أو تركيعه [15].
● وفي المقابل تماماً، نجد السلفية الجهادية وتيار التكفير (داعش ونموذجها) يبرر ذبحه للأبرياء، وسحله للمخالفين، وتدميره لمؤسسات الدول الوطنية ومجتمعاتها الحضارية، مستنداً إلى عقيدة “الولاء والبراء” بمفهومها الخوارجي، وضرورة تطهير “أرض التمكين” المزعومة من المرتدين، والمشركين، وأصحاب المذاهب الأخرى، وهدم الشواهد التاريخية والأثرية التي تشهد على عراقة المنطقة [16].
“آلة التفتيت الغربي للمشرق”
يتوضح لنا من خلال تحليل العلاقة الوظيفية بين القوى الاستعمارية وأدواتها على الأرض، أن هناك “مظلة عليا” محركة تدير المشهد، وينبثق عنها “مكبسان أيديولوجيان” يتحركان بالتناوب لهرس جغرافية الهلال الخصيب وتدمير بنيته الحضارية. فنلاحظ الهرم التالي:
1. رأس الهرم (المنظومة المحركة): “آلة التفتيت الجيوسياسي الغربي”
تقبع في أعلى الهرم القوى الإمبريالية الغربية (الاستعمار بشقيه التقليدي والحديث)، وهي الطرف المستفيد والمهندس الحقيقي للمشهد. هذه المنظومة لا تتحرك بجيوشها المباشرة إلا في أضيق الحدود، بل تعتمد على استراتيجية “المكبس المزدوج” لتنفيذ مخططات التجزئة وإعادة رسم الخرائط بالدم.
2. الجناح الأيمن (الأداة الاستيطانية): “الصهيونية التوراتية”
● المبرر الأيديولوجي: تستند في تحركها إلى لاهوت سياسي عنصري يقوم على خرافة “شعب الله المختار” والحق الإلهي المزعوم في الأرض.
● الآلية التنفيذية: تترجم هذا الفكر ميدانياً عبر ممارسات مادية وحشية تشمل: التطهير العرقي، الاستيطان الإحلالي، بناء الجدران العازلة، وإبادة السكان الأصليين لإفراغ الجغرافيا.
3. الجناح الأيسر (الأداة الظلامية): “الداعشية التكفيرية”
● المبرر الأيديولوجي: تستند في تحركها إلى لاهوت تكفيري منغلق يقوم على احتكار الحقيقة، وتكفير المجتمع، والاعتماد على أدبيات “إدارة التوحش” للوصول إلى ما تصفه بـ “أرض التمكين” أو “الفرقة الناجية”.
● الآلية التنفيذية: تترجم هذا الفكر ميدانياً عبر تفجير المجتمعات من الداخل، ذبح المخالفين، تدمير الدول الوطنية، وجرف الحدود التاريخية.
4. نقطة الالتقاء والنتيجة الحتمية (المصب المشترك)
يلتقي هذان المساران (الصهيوني والداعشي) ــ رغم العداء الظاهري بينهما ــ في نقطة نهائية واحدة تصب مباشرة في مصلحة “المنظومة المحركة” العليا. هذه النتيجة تتلخص في:
● إفراغ الأرض من نسيجها البشري والتاريخي المتنوع.
● تدمير الهوية الحضارية الجامعة والمشتركة لشعوب المنطقة.
● تثبيت حدود الهيمنة والسيطرة الاستعمارية الغربية، وإبقاء المشرق العربي في حالة سيولة وفوضى دائمة تمنع قيام أي مشروع نهضوي.
خلاصة القول، إن “المقدس المزيف” (سواء كان وعداً توراتياً صهيونياً أو خلافة تدميرية داعشية) ليس سوى “مشرط جراحي” وظيفي، يُحركه المستعمر الغربي لسرقة وتقسيم “الأرض الحقيقية” وثرواتها.
إن كلا الخطابين، رغم عدائهما الظاهري واقتتالهما اللفظي، ينفذان ذات الأجندة الغربية الإمبراطورية بدقة متناهية تفوق الخيال: إنهما يعملان معاً على إفراغ الأرض من سكانها الأصليين عبر التهجير والقتل، وتدمير الهوية الحضارية والثقافية المشتركة، وتحويل منطقة “سوريا الطبيعية” والهلال الخصيب ــ التي كانت على مر العصور مهداً للشرائع السماوية، ومنبعاً للحضارات الإنسانية العظمى، ونموذجاً فريداً للتآخي والتعايش التاريخي بين مختلف الطوائف والأديان ــ إلى مجرد “مختبر بشري مفتوح” ومسلخ دولي لصناعة الموت، وبث الخراب، وتثبيت حدود السيطرة والنهب الغربي لقادم العقود [17].
خاتمة: الوعي بالجغرافيا وتحرير الأيديولوجيا
إن هذا الربط التحليلي بين البنية الفكرية العنيفة المتطرفة وبين آليات التوظيف السياسي والجيوسياسي الغربي لا يهدف إلى البكاء على الأطلال أو الاستسلام للقدر الاستعماري، بل يمنحنا ــ ونحن نقف على جمر هذه المرحلة التاريخية العصيبة ــ المفتاح الذهبي للوعي النهضوي الحقيقي. إن الإرهاب التكفيري الظلامي والعنصرية الصهيونية الفاشية ليسا مجرد انحرافات دينية سيكولوجية أو معزولة، بل هما أدوات جيوسياسية وظيفية وُجدت خصيصاً لخدمة الإمبراطورية الاستعمارية الغربية الرأسمالية. إن الغرب الذي يتبجح ليل نهار في منابره الدولية بقيم الديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، هو نفسه الغرب المتوحش الذي غض الطرف، وتواطأ استخباراتياً، وسهّل بكل الوسائل تدفق السلاح، والأموال، وعشرات آلاف المقاتلين المتطرفين عبر الحدود لتمزيق النسيج الاجتماعي والحضاري للهلال الخصيب [18].
إن الصرخة النهضوية التي نريد اطلاقها في وعي أمتنا وشبابنا هي: إننا لن نتمكن أبداً من تحرير الجغرافيا وتطهير الأرض من المستعمر الأجنبي، ما لم نقم أولاً وخلال المعركة بتحرير العقول من الخرافة، والأوهام، والأنساق الإقصائية المتخلفة. إن حماية سوريا الطبيعية، والعالم العربي بأسره من الخرائط الدموية الاستعمارية الجديدة (خرائط برنارد لويس وجيلها الجديد) تتطلب وبشكل عاجل صياغة وتدشين مشروع حضاري علمي جامع؛ مشروع يؤمن بالمواطنة الحرة الكلمة، ويتجاوز خنادق الطوائف والمذاهب الضيقة، ويرى في التنوع الديني، والعرقي، والمذهبي في شرقنا العظيم مصدر ثراء وقوة حضارية لا ساحة حرب واقتتال [19].
إن وعي شعوبنا بحقيقة أن “المقدس المزيف” واللاهوت المصنوع في أقبية المخابرات يُوظفان لسرقة “الأرض الحقيقية” ونهب خيراتها، هو الخطوة الأولى والأساسية في مسيرة الانعتاق والتحرر. إن هذا الوعي هو بداية الطوفان المعرفي، والنهوض الثوري العارم الذي سيجرف الخرائط الاستعمارية، ويدوس أدواتها التكفيرية والصهيونية ليلقي بها في مزبلة التاريخ، ليعود الهلال الخصيب كما كان دائماً، حراً، عزيزاً، ومنبعاً متجدداً للنور، والكرامة، والنهوض الإنساني الحر المتجدد.
📌 اقرأ أيضًأ: ثورة الوعي: تفكيك هندسة الوهم ومخططات الساحل الإبراهيمي في شرق المتوسط
https://googleads.g.doubleclick.net/pagead/ads?gdpr=0&client=ca-pub-1409636718957355&output=html&h=384&slotname=6588144012&adk=524817796&adf=1320742315&pi=t.ma~as.6588144012&w=384&lmt=1779927182&rafmt=1&format=384×384&url=https%3A%2F%2Fwww.profilenews.com%2Far%2F%25d8%25aa%25d9%2581%25d9%2583%25d9%258a%25d9%2583-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2587%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2584-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d8%25b5%25d9%258a%25d8%25a8%2F&host=ca-host-pub-2644536267352236&fwr=1&fwrattr=true&rpe=1&resp_fmts=3&sfro=1&asro=0&aiactd=0&aicctd=0&ailctd=0&aimartd=4&aieuf=1&aicrs=1&uach=WyJBbmRyb2lkIiwiIiwiIiwiIiwiIixudWxsLDEsbnVsbCwiIixudWxsLDBd&abgtt=6&dt=1779927168700&bpp=4&bdt=1485&idt=211&shv=r20260521&mjsv=m202605210101&ptt=9&saldr=aa&abxe=1&cookie=ID%3D862d2522aa428494%3AT%3D1779109015%3ART%3D1779927168%3AS%3DALNI_MbtjT1fhHaoWsXhnnjM3CgCAwUCDQ&gpic=UID%3D000013e07d677b8b%3AT%3D1779109015%3ART%3D1779927168%3AS%3DALNI_MZWMTKr0E___L2BYj3fvTJEJ8a1kg&eo_id_str=ID%3De3774aa6635b18b4%3AT%3D1779109015%3ART%3D1779927168%3AS%3DAA-Afja_UYmidEe5WMCPO5mJqYi3&prev_fmts=0x0%2C384x384%2C384x384&nras=1&correlator=949236165994&frm=20&pv=1&u_tz=180&u_his=1&u_h=832&u_w=384&u_ah=832&u_aw=384&u_cd=24&u_sd=2.813&dmc=8&adx=0&ady=16371&biw=384&bih=700&scr_x=0&scr_y=11584&eid=31098652%2C95390668%2C95391807&oid=2&psts=AOrYGskwj8PBWI68Eie3ziffG6o9CEGqKsTq82Sv9K6rk3S0aBz_t3wVzyDEu1u8vztplWAQlnr5LyJS8kPFrSpWzYTZR6zfX185BgSkHMrvj2sT&pvsid=7051973958642506&tmod=625819052&uas=1&nvt=1&fc=1920&brdim=0%2C0%2C0%2C0%2C384%2C0%2C384%2C701%2C384%2C700&vis=1&rsz=%7C%7CoeEbr%7C&abl=CS&pfx=0&fu=128&bc=31&bz=1&bisch=1&blev=0.14&ifi=4&uci=a!4&btvi=1&fsb=1&dtd=13785
لائحة الهوامش والمراجع التفصيلية
● [1] إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة: كمال أبو ديب، ط 7 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 2005)، ص 210-215. (تفكيك آليات النظر الاستعماري وتوظيف البنى التقليدية للسيطرة على الشرق).
● [2] جومسكي، نوام، طموحات إمبريالية: حوارات في عالم ما بعد 11 سبتمبر، ترجمة: سامي الكعكي، (بيروت: دار الكتاب العربي، 2006)، ص 78-82. (دراسة تفصيلية حول كيف توظف الولايات المتحدة الأمريكية الذرائع الدينية والفوضى لنشر هيمنتها).
● [3] برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طبعة جديدة 2012)، ص 145-149. (تحليل علمي لكيفية تسييس الطوائف وصناعة الأنساق الهوياتية المغلقة عبر قوى الاستعمار).
● [4] مصطفى اللباد، حدائق الأحزان: إيران وتركيا وأمريكا ومعركة السيطرة على الشرق الأوسط، (القاهرة: دار الشروق، 2007)، ص 92-95. (استعراض الصراع الجيوسياسي وتجفيف منابع الحركات الوطنية الحديثة في المشرق العربي).
● [5] أنطون سعادة، نشوء الأمم: دراسة علمية في المجتمع السوري وبنيته، (بيروت: دار الفكر، طبعة معتمدة)، ص 188-192. (في تحليل جغرافية سوريا الطبيعية، والبيئة الاجتماعية المتكاملة وأهميتها الحيوية في مواجهة التجزئة).
● [6] حسن أبو هنية، الجهادية العالمية: السلفية المسلحة والاستراتيجيات الغربية، (عمان: دار وائل للنشر، 2012)، ص 167-172. (تتبع تفصيلي لاستراتيجيات حروب الجيل الرابع وحرب الوكالة عبر الجماعات الجهادية والتكفيرية).
● [7] منير العكش، أمريكا والإبادات الثقافية: حق التضحية بالآخر، (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر, 2009)، ص 104-108. (دراسة البعد الأيديولوجي والفكري الذي يربط بين عقلية الاستيطان الصهيوني والبروتستانتية الاستعمارية وتدمير المركز الحضاري العربي).
● [8] وجيه قانصو، لاهوت العنف والاستراتيجيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2019)، ص 112-116. (ربط جغرافيا الطاقة والممرات الدولية بصناعة التوحش الأيديولوجي لإدامة السيولة الأمنية).
● [9] عزمي بشارة، تنظيم الدولة تمدداً وانحساراً: السياق، الأيديولوجيا، السياسة، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 310-315. (رصد دقيق للسياقات السياسية التي خدمت الكيان الصهيوني من خلال انشغال المحيط بحروب التكفير الذاتي).
● [10] سامي كليب، الرسائل المستورة: من سايكس بيكو إلى الربيع العربي، (بيروت: دار الفارابي، 2016)، ص 241-246. (مقارنة تاريخية وثائقية بين خرائط التقسيم الكلاسيكي ومشاريع التفتيت الحالية).
● [11] برنارد لويس، أين الخطأ؟: التأثير الغربي واستجابة المسلمين، ترجمة: محمد عناني، (القاهرة: دار سطور، 2003)، ص 55-60؛ وانظر أيضاً وثيقة “مشروع لويس لتفتيت الشرق الأوسط” المنشورة في مجلة وزارة الدفاع الأمريكية (Parameters) عام 1992.
● [12] تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فيلم وثائقي رسمي بعنوان: نهاية سايكس بيكو، (مؤسسة الاعتصام للإنتاج الإعلامي، يونيو 2014). (المادة البصرية المعتمدة التي توضح قيام التنظيم وظيفياً بإلغاء الحدود الوطنية لخدمة كانتونات التفتيت).
● [13] حسن أبو هنية، الجهادية العالمية، مرجع سابق، ص 175-180. (تحليل أثر إزالة الحدود الوطنية جغرافياً على زيادة الاستقطاب الطائفي والإثني وتحويلها إلى كانتونات متناحرة).
● [14] سامي كليب، الرسائل المستورة، مرجع سابق، ص 250-255. (توثيق إقامة القواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في شرق سوريا والعراق بذريعة محاربة الإرهاب ونهب حقول النفط والغاز).
● [15] إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة: أحمد خليفة، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007)، ص 34-39. (كشف الممارسات الإحلالية الصهيونية القائمة على لاهوت الدم والوعود التوراتية لتصفية الوجود الفلسطيني).
● [16] أبو بكر ناجي، إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة، (مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، طبعة إلكترونية، د.ت)، ص 56-59. (الوثيقة الفكرية الأخطر لتنظيمات التكفير التي تؤصل لتدمير المجتمعات والدول الوطنية لإقامة “أرض التمكين”).
● [17] وجيه قانصو، لاهوت العنف والاستراتيجيات الجيوسياسية، مرجع سابق، ص 120-125. (شرح التطابق الوظيفي والميكانيكي بين تصفية الهوية المشتركة وتفريغ الأرض وتثبيت حدود السيطرة الغربية).
● [18] ديفيد هيرست، بندقية وغصن زيتون: جذور العنف في الشرق الأوسط، ترجمة: ممدوح عدوان، (دمشق: دار ممدوح عدوان للنشر، 2008)، ص 402-407. (تبيان التواطؤ الغربي المزدوج في دعم الاستبداد، وإغراق المنطقة بالسلاح، وصناعة بؤر الإرهاب خدمة للكيان الصهيوني).
● [19] أنطون سعادة، نشوء الأمم، مرجع سابق، ص 201-205. (رؤية نهضوية مبكرة حول كيفية صياغة الوعي القومي والاجتماعي العابر للطوائف لحماية المشرق العربي من مشاريع التفتيت والاندثار).
