يشهد شرق سوريا، وتحديداً محافظة دير الزور، واحدة من أخطر مراحل التحول الأمني والسياسي منذ سنوات الحرب الأولى. فما يجري هناك لم يعد مجرد حوادث اغتيال متناثرة أو اشتباكات موضعية يمكن احتواؤها ضمن توصيفات أمنية تقليدية، بل بات يعكس انهياراً تدريجياً في مفهوم السيطرة ذاته، وتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصارع المشاريع الإقليمية والشبكات العقائدية والاقتصادات السوداء التي تنمو فوق أنقاض الدولة والمجتمع.
إن اغتيال أحد قادة “الأجهزة الأمنية” في بلدة “محكان” على يد مسلحين مجهولين ليس حدثاً عابراً يمكن المرور عليه بخبر مقتضب أو بيان رسمي مقتضب، بل هو مؤشر بالغ الخطورة على عمق التصدع الذي يضرب البنية الأمنية في شرق سوريا. فحين تصبح الأجهزة الأمنية نفسها هدفاً للاختراق والتصفية، وحين يتحول رجل الأمن إلى ضحية داخل البيئة التي يُفترض أنه يسيطر عليها، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة أفراد أو مجموعات، بل أزمة بنية كاملة تتآكل من الداخل.
تفكيك المشهد: ما وراء الاغتيال
تأتي هذه العملية لتكشف بصورة فاضحة حجم التآكل الذي أصاب منظومة الضبط الأمني في المناطق الخارجة عن السيطرة المركزية الصارمة. فالغضب الذي انعكس في الإعلام المحلي، والارتباك الواضح في الخطاب الرسمي، يعكسان حقيقة أكثر عمقاً: السلطة القائمة عاجزة عن فرض الاستقرار الحقيقي، وعاجزة عن إنتاج بيئة أمنية مستقرة قادرة على احتواء التناقضات والانقسامات المتفجرة داخل المنطقة.
إن أزمة “الشرعية الأمنية” باتت من أخطر الأزمات التي تواجه شرق سوريا اليوم. فالأمن لا يُقاس فقط بعدد الحواجز والعناصر المسلحة، بل بقدرة الدولة على فرض هيبة قانونية وسياسية يشعر المواطن في ظلها أن حياته ومصالحه محمية. لكن ما يحدث في دير الزور يسير بالاتجاه المعاكس تماماً؛ إذ تتوسع مناطق الفراغ الأمني، وتتقدم قوى “الظل” لملء هذا الفراغ، سواء عبر شبكات التهريب، أو المجموعات العقائدية المتشددة، أو التشكيلات المحلية المرتبطة بأجندات خارجية.
وحين تعجز السلطة عن حماية كوادرها الأمنية نفسها، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع المحلي تكون مدمرة: الدولة لم تعد قادرة على ضمان الأمن، وبالتالي فإن البحث عن بدائل عشائرية أو فصائلية أو حتى خارجية يصبح خياراً “واقعياً” بالنسبة لكثيرين. وهنا تبدأ أخطر مراحل تآكل السيادة الوطنية، حين يتحول الأمن من وظيفة سيادية للدولة إلى سلعة تتقاسمها جماعات النفوذ.
معضلة الولاءات المزدوجة
إن واحدة من أخطر الثغرات التي كشفتها التطورات الأخيرة تتمثل في مسألة “الولاءات المزدوجة”. فالإشارة إلى إطلاق سراح عناصر كانوا محتجزين لدى القوات الكردية، ثم إعادتهم إلى النسيج الميداني والاجتماعي، ليست تفصيلاً هامشياً، بل قنبلة موقوتة زرعت في قلب المشهد الأمني.
لقد أدى منطق “التسويات” و”المصالحات” خلال السنوات الماضية إلى إدماج عناصر تحمل توجهات راديكالية أو انتماءات متطرفة داخل الهياكل الأمنية ذاتها، تحت ذرائع احتواء التوتر أو إعادة الدمج المجتمعي. لكن النتيجة الفعلية كانت خلق أجهزة أمنية مخترقة من الداخل، تتصارع داخلها الولاءات العقائدية والعشائرية والفصائلية مع الولاء الوظيفي للدولة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين يصبح العنصر الأمني مرتبطاً بأيديولوجيا عابرة للحدود أكثر من ارتباطه بالهوية الوطنية، تتحول المؤسسة الأمنية نفسها إلى ساحة صراع داخلي، لا إلى أداة لحماية المجتمع. وهذا ما يفسر كيف يمكن لعمليات الاغتيال أن تنفذ بهذه الجرأة والدقة داخل بيئات يفترض أنها خاضعة لرقابة أمنية مكثفة.
صراع المسارات والانقسام داخل البنية المتشددة
في موازاة ذلك، يبرز صراع آخر لا يقل خطورة، يتمثل في التناقض بين المسارات البراغماتية والتيارات العقائدية الأكثر تشدداً. فمع سعي شخصيات قيادية مثل “الجولاني” إلى تقديم خطاب أقل راديكالية كتكتيك سياسي يهدف إلى البقاء وإعادة التموضع، تواجه القيادات الميدانية المرتبطة بهذا النهج خطراً وجودياً متصاعداً.
إن استهداف هذه الشخصيات لا يمكن فهمه فقط ضمن إطار المنافسة الأمنية التقليدية، بل باعتباره رسالة واضحة من التيارات الأكثر تطرفاً، مفادها أن أي محاولة للخروج عن الخط “الجهادي” الصارم ستُواجه بالتصفية والإقصاء. وهذا يعني أن المنطقة ليست فقط ساحة صراع بين الدولة وخصومها، بل أيضاً ساحة حرب داخلية بين مشاريع متشددة متنافسة على تعريف “الشرعية” واحتكار القوة.
هذه الدينامية تجعل دير الزور منطقة شديدة الانفجار، لأن أي تغير في موازين القوى الداخلية يمكن أن يفجر موجات جديدة من التصفيات وإعادة الاصطفاف، بما يعمق حالة الفوضى ويمنع تشكل أي استقرار حقيقي.
دير الزور كساحة جيوسياسية مفتوحة
إن ما يجري في دير الزور لا يمكن عزله عن التجاذبات الإقليمية والدولية الأوسع. فالمحافظة ليست مجرد رقعة جغرافية هامشية، بل تمثل عمقاً استراتيجياً بالغ الأهمية، سواء من حيث الثروات النفطية والزراعية، أو من حيث موقعها الجغرافي الرابط بين العراق وسوريا الشام.
لهذا السبب، تحولت المحافظة إلى مختبر دائم لإدارة “الفوضى المنظمة”. فالقوى المتصارعة لا تسعى بالضرورة إلى الحسم الكامل، بل إلى إبقاء المنطقة في حالة هشاشة دائمة تمنع ظهور قوة وطنية مستقلة قادرة على فرض سيادتها على الأرض والموارد.
إن استمرار الاغتيالات يخدم استراتيجية بعيدة المدى تقوم على منع الاستقرار وتحويل الشرق السوري إلى منطقة استنزاف دائم. فحين تبقى الفوضى قائمة، يصبح التحكم بالموارد أسهل، وتصبح المجتمعات المحلية أكثر قابلية للابتزاز السياسي والأمني.
كما أن هذه العمليات تؤدي إلى تفتيت الولاءات داخل المجتمع نفسه، إذ يُدفع الأفراد والكوادر الأمنية إلى الاختيار القسري بين الانخراط الكامل في الأجندات المتشددة، أو مواجهة خطر التصفية والعزل. وهكذا تتحول المنطقة تدريجياً إلى فسيفساء من الشبكات المتصارعة التي لا يجمعها مشروع وطني جامع.
من الاستنزاف إلى الهيكلة القسرية
إن الاغتيالات المتكررة ليست مجرد أفعال انتقامية معزولة، بل هي جزء من عملية “هيكلة قسرية” للمشهد الأمني. فالهدف لا يقتصر على قتل شخصيات محددة، بل على إعادة تشكيل البيئة الأمنية بالكامل عبر الرعب والفرز القسري للولاءات.
ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى إقصاء العناصر البراغماتية أو المترددة، وصعود شخصيات أكثر تطرفاً وتشددًا، ما يجعل الأجهزة الأمنية نفسها واجهات لشبكات نفوذ متقاطعة مع أيديولوجيات متشددة.
وفي المقابل، يتآكل مفهوم “مركزية القرار”. فحين تعجز الدولة عن حماية ضباطها وعن فرض الأمن القاعدي، تتحول من لاعب رئيسي إلى مجرد طرف بين أطراف متعددة تتقاسم النفوذ على الأرض. وهذا يفتح الباب أمام العشائر والفصائل والقوى الخارجية لملء الفراغ، بما يكرس واقع “خصخصة الأمن” وتحويله إلى سلطة موزعة بين الجماعات المسلحة.
الفوضى المدارة كسلاح سياسي
قد لا يكون الهدف المباشر لهذه العمليات إسقاط السلطة أو السيطرة العسكرية الكاملة، بل إدامة الهشاشة بوصفها خياراً استراتيجياً. فشرق سوريا بالنسبة لكثير من القوى الدولية والإقليمية ليس سوى منطقة عازلة ومخزون موارد ينبغي إبقاؤه تحت السيطرة غير المباشرة.
ومن هنا، تصبح “الفوضى المدارة” أداة سياسية بامتياز: فوضى تمنع الاستقرار لكنها لا تصل إلى حد الانهيار الكامل، وتستنزف الجميع دون أن تسمح لأي طرف بتحقيق انتصار حاسم. إنها معادلة تقوم على إبقاء الجرح مفتوحاً، لأن شفاءه يعني ولادة قوة وطنية مستقلة قادرة على استعادة قرارها السيادي.
إن ما تشهده دير الزور اليوم ليس قدراً محتوماً، ولا تعبيراً عن طبيعة المجتمع السوري أو هوية أبناء المنطقة، بل نتيجة مباشرة لعقود من التفكيك والحروب والتدخلات الخارجية التي حوّلت الأرض السورية إلى ساحة تصفية حسابات ومختبراً للفوضى العابرة للحدود. غير أن أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو القبول بالرواية التي تحاول اختزال سوريا الشام بين سلطات متآكلة من جهة، وتنظيمات متشددة مرتبطة بأجندات خارجية من جهة أخرى.
فالشعب السوري الحقيقي، بجذوره الوطنية العميقة، لا تمثله تنظيمات خرجت من رحم القاعدة، ولا مشاريع صنعتها غرف الاستخبارات الإقليمية والدولية، مهما حاولت تغيير خطابها أو إعادة تسويق نفسها بواجهات سياسية جديدة. إن الجولاني ومنظومته، مهما ارتدوا من أقنعة “البراغماتية” أو “الاعتدال”، يبقون جزءاً من مشروع وظيفي ارتبط عضوياً بالأجندات التركية والأميركية التي استفادت من تفكيك سوريا الشام وإغراقها في صراعات الاستنزاف.
لكن في المقابل، لا تزال في سوريا الشام قوى حية كامنة داخل المجتمع، داخل العشائر، والطبقات الشعبية، والنخب الوطنية، والبيئات التي دفعت أثمان الحرب والخراب، ترفض أن تتحول البلاد إلى إمارات أمنية أو كانتونات مرتبطة بالخارج. هذه القوى، رغم محاولات التهميش والإرهاب والإفقار، تمثل الرصيد الحقيقي لأي مشروع نهضوي وطني قادر على إعادة بناء الدولة على أساس السيادة والعدالة والانتماء القومي الجامع.
دير الزور اليوم ليست مجرد محافظة منكوبة؛ إنها مرآة لمصير سوريا الشام بأكملها. وإذا لم يُكسر منطق الاستنزاف والتفكيك، فإن الخطر لن يبقى محصوراً في الشرق، بل سيمتد ليهدد ما تبقى من مفهوم الدولة والسيادة في كامل الجغرافيا السورية.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة أمنية ضد الاغتيالات والفوضى، بل معركة وعي وهوية ومصير. فإما أن تستعيد سوريا الشام قرارها الوطني المستقل، وتنهض بإرادة شعبها بعيداً عن الوصايات الأجنبية والتنظيمات العقائدية المتطرفة، وإما أن تبقى رهينة مشاريع التفتيت التي لا ترى في هذه الأرض سوى ساحة نفوذ وممر مصالح.
ورغم كل الدمار، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب الحية لا تموت، وأن الأمم التي تمتلك جذوراً حضارية عميقة قادرة دائماً على النهوض من تحت الركام. وما يحتاجه السوريون اليوم ليس مزيداً من أمراء الحرب أو الوكلاء المرتبطين بالخارج، بل مشروعاً وطنياً تحررياً يعيد الاعتبار للإنسان السوري، ويستعيد السيادة على الأرض والثروة والقرار، ويضع حداً لعصر الفوضى المفروضة بقوة السلاح والارتهان.
د. نبيلة عفيف غصن
