تمثّل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية عجلة احتياطٍ الرأسمالية في لحظات أزماتها. فحين تعجز المنظومة النيوليبرالية عن تمرير سياسات التقشّف وإدارة الانهيار بأدوات يمينية صريحة، تستدعي وجوهًا «يسارية» ناعمة لامتصاص غضب الشارع، وإعادة إنتاج النظام نفسه، لكن بلغةٍ تقدميّة مقبولة جماهيريًا.
من هذه الوجوه الرئيس التشيلي غبريال بوريك، «اليساري» الذي انحاز سياسيًا (خلال عهده) إلى الخط الغربي بحجة نبذ الدكتاتورية، ولولا دا سيلڤا، المناهض للهيمنة الأميركية خطابيًا، لكنه يمثّل اليسار الإصلاحي الذي يهمّش قضايا الطبقة العاملة على حساب مصالح البرجوازيين.
أمّا الرئيس الإسپاني پيدرو سانشيز، وهو زعيم الحزب الاشتراكي العمالي الإسپاني، فهو مثالٌ حيّ لليساري الذي يستبدل الصراع الطبقي بخطابٍ ليبراليٍّ ضبابيٍّ، يتفادى التصويب نحو المشكلة الجوهرية المتمثّلة بالسلطة الرأسمالية أو مصالح رأس المال.
حتى النماذج الأكثر استقلالية نسبيًا، المحبوبة بسبب مواقفها النبيلة مثل الرئيس الكولومبي غوستاڤو پيترو، تبقى محدودة بإصلاح النظام لا تجاوزه، فلا تواجه تجاوزات الإمپريالية بشراسة اليسار الثوري الأصيل.
هذه النماذج تفضح أزمة اليسار المعاصر، الذي لا يصطدم بالرأسمالية بفعلٍ ولغة واضحة، بل يدير أزماتها بأقنعةٍ تقدمية، ويعبّئ خطابه بشعارات حقوقية انتقائية برّاقة «تدوّخ» الجماهير، لكنها تهمل قضاياهم المركزيّة. والإشادة بأيٍّ من تلك النماذج السياسية هي إشادة جزئية ومشروطة بالمواقف التي تتقاطع مع الخط اليساري الثّوري، ولا تعبّر عن الولاء المطلق.
الرفيقة لينا الحسيني
