نبعث بتهنئتنا القلبية إلى أشقائنا وأحبائنا وإخوتنا وشركائنا في الانتماء الإنساني والوطني بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك.
نهنئكم من الأعماق ونتمنى لكم أعيادًا مجيدة، ملؤها الخير والبركة والنعمة.
نعيش في أوقات عصيبة وفي ظروف مأساوية، حيث إن أهلنا في غزة يعيشون الفقد والألم والحزن في كافة تفاصيل حياتهم، وهم محرومون من الاحتفال بالعيد، كما أنهم محرومون من أبسط مقومات الحياة التي يحتاجها كل إنسان.
المسيحيون في هذه الأرض وفي هذا المشرق يهنئون إخوتهم المسلمين بهذا العيد، مؤكدين معًا وسويًا أننا يجب أن نكون عائلة واحدة وأسرة واحدة، نابذين ورافضين أي خطاب هدفه إثارة الفتن وتقسيم المجتمعات ونشر الكراهية والعنصرية هنا وهناك.
في هذا الزمن انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يبدو أن هدف بعضها الأساسي هو بث سموم الكراهية والعنصرية تجاه الإنسان وأخيه الإنسان، فتارة نسمع من يحرضون ومن يسيئون للرموز الدينية، وتارة أخرى نسمع من يستهزئون ويهينون رموزًا دينية لها مكانتها السامية.
المسيحي ليس مسيحيًا بقدر ما يعادي غيره، فالمسيحية تعلمنا المحبة والرحمة، كما أن المسلم ليس مسلمًا بقدر تشكيكه بالآخرين ودياناتهم.
ليس مطلوبًا من المسلم أن يتخلى عن إيمانه، وليس مطلوبًا من المسيحي أن يتخلى عن عقيدته، ولكننا يجب أن نعرف جميعًا، مسيحيين ومسلمين، بأن الله محبة ورحمة وإنسانية، وإذا ما غابت هذه القيم فإننا نكون بعيدين عن الدين ورسالته وقيمه.
نحن في زمن يُراد فيه لنا جميعًا، مسيحيين ومسلمين، أن نكون متباعدين عن بعضنا البعض، وهنالك من يسعون لبناء أسوار وحواجز تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان.
نحن في زمن تُستعمل فيه وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تفكيك المجتمعات وإبعاد الإنسان عن أخيه الإنسان، ونشر سموم الكراهية والعنصرية البغيضة في مجتمع هو بأمس الحاجة إلى الوحدة والتضامن والتلاقي، وخاصة في هذه الأوقات العصيبة.
ليس مطلوبًا منا أن نتغنى بالوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية فحسب، بل من واجبنا أن نحافظ على هذه الوحدة المستهدفة اليوم أكثر من أي وقت مضى، من قبل تيارات وأشخاص وجهات نعرف من يغذيهم ومن يوجههم، ونعرف أيضًا من هو المستفيد من أجنداتهم المشبوهة.
نعايد إخوتنا المسلمين بمناسبة عيد الأضحى، وننادي أبناء شعبنا وأبناء أمتنا في هذا المشرق بضرورة تكريس ثقافة فيها الوعي والحكمة والقدرة على التمييز ما بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.
فليس كل من اعتلى منبرًا وادعى التبشير بالأديان هو كذلك، فهناك مبشرون كذبة ووعاظ دجالون يستغلون الدين لأغراض لا علاقة لها بالدين لا من قريب ولا من بعيد.
وكمسيحي فلسطيني أقول بأنني أفتخر بمسيحيتي التي انطلقت رسالتها من هذه الأرض، وبعد أيام سنحتفي بعيد العنصرة، وهو عيد ميلاد الكنيسة، والكنيسة بالنسبة إلينا لم تكن في يوم من الأيام سورًا يفصلنا عن أخينا الإنسان، حتى وإن اختلف عنا في معتقده أو دينه أو خلفيته الثقافية.
لقد قلنا في وقت من الأوقات بأن المسيحية والإسلام هما جناحا العروبة، ونشدد على هذا القول اليوم في زمن التشرذم، وفي زمن يسعى فيه البعض لتدمير الوحدة والأخوة والتلاقي القائم بين مجتمعاتنا وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
التدين شيء، والطائفية والعنصرية شيء آخر، فنحن مع التدين، ولكننا نرفض أن يكون الدين ثوبًا وطلاءً خارجيًا لحجب ثقافة عنصرية مقيتة، مرفوضة من قبلنا جملة وتفصيلًا.
فإذا ما كان الاحتلال يبني أسوار الفصل العنصري ويضع الحواجز التي تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، فما هو مطلوب من المسيحيين والمسلمين في هذه الأرض المقدسة وفي هذا المشرق هو أن ينسفوا أسوار الكراهية وحواجز العنصرية، وأن يعملوا على بناء جسور الأخوة والمحبة والوحدة والسلام.
أعيادنا هي محطات روحية تذكرنا بإنسانيتنا، وتذكرنا بأن الله محبة، وعندما نفقد المحبة في حياتنا نفقد إنسانيتنا.
المسيحيون والمسلمون في هذه الديار هم شعب واحد، ويدافعون عن قضية واحدة، هكذا كانوا وهكذا سيبقون، رغمًا عن كل تجار الأديان الذين يتاجرون بالدين، وقد نصبوا أنفسهم فقهاء ومبشرين ووعاظًا، في حين أنهم يعملون على تقسيم مجتمعاتنا خدمة لأجندات معادية لا تنسجم مع قيمنا الإنسانية والروحية ومصلحتنا الوطنية.
نلتفت إلى أهلنا في غزة المنكوبة، وفي الضفة المحاصرة، وفي القدس التي يتم التآمر عليها، ونلتفت إلى أهلنا في هذا المشرق، منادين بتكريس قيم المحبة والأخوة، وأن تكون البوصلة في الاتجاه الصحيح.
من يسعون لتقسيمنا وإثارة الضغينة في مجتمعاتنا إنما بوصلتهم منحرفة، فأي بوصلة لا تشير إلى فلسطين وقضيتها العادلة إنما ليست في المكان الصحيح.
فلنصلِّ معًا وسويًا من أجل أهلنا في غزة، ومن أجل شعبنا المظلوم، ومن أجل هذه الأرض المقدسة المتعطشة للسلام الحقيقي المبني على العدالة وصون حرية وكرامة الإنسان.
فلنصلِّ في هذا العيد، كما وفي كل عيد، من أجل هذا المشرق، ومن أجل حكام وجبابرة هذا العالم، لكي يعملوا من أجل السلام وليس من أجل الحروب، فكفانا ما حل بنا من حروب وآلام وأحزان أدت إلى كم هائل من الدموع والدماء والأوجاع التي لا يمكن وصفها بالكلمات.
لن تكتمل فرحتنا في أعيادنا ومناسباتنا الدينية إلا من خلال تحقيق العدالة في هذه الأرض التي غُيِّبت عنها العدالة ولسنين طويلة.
لن تكتمل فرحتنا إلا بتحقيق أمنيات وتطلعات شعبنا.
نعم نحن دعاة سلام، ولكن السلام الذي نتحدث عنه ليس سلام الاستسلام، بل سلام الحق والعدالة ورفع الظلم عن شعبنا المنكوب والمعذب.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 26 أيار 2026
