ليست القضية هنا مجرّد بيان إداري عابر مليء بالأخطاء اللغوية والإملائية، بل فضيحة تربوية كاملة تختصر حال الانهيار الذي أصاب مؤسسات يفترض أنها تصنع الوعي وتصوغ عقل الأجيال.
حين يصبح الكتاب الرسمي الصادر عن جهة تربوية، “وزارة التربية”، مليئاً بالركاكة والتناقضات والأخطاء النحوية والإملائية، فإننا لا نقف أمام “هفوة”، بل أمام صورة مصغّرة عن كارثة أعمق: انهيار المعايير، وسقوط الكفاءة، وتحول الإدارة العامة إلى مساحة للفوضى والارتجال.

الصادم في الوثيقة ليس فقط مضمونها، بل كونها صادرة عن مؤسسة مسؤولة عن التعليم، أي عن الجهة التي يُفترض أنها تحاسب الطالب على فاصلة، وتخصم علامات على خطأ إملائي، وتلقّن الأطفال قواعد اللغة والانضباط المعرفي. فكيف يمكن لمعلمٍ أو إداريٍّ يعجز عن صياغة بيان سليم أن يزرع في التلاميذ احترام اللغة والدقة والمنهج؟

إن اللغة ليست تفصيلاً شكلياً. اللغة هي مرآة العقل. وحين تتشوه اللغة في المؤسسات الرسمية، فهذا يعني أن التفكير نفسه أصبح مشوهاً، وأن الدولة تتحول تدريجياً إلى جهاز بيروقراطي عاجز حتى عن التعبير عن نفسه بشكل صحيح.

البيان المتداول يكشف أيضاً أزمة أخطر من الأخطاء اللغوية: أزمة الاستخفاف بالعقول. فالنص يبدو وكأنه كُتب على عجل، بلا مراجعة ولا تدقيق ولا حتى احترام لهيبة المؤسسة. وكأن الرسالة الضمنية تقول للمجتمع: “لم يعد يهم”. وهذه هي الكارثة الحقيقية. لأن الأمم لا تنهار فقط بالقصف والحروب، بل تنهار أيضاً حين تفقد مؤسساتها الحد الأدنى من الجدية والكفاءة.

إن التعليم ليس قطاعاً عادياً. إنه خط الدفاع الأخير عن بقاء المجتمع متماسكاً. وعندما يتراجع مستوى المعلمين والإداريين، تتحول المدرسة من مصنع للمعرفة إلى مصنع للفوضى والجهل وإعادة إنتاج الانحطاط. فالأطفال الذين يتلقون العلم من بيئة مرتبكة لغوياً وفكرياً، سينشؤون على اعتبار الخطأ أمراً طبيعياً، والركاكة معياراً مقبولاً، والانحدار قدراً يومياً.

وما يزيد المشهد مأساوية أن هذه الأخطاء لم تعد حالات فردية، بل أصبحت ظاهرة عامة في كثير من المراسلات الرسمية والمنشورات الإدارية والخطابات الإعلامية. وهذا مؤشر على انهيار ثقافة الإتقان نفسها. لقد أصبح المهم هو “إصدار الورقة”، لا جودة مضمونها. “إنجاز المعاملة”، لا سلامتها. وهنا تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل.

إن الأمة التي تريد النهوض لا تبدأ بالصواريخ فقط، بل تبدأ من المدرسة، من الكلمة، من الكتاب، من احترام اللغة باعتبارها وعاء الهوية والوعي والحضارة. فالمعركة على اللغة ليست معركة نحو وصرف فقط، بل معركة سيادة ثقافية وعقلية. الأمة التي تفقد لغتها الدقيقة تفقد قدرتها على التفكير الدقيق، والأمة التي تستهين بالتعليم تفتح أبواب مستقبلها للفوضى والانهيار.

أما الأخطاء الواردة في النص، فهي كثيرة ومتنوعة بين الإملاء والصياغة والنحو، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

“الملتزمين” والأصح: الملتزمون

“وبناء دعوته” والأصح: وبناءً على دعوته أو منذ دعوته بحسب المعنى

“يرجى الاطلاع والتوجيه” صياغة ركيكة في هذا السياق الإداري

اضطراب واضح في علامات الترقيم

وجود جمل غير مترابطة نحويّاً

ضعف في الصياغة الإدارية الرسمية

أخطاء في الهمزات والتنوين

غياب الدقة في تركيب الجمل

لكن جوهر المشكلة ليس في هذه الأخطاء وحدها، بل في العقلية التي سمحت بمرور كتاب كهذا دون مراجعة، ثم توقيعه وختمه وإرساله وكأنه وثيقة طبيعية.

إن النهضة تبدأ حين يصبح احترام الكلمة جزءاً من احترام الوطن. وحين تدرك المؤسسات أن المعلم ليس موظفاً عادياً، بل حامل رسالة حضارية. أما استمرار هذا الانحدار، فلن ينتج سوى أجيال تتقن استهلاك الخراب بدل صناعة المستقبل.
د. نبيلة عفيف غصن