نوال عباسي-تونس
منتدى سيف القدس
حين يرتقي قائد بعد قائد في اغتيالات تستهدف الأجساد، وتتصدر صور الضربات المزعومة الموجعة شاشات النشرات الإخبارية بوصفها دليلاً على الحسم والردع، يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأن موازين القوة ما تزال مستقرة لصالح واشنطن والكيان الصهيوني اللقيط المؤقت. لكن الاغتيالات، رغم ألمها، لا تكتب النهايات، والتاريخ لا يُبلغ بلغة الصواريخ وحدها، ولا تُقاس التحولات الكبرى بعدد القادة الذين يرتقون أو الأهداف التي تدمر. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد صراع على الأرض، بل صراع على القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي دائم. وهنا تحديداً تظهر المفارقة الكبرى: فبينما ما يزال الطرفان يمتلكان أدوات التدمير الأكثر تطوراً، يخسران تدريجياً القدرة على فرض الإرادة السياسية بالوتيرة نفسها، في معادلة بدأت تتفكك بصمت لا في ساحات المعارك فقط، بل في غرف القرار في بكين وموسكو، وفي مياه مضيق هرمز، وفي سماء جنوب لبنان، وحتى داخل العمق السياسي الأمريكي نفسه.فالاستراتيجية الغربية التي بنيت طويلاً على عزل إيران وتفكيك المحور، اصطدمت بحقيقة أن العالم لم يعد يتحرك وفق الفهم الأمريكي التقليدي. وموسكو التي راهن الغرب على عزلتها لم تتحول إلى دولة منبوذة، بل أعادت تموضعها داخل محور دولي جديد أكثر تحرراً من الهيمنة الأمريكية، ومع بكين تحديداً لم تعد العلاقة مجرد تقاطع مصالح مؤقت، بل شراكة استراتيجية تعيد رسم خرائط العالم. زيارة ترامب إلى الصين كانت مثالا واضحا على هذا التحول. واشنطن دخلت الزيارة وهي تراهن على اختراق استراتيجي يغيّر تموضع بكين تجاه موسكو وطهران، إلا أن النتيجة جاءت باردة إلى حد دفعت بعض الصحف الأمريكية لوصف الزيارة بأنها “هامبرغر بلا لحم”: استعراض إعلامي ضخم بلا مضمون جيوسياسي حقيقي.
الصين لم تُظهر أي استعداد للتخلي عن شراكتها مع روسيا، ولم تمنح واشنطن ما كانت تريده بشأن إيران، بل تعاملت مع الزيارة ببراغماتية باردة تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة. شي جين بينغ يدرك أن الصراع مع الولايات المتحدة لم يعد مجرد تنافس اقتصادي، بل لحظة تاريخية تقترب مما يُعرف في الأدبيات الجيوسياسية بـ”فخ ثوكيديدس”، أي الصدام شبه الحتمي بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة. لكن بكين، بخلاف التصور الأمريكي، لا تخوض هذه المواجهة بعقلية الاستعجال، بل تعمل بالمقولة الصينية الشهيرة: “لا تظهر مقدرتك، وانتظر ضعف خصمك”، وهي جوهر “فن الحرب” لصن تزو فهي لا تواجه واشنطن بالصواريخ فقط، بل بالاقتصاد، والصبر الاستراتيجي، وإعادة تشكيل شبكات النفوذ العالمية بهدوء متدرج.
وإيران، في قلب هذا المشهد، شكلت مثالا صارخا على فشل الرهان الغربي: فالعقوبات التي افترضت أنها ستفكك النظام من الداخل لم تمنعه من بناء واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في غرب آسيا، وتطوير قدرات في الطائرات المسيّرة والحرب غير المتناظرة جعلت منه لاعبا يصعب احتواؤه. والأهم أن التقديرات الغربية أخطأت في فهم طبيعة المجتمع الإيراني نفسه، فلم تتحول خلافاته الداخلية إلى عامل انهيار، بل كثيرا ما أعادت إنتاج حالة التفاف وطني كلما تصاعد التهديد الخارجي، لأن إيران لا تتحرك بوصفها دولة تبحث عن انتصار سريع، بل كدولة تعتبر نفسها في معركة وجود طويلة، بنت استراتيجيتها على “الصبر الاستراتيجي” لا على الحسم اللحظي.ومن هذا المنطلق اكتسب مضيق هرمز وزنه الحقيقي. فما كان يُعتبر تهديدا دعائيا تحول، بعد تصعيد الكيان الصهيوني، إلى ورقة ردع نافذة.
لم يعد المضيق مجرد ممر بحري، بل معادلة اقتصادية كاملة تختصر هشاشة النظام العالمي: النفط والغاز والتضخم وسلاسل الإمداد وبنية تحتية رقمية، كلها تمر من تلك البوابة. وهكذا فإن الضغوط التي كان يُفترض أن تُضعف إيران منحتها واحدة من أخطر أوراق الردع في العالم، وأصبح السؤال ليس “هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟” بل “إلى أي مدى يمكن للعالم تحمّل مجرد احتمال حدوث ذلك؟”. وهذه القدرة بالتحديد هي التي حوّلت الغرب إلى طاولة المفاوضات ليس من موقع قوة، بل تحت وطأة واقع عسكري واقتصادي خانق. كانت طهران تعي أن الرهان الغربي على ورق الضغط قد انهار أمام إرادتها الميدانية، فلم تكتف بمطالبة رفع الحصار بل طالبت بوقف إطلاق النار في كل الجبهات. لقد أثبتت هذه المفاوضات أن الغرب لم يعد القادر على إملاء الشروط.
وعلى الجبهة نفسها، لكن في جنوب لبنان، ظهرت صورة أخرى لانهيار وهم التفوق المطلق. فالقبة الحديدية التي سُوّقت كمعجزة تكنولوجية وجدت نفسها أمام نمط جديد من الحرب أقل كلفة وأكثر مرونة: طائرات مسيّرة بسيطة تعمل بالألياف الضوئية، يصعب التشويش عليها، استطاعت أن تكشف هشاشة أنظمة دفاعية كلفت مليارات الدولارات. لم تكن المسألة تقنية فقط، بل رمزية أيضا، إذ أثبتت الحرب الحديثة أن التفوق التكنولوجي الباهظ لا يضمن السيطرة، وأن الأدوات الأقل كلفة قد تمتلك قدرة أكبر على إنهاك الخصم واستنزافه. وفي هذا السياق، تحولت المواجهة في جنوب لبنان إلى درس كامل في هندسة القوة غير المتناظرة، حيث يمكن لأدوات بسيطة وإرادة صلبة أن تفرض معادلات جديدة.
وهذا التحول الجيوسياسي انعكس تلقائيا على دول الخليج، التي وجدت نفسها أمام معضلة سياسية وأمنية معقدة: فالقواعد العسكرية الأمريكية التي قُدمت لعقود كضمانة للحماية تحولت فجأة إلى أهداف مباشرة، ولم تكن الصدمة عسكرية فقط بل نفسية ورمزية، لأن صورة “الحماية المطلقة” بدأت تتآكل أمام الرأي العام. والأسوأ أن التحالفات مع الكيان الصهيوني، عوض أن تمنح الخليج أمنا إضافيا، زادت من حساسية موقعه الجيوسياسي، خصوصا مع اندفاع نتنياهو لتسويق التطبيع كإنجاز شخصي، مما فضح علاقات كانت تعتمد على القابلية للإنكار. وهكذا اصطدمت الحسابات الصهيونية بواقع خليجي معقد: فلا الرياض ولا أبوظبي تستطيعان العودة إلى الوراء، لكنهما أيضا لا تملكان رفاهية الإعلان الكامل عن تحالفات تتعارض مع المزاج الشعبي والإقليمي.
وفي قلب هذا المشهد المأزوم، جاءت شخصيات مثل بن غفير لتفضح حقيقة الكيان، فخطابه المتطرف لم يفضح فقط طبيعة حكومة الكيان، بل قوّض سنوات من الجهد الدعائي والهاسبارا الصهيونية. في لحظات قليلة، انهارت واجهات بُنيت بعناية، لتظهر صورة كيان يعتمد على سياسات الفصل العنصري والتوحش.
لكن الخطر الأكثر بطءا في زحفه لا ينبض في مفاصل غرب آسيا، بل في شريان أمريكا ذاتها؛ فالتحولات الكبرى نادراً ما تعلن عن نفسها من شرفة البيت الأبيض، وإنما تتسلل أحياناً من ولايات يظنها المراقبون هامشية، فإذا بها معاجين التاريخ الخفية. ففي كنتاكي، تحولت الانتخابات التمهيدية لعام 2026 إلى مرآة قاتمة تعكس تصدع الهالة الترامبية. هناك، فاز إد غالراين المدعوم من ترامب على النائب المخضرم توماس ماسي، في سباق تجاوز إنفاقه 32 مليون دولار، فكان الأغلى في تاريخ مجلس النواب. وهذا الإنفاق الأسطوري لم يكن دليلاً على القوة، بل كان اعترافاً بالعجز: فشعبية ترامب في كنتاكي انكمشت إلى 47%، بينما تمددت شعبية الحاكم الديمقراطي بيشير إلى 65%، والحزب الذي كان يمتطي صهوة الإقناع بات يجر عربة السمسرة. وهكذا تنكشف أزمة النموذج الغربي العارية: ديمقراطية تحولت إلى أقنوم فاتر، مهرجان أصوات لا برامج، وبرلمان تُفصل قناعاته في غرف مليئة بالدولار.
غير أن انتخابات كنتاكي لم تكن سوى وجه واحد لصورة التفكك؛ إذ شهدت واشنطن موجة استقالات غير مسبوقة كشفت عمق الصراعات على صنع القرار. ففي مايو 2026، استقالت تولسي غابارد من منصب مديرة الاستخبارات الوطنية، لتصبح رابع عضو في حكومة ترامب الثانية يغادر منصبه، وربطت تقارير موثوقة رحيلها المتوقع بالخلافات حول قرار ضرب إيران. كما استقال جو كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في مارس معلناً أنه “لا يستطيع بضمير حي” دعم الحرب على إيران، وتلت ذلك استقالات وزارية لبام بوندي ولوري تشافيز-ديريمر، إضافة إلى مغادرة مايكل بانكس وتود ليونز. وبهذا بلغ معدل دوران الفريق الأول في البيت الأبيض 34%، وهو أعلى بكثير من الإدارات السابقة، وهذه الاستقالات لم تكن سوى كشفٍ لصدع مستطير في صميم الإدارة، يُنذر بأن كل قرار استراتيجي بات يرتجف على شفير الهاوية..
وليس هذا فحسب، بل إن واشنطن كانت تغرق أيضاً في مستنقع تكاليف غير مسبوق، حيث كشفت معادلة صبر المحور هشاشة الاقتصاد الأمريكي. فبعد تحول المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة، ارتفعت الفاتورة العسكرية للولايات المتحدة في أول 60 يوماً إلى حوالي 72 مليار دولار، أي 1.2 مليار دولار يومياً، متجاوزة بكثير التقديرات الرسمية التي تحدثت عن 25 ملياراً. ولم تقتصر الخسائر على الميدان؛ إذ قدر خبراء جامعة هارفارد أن الكلفة الإجمالية للحرب على إيران قد تصل إلى تريليون دولار عند احتساب رعاية المحاربين القدامى وإعادة التسليح على المدى الطويل، بينما قفز التضخم إلى 3.8%، مما جعل ترامب يتراجع في استطلاعات الرأي إلى 36%.
فأي نظام ينهار هنا؟ ذاك الذي باع إرادة شعبه في مزاد علني، ثم أسماه “ديمقراطية”؟ أم ذاك الذي ما زال يؤمن أن الإرادة الشعبية ليست سلعة تشترى، بل التزام يورث من جيل إلى جيل، ولو كان ثمنه الصبر على الجرح؟
وأخيراً، وبينما كانت واشنطن تراهن على أن العدوان على إيران سيمنحها انتصارا سريعا ويحقق أهدافها المعلنة – تفكيك محور المقاومة، إنهاء البرنامج الصاروخي، إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لصالح “إسرائيل”، وإجبار طهران على الاستسلام غير المشروط – ها هي تخرج صفر اليدين، لم تحقق أيّاً من هذه الأهداف، بل وجدت نفسها أمام واقع جديد مختلف تماماً. فمحور المقاومة لم يتفكك، بل زاد تماسكاً، وأظهر قدرة على التكيف والصمود فاقت كل التوقعات. والمفاجأة الأكبر أن إيران، التي قيل إنها الهدف الأول، هي من فرضت في النهاية معادلة وقف شامل للحرب على جميع الجبهات، ليس عبر طاولة المفاوضات كمنتصر يفرض شروطه، بل عبر الميدان الذي أثبت أن لا حسم عسكري ممكنا. واشنطن التي دخلت الحرب بـ”أهداف كبرى” خرجت منها مضطرة إلى القبول بوقف الحرب لم يمنحها شيئا مما أرادت، باستثناء إثبات أن سنن التاريخ لا تُختزل في حسابات لحظية، وأن من يظن أن الصواريخ وحدها تصنع النصر يصطدم حتماً بمن يمتلك الصبر والإرادة والحق.
لا تغترّنّ إذن بصواريخ الغرب التي ترسم دوائر الوهم في السماء، فذلك بيت العنكبوت الذي ظنّوه حصناً منيعاً، فإذا هو قشور تذروها ريح الحق القادمة من جنوب لبنان، فتمتد إلى مضيق هرمز، ثم تنفجر من داخل البيت الأبيض نفسه: استقالات تنبئ بالخور، وانقسامات تمزق هيبة المدّعي، وتراجع في كل جبهة. ومن هنا تظهر واشنطن اليوم جالسة إلى طاولة المفاوضات لا كمنتصر، بل كمستجدي يرجو وقف نزيف لا يُطاق. وهكذا تجري سنن التاريخ في الأمم: من يصمد على الحق يكتب التاريخ، ومحور المقاومة يعيد تشكيل العالم الجديد على أنقاض الهيمنة الغربية لا بصواريخه وحدها، بل بصبره ويقينه أن النصر للثابتين لا للقاصفين.
ألم يقل الحقّ: “إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت”؟ فكيف يبني أوهن البيوت نظاماً للعالم؟فإذا كان الأمر كذلك، وكنتم قد رأيتم بأعينكم من تدعي أنها أعظم قوة في التاريخ تتهاوى كلحظة ضوء أمام إرادة الصابرين، فبأي عقل، وبأي منطق، وبأي ضمير، يظل السؤال المطروح اليوم: من يحدد مستقبل العالم؟ أمّا وقد أصبح محور المقاومة هو محور التاريخ، أفليس آن الأوان للطغاة والمترددين أن يعوا أن مصير البشرية لم يعد يُرهن بمن يبادر بالقصف أولاً، بل بمن يتسلّح بالصبر حتى النهاية؟
