قمة ترامب وشين :

في لقاء أدارته نوال عباسي، عضو منتدى شباب سيف القدس حول زيارة ترامب للصين ومضامينها وتداعياتها، استهله الأستاذ ناصر قنديل بمقدمته المعتادة لإلقاء الضوء على جوانب تخص قمة ترامب وتشي جين بين ووضع الحضور في الإطار المناسب لحوار الدكتور زياد الحافظ،
أستاذ ناصر قنديل:
“أمام التحولات الجارية في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والفرضيات المتعددة بين احتمالات تجدد الحرب والذهاب إلى مسار التفاوض بصورة قابلة لإمكانية إحداث هدنة أو حل أو صيغة “ربط نزاع” تعلق اتجاهات العمل الحربي، تكثر المعطيات والوقائع.
لكن الحدث الأكبر الذي يشغل التحليلات والمتابعات الآن هو زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين. ترامب الذي جاء أكثر تشددًا، حتى إن الفريق الذي اختاره على مستوى الخارجية والدفاع ونائب الرئيس يُعرف باسم “جماعة التهدئة مع روسيا والتصعيد ضد الصين”، مع إعطاء الأولوية لمواجهة الصين.
تزامنت وتراكمت الوقائع والأحداث:
قضية الرسوم التجارية،
السعي للتخلص من الاعتماد على الصين تجاريًا،
اصطدام الأسواق والشركات الأمريكية بالحاجة إلى المعادن النادرة،
ومخاطر توقف سلاسل التوريد،
إضافة إلى حقيقة أن الصين هي الشريك التجاري الأول لأمريكا، كما لمعظم دول العالم.
الصين الهادئة والباردة، التي كانت ترغب باحتواء الأزمات وعدم الذهاب إلى المواجهة، انتقلت من مرحلة الابتعاد عن السياسة والانصراف للبناء الاقتصادي فقط، إلى ترجمة حضور سياسي فاعل، سواء عبر رعايتها للتفاهم السعودي الإيراني مثلًا، أو تقدمها خطوة مهمة نحو الخليج والسياسات الدولية، بما للخليج من مكانة مهمة على هذا الصعيد.
والإنجاز الذي حققته إيران على مستوى النجاح في الصمود أمام دولة بحجم مقدرات أمريكا، وتوحش بحجم رؤية إدارة الرئيس ترامب القائمة على الاستعداد للاعتماد على القوة، كل هذه العناصر، مع الاستعصاء الذي نجحت إيران بفرضه على مساحة التفاوض وتمسكها بثوابتها، جعل زيارة ترامب إلى الصين مرتبطة عضويًا بمستقبل الصراع الأمريكي الصيني حول البعد الجيوستراتيجي في العالم، وفي مقدمته مكانة إيران في هذا البعد.
ما الذي سبق الزيارة؟ ما سياقاتها؟ في أي إطار يمكن وضعها؟ ما التداعيات والنتائج والتوقعات؟
للحديث حول هذه العناوين، استضاف شباب المنتدى شخصيتنا المرموقة، رئيس منتدى سيف القدس، الدكتور زياد الحافظ.
وفي بداية حوارها مع الدكتور زياد الحافظ بادرت الأستاذة نوال العباسي بالترحيب بالدكتور وبضيوف الحلقة، وأبرزت أهمية هذا اللقاء الهام لأنه يتناول موضوعًا حارقًا، ليس فقط في هذه المرحلة، بل لسنوات، وكانت لها هذه الكلمة:
أستاذة نوال العباسي:
كما قدم الأستاذ ناصر، موضوع الحلقة: زيارة الرئيس ترامب إلى الصين، وتبعاتها وإرهاصاتها ومقدماتها وتداعياتها. دعوني أفتتح بالمقولة التي بدأ بها الرئيس الصيني حديثه: “فخ ثوسيديدس” وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى.
هذا الاستهلال الفلسفي، الذي جاء بصيغة تحذيرية صارمة من الرئيس الصيني، لم يكن مجرد استعراض للتاريخ الإغريقي القديم، بل صياغة صينية ذكية لمعادلة القوى الحالية، حيث أرادت بكين توجيه رسالة حاسمة لترامب مفادها أن الصين باتت القوة الصاعدة التي لا يمكن كبحها، وأن الصدام ليس حتميًا إلا إذا أخطأت واشنطن في حساباتها الاستراتيجية وتهور ترامب أو حاول تجاوز الخطوط الحمراء، وعلى رأسها تايوان.
فهل ينجح الزعيمان في كسر هذه الحتمية التاريخية وإدارة التنافس بسلام؟
أم أن رمزية قاعة الشعب الكبرى في بكين ستبقى شاهدة على بداية مواجهة لا مفر منها بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة؟
هذا ما سنكتشفه مع الدكتور زياد الحافظ، رئيس منتدى سيف القدس، وسنستفيد من خبرته في العالم الاقتصادي، لأن الاستحقاق الاقتصادي والجيوسياسي مهم جدًا في هذه الزيارة.
مرحبًا بك دكتور زياد، تفضل الكلمة لكم.
الدكتور زياد الحافظ:
السلام عليكم جميعًا، وشكرًا أستاذة نوال على التقديم، وخاصة على التركيز على مفهوم “فخ ثوسيديدس”، لما له من دلالات ليس فقط في المضمون، بل أيضًا في الشكل.
قبل الخوض في التفاصيل، أعتقد أن هذه الزيارة، التي وصفها البعض بالتاريخية، بات واضحًا على الأقل من الجانب الصيني أنها أقرب إلى “حدث بلا مضمون”، وكأنها لم تكن ذات قيمة كبيرة. التغطية الإعلامية الصينية الرسمية لهذه الزيارة كانت شبيهة بالتغطية لأي زيارة بروتوكولية عادية، وهذا بحد ذاته رسالة سياسية.
الاستقبال كان مهذبًا، لكن ليس بالمستوى الذي حظي به بوتين أو كيم جونغ أون.
الرئيس الصيني لم يكن على باب الطائرة لاستقبال ترامب، بل أرسل نائب رئيس الوزراء، وهذا ضمن البروتوكول الصيني ليس إهانة، لكنه يحمل دلالة.

كذلك، عندما استقبل الرئيس الصيني رئيس تركمانستان قبل يوم واحد، كانت شوارع بكين مليئة بالأعلام التركمانية. أما عند وصول ترامب، فلم نشهد انتشارًا للأعلام الأمريكية، وحتى الأطفال الذين استقبلوه كانوا يلوحون بالأعلام الصينية فقط.
أيضًا، خلال اللقاء، بقي شي جين بينغ واقفًا في مكانه بينما تقدم ترامب نحوه، وهي حركة بروتوكولية تحمل دلالة رمزية عن مركزية القوة.
الكلمة المفتاحية في اللقاء كانت حديث شي جين بينغ عن “موازين القوة الجديدة”، وأن على الولايات المتحدة الاعتراف بها والتعامل معها. والمشكلة أن النخب الحاكمة في الولايات المتحدة، ومراكز الأبحاث، وما يسمى بالدولة العميقة، ما زالت تعيش حالة إنكار لهذا التحول في موازين القوة.
والغريب أن هذه الزيارة لم يسبقها أي تحضير تقني حقيقي من الجانب الأمريكي. فعادةً، قبل أي قمة، تُجرى مفاوضات بين الوزارات والمؤسسات لوضع الملفات والاتفاقات الممكنة، لكن هذا لم يحدث. ولذلك لم يصدر بيان مشترك، بل صدر بيان أمريكي وآخر صيني، وكل طرف قدّم روايته الخاصة، ما يدل على غياب التفاهمات المسبقة.
الوفد الذي رافق ترامب لم يكن وفدًا تقنيًا، بل ضم شخصيات من كبار رجال الأعمال والمؤسسات المالية، مثل بلاك روك وغيرها، ما يدل على أن الرأسمال الأمريكي كان حاضرًا بقوة على أمل فتح الأسواق الصينية.
ترامب كان يأمل ببيع الصين نحو 500 طائرة بوينغ، لكن ما جرى الحديث عنه لا يتجاوز احتمال شراء 200 طائرة، وحتى هذا غير مضمون، لأن شركة بوينغ نفسها تعاني أزمات إنتاج. واليوم، شركات مثل آبل وتسلا وإنفيديا بحاجة إلى السوق الصينية أكثر مما تحتاج الصين إليها.
في السابق، كان الاقتصاد الصيني قائمًا على التصدير الرخيص، أما اليوم فأصبح قائمًا على التكنولوجيا والاستثمار الرأسمالي الكثيف والإنتاج عالي الجودة. الصين لم تعد بحاجة ماسة للتكنولوجيا الأمريكية كما في السابق، بل بدأت تنتج بدائلها، حتى في مجال الرقائق الإلكترونية، هذا في الجانب الاقتصادي أما في الجانب العسكري، ففي موضوع إيران، كان ترامب يأمل أن تضغط الصين على إيران لضمان أمن الملاحة، لكن الرد الصيني كان واضحًا:
“أنتم من أغلقتم الممرات عبر سياساتكم، أما السفن الصينية فتمر بأمان”،
الصين لا تريد انهيار الولايات المتحدة، ليس حبًا بها، بل لأن انهيارها قد يؤدي إلى فوضى عالمية، خصوصًا فيما يتعلق بالترسانة النووية الأمريكية. أما في ملف تايوان، فقد كان الموقف الصيني صارمًا جدًا، الصين تعتبر أن تسليح تايوان هو تجاوز للخطوط الحمراء، وترى أن إعادة تسليح اليابان أخطر حتى من قضية تايوان نفسها.
في المقابل، تعاني المؤسسة العسكرية الأمريكية من مشاكل داخلية، وهناك تقارير أمريكية تتحدث عن تراجع مخزون الذخائر والصواريخ إلى مستويات خطيرة.
الخلاصة، هذه الزيارة، في تقديري، لم تحقق لترامب أي إنجاز ملموس، سوى بعض الاستعراض الإعلامي والانطباعات الإيجابية الشخصية. لكن هل يمكن أن تتحول هذه الإيجابية إلى تفاهمات حقيقية؟، هذا مرتبط بما سيحدث داخل الولايات المتحدة نفسها، وبالصراع بين ترامب واللوبيات المعادية للصين، وكذلك بالضغوط الإسرائيلية والمالية المرتبطة بها. فحتى الآن، لا أرى أن هناك تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا، بل مجرد هدنة مؤقتة في الصراع الكبير بين واشنطن وبكين.
وللتركيز على الجانب الاقتصادي علينا أن نعي أن الصين كانت في الماضي بحاجة ماسة إلى الأسواق والتكنولوجيا الغربية، أما اليوم فقد تغير المشهد بالكامل. السوق الداخلية الصينية باتت ضخمة بما يكفي لاستيعاب نسبة كبيرة من الإنتاج المحلي، كما أن الاقتصاد الصيني لم يعد قائمًا فقط على تصدير السلع الرخيصة منخفضة الجودة، بل انتقل إلى مرحلة إنتاج التكنولوجيا والمنتجات المتقدمة ذات القيمة العالية. ولم تعد الميزة الصينية قائمة على اليد العاملة الرخيصة، بل على الاستثمار الرأسمالي الكثيف والتطور الصناعي والتكنولوجي.
هذا التحول غيّر طبيعة الصادرات الصينية وأعاد رسم موازين القوة الاقتصادية. فالشركات الأمريكية الكبرى أصبحت بحاجة إلى تسهيلات صينية:
Apple تحتاج إلى الحفاظ على مصانعها وتخفيف القيود والضرائب المفروضة عليها.
Tesla تحتاج إلى استمرار وجودها داخل السوق الصينية. أما NVIDIA، التي كانت تبيع رقائق إلكترونية للصين ثم مُنعت من ذلك، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد، حيث أبلغها الصينيون بأنهم باتوا قادرين على تطوير وإنتاج ما يحتاجونه محليًا.
وهذا يعكس اختلالًا واضحًا في ميزان الاعتماد الاقتصادي بين الطرفين. فالسوق الأمريكية والشركات الأمريكية لم تعد تمتلك الجاذبية نفسها التي تمتعت بها خلال العقود الماضية، بينما أصبحت الصين تمثل “الحلم الاقتصادي” للكثير من الشركات العالمية. لكن بكين ليست مستعدة لفتح أسواقها بلا شروط، بل وفق قواعدها ومصالحها الخاصة، وهذه هي المعادلة الجديدة بين القوتين.

كما أن وجود شركة BlackRock ضمن الوفد الأمريكي يحمل دلالات مهمة، إذ يعكس رغبة المؤسسات المالية الأمريكية في تعزيز حضورها داخل السوق المالية الصينية، خاصة بعد تراجع النفوذ الأمريكي التقليدي في هذا المجال. وهناك معلومات تتحدث عن احتمال السماح بفتح مكاتب أو توسيع النشاط المالي في شنغهاي، لكن ضمن ضوابط وشروط صينية دقيقة.
في السياق الأوسع، فإن الولايات المتحدة تعيش اليوم نتائج الخيارات الاقتصادية التي اتخذتها منذ عقود، خصوصًا بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، حين اتجهت إلى العولمة ونقل القواعد الإنتاجية إلى الخارج، ومن بينها الصين. وقد اعتقدت واشنطن آنذاك أن سيطرتها على النظام المالي العالمي، إضافة إلى قوتها البحرية، كافية للحفاظ على هيمنتها الاقتصادية. لكن التطورات الحالية تثبت أن هذا التقدير لم يكن دقيقًا.
لذلك، فإن زيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين بدت أقرب إلى محاولة تفاوض مع قوة اقتصادية صاعدة تمتلك أوراقًا مؤثرة، أكثر من كونها زيارة من موقع الهيمنة التقليدية. وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي ظهرت بين الجانبين، فإن النتائج الفعلية بقيت حتى الآن في إطار الوعود السياسية والتفاهمات العامة، والتي يمكن أن تتغير بسرعة تبعًا للظروف الداخلية الأمريكية.
فالضغوط داخل الولايات المتحدة ضد الصين لا تزال قوية، سواء من التيارات السياسية أو الاقتصادية أو من جماعات الضغط المؤثرة. ولهذا ليس مضمونًا أن تستمر الإيجابية التي ظهرت بين الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني Xi Jinping بعد عودة ترامب إلى الداخل الأمريكي، خصوصًا مع تصاعد الخطاب المعادي للصين.
في المقابل، تدرك الصين أن إضعاف الولايات المتحدة بشكل كامل ليس في مصلحتها. فبكين لا تريد انهيارًا أمريكيًا شاملًا، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أيضًا لأسباب سياسية واستراتيجية وأمنية، أبرزها مسألة الترسانة النووية الأمريكية وما قد يترتب على أي فوضى داخلية كبرى في الولايات المتحدة.
أما فيما يخص الملف الإيراني، فيبدو أن ترامب كان يأمل في أن تمارس الصين ضغوطًا على إيران، خصوصًا فيما يتعلق بالممرات البحرية. إلا أن الرد الصيني كان واضحًا: هذه الممرات كانت مفتوحة أصلًا، وأن المشكلة جاءت نتيجة السياسات الأمريكية نفسها. كما أن الصين ترى أن سفنها لا تواجه المشكلة التي تتحدث عنها واشنطن، وبالتالي فهي لا تعتبر نفسها معنية مباشرة بالأزمة بالطريقة التي تصورها الولايات المتحدة.
وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، يبدو أن الصين تطرح مقاربة تقوم على تخفيف التصعيد مقابل ضمانات دولية تتعلق بعدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وهو ما قد يمنح ترامب فرصة لتقديم أي تفاهم مستقبلي باعتباره “إنجازًا سياسيًا” أفضل من الاتفاقات السابقة.
لكن مستقبل هذه التفاهمات يبقى مرتبطًا بالتطورات داخل الولايات المتحدة نفسها، وبمدى قدرة ترامب على مواجهة الضغوط الداخلية، خاصة ضغوط اللوبيات المؤيدة لإسرائيل والممولين الكبار لحملته الانتخابية، مثل Miriam Adelson وPaul Singer وغيرهم من أصحاب النفوذ المالي والسياسي، الذين قد يؤثرون بشكل مباشر على سياساته تجاه الصين وإيران والمنطقة عمومًا.
في سياق الحديث عن الزيارة الأمريكية إلى الصين، اعتبر كثيرون داخل الولايات المتحدة أن القمة لم تحقق نتائج حقيقية، حتى وُصفت في بعض الأوساط الأمريكية بأنها “قمة بلا مضمون”، لقاء مليء بالمظاهر والاستعراض الإعلامي من دون إنجازات ملموسة على الأرض. وبرأيي، لم يحقق الرئيس الأمريكي أي اختراق فعلي خلال هذه الزيارة، باستثناء تحسين الأجواء الشكلية بينه وبين الرئيس الصيني Xi Jinping بدا ترامب مرتاحًا خلال اللقاءات، واستمتع بالمراسم والحفاوة التي رافقت الزيارة، كما أن تصريحاته على متن الطائرة بعد عودته أوحت بأنه راضٍ عن طبيعة العلاقة الشخصية مع القيادة الصينية. لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل ستتحول هذه الأجواء الإيجابية إلى سياسات عملية ومواقف واضحة من الإدارة الأمريكية تجاه الصين؟
هناك مؤشرات أولية على احتمال تخفيف بعض العقوبات التي فرضت سابقًا على شركات صينية، وربما تظهر خطوات بهذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة، لكنني شخصيًا لا أزال متحفظًا تجاه قدرة ترامب على إحداث تحول استراتيجي ثابت في العلاقة مع بكين، لأن الضغوط الداخلية الأمريكية لا تزال كبيرة.
في المقابل، تشهد الساحة الدولية تغيرات مهمة، أبرزها تراجع حيازة بعض الدول للسندات الأمريكية. فالصين، التي كانت تمتلك ما يقارب 1.3 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، خفضت هذه الحيازة إلى أقل من 700 مليار دولار. كذلك بدأت اليابان، التي تمتلك أكثر من 1.4 تريليون دولار، بتقليص استثماراتها تدريجيًا لأسباب اقتصادية وأمنية.

ومن أخطر الملفات التي تثير قلق الصين حاليًا مشروع إعادة تسليح اليابان. فبكين تنظر إلى هذا الموضوع باعتباره تهديدًا استراتيجيًا أكبر من قضية تايوان نفسها، نظرًا للتاريخ الطويل والمعقد بين الصين واليابان منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الحرب العالمية الثانية. ولهذا ترى الصين أن تشجيع الولايات المتحدة لليابان على تعزيز قوتها العسكرية يشكل مصدر قلق حقيقي في المنطقة، خاصة أن إدارة Joe Biden كانت قد دفعت بهذا الاتجاه خلال السنوات الماضية.
في المقابل، يبدو أن اليابان تسعى إلى تحسين علاقتها مع الصين، وهناك حديث عن تفاهمات غير معلنة تهدف إلى تخفيف التوتر بين بكين وواشنطن، لأن أي تصعيد واسع ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الآسيوي والعالمي.
ومن اللافت أيضًا أن ملفات مثل حقوق الإنسان وتايوان لم تكن حاضرة بقوة على طاولة النقاش خلال القمة، بينما تركزت المباحثات على الملفات الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى، إضافة إلى الملف الإيراني.
وعند الحديث عن الصفقات الاقتصادية والتجارية التي أثيرت حول اللقاء، يجب التأكيد أنه لا توجد حتى الآن اتفاقيات رسمية معلنة يمكن البناء عليها، وكل ما يتم تداوله لا يزال ضمن إطار التسريبات والتقارير الإعلامية.
لكن وفق ما نقلته بعض المصادر الصينية، فإن موضوع المعادن النادرة كان حاضرًا بقوة في المباحثات. فقد قال الصينيون للأمريكيين بوضوح: أنتم تريدون تزويد تايوان بأسلحة بقيمة 14 مليار دولار، وهذه الصناعات العسكرية تعتمد على المعادن النادرة التي تنتجها الصين، فكيف تطلبون منا تصدير مواد تدخل في تصنيع أسلحة قد تُستخدم ضدنا؟
هذا الكلام يعكس بوضوح أن بكين لم تعد تتعامل مع الملفات الاقتصادية بشكل منفصل عن الملفات الأمنية والاستراتيجية، وأن أي تفاهم اقتصادي كبير لن يتم إلا ضمن صفقة شاملة تشمل مختلف القضايا العالقة بين الطرفين.
ورغم الضجيج الإعلامي، فإن حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة لم يعد يمنح واشنطن القدرة نفسها على الضغط والابتزاز الاقتصادي كما في السابق. فالتجارة مع أمريكا أصبحت تمثل نسبة محدودة من إجمالي التجارة الخارجية الصينية، وهو ما يعني أن اعتماد الصين على السوق الأمريكية تراجع بشكل كبير.
وفي المقابل، أصبحت الشركات الأمريكية الكبرى أكثر اعتمادًا على السوق الصينية، خاصة في قطاع التكنولوجيا. فشركة NVIDIA، على سبيل المثال، حاولت العودة إلى السوق الصينية بعد القيود الأمريكية على تصدير الرقائق الإلكترونية، لكن الرد الصيني كان واضحًا: الصين باتت قادرة على تطوير بدائلها محليًا.
الأمر نفسه ينطبق على Apple التي تحتاج إلى توسيع مصانعها والحفاظ على وجودها داخل الصين، وكذلك Tesla، خاصة أن الصين أصبحت اليوم أكبر منتج للسيارات الكهربائية في العالم، ما يجعل أي تفاهم اقتصادي بين الطرفين مرتبطًا بإطار سياسي واستراتيجي أوسع لم يتبلور بعد.
أما على الصعيد العسكري، فقد جرت بالفعل اجتماعات أمنية وعسكرية مغلقة على هامش القمة، تركزت بشكل أساسي على ملف تايوان والممرات البحرية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز ومضيق ملقا.
الرئيس الصيني شدد أكثر من مرة على أن استقرار منطقة تايوان مرتبط بتوقف الولايات المتحدة عن تسليح الجزيرة، معتبرًا أن أي تصعيد أمريكي في هذا الملف سيدفع المنطقة نحو مواجهة خطيرة.
وفي الوقت نفسه، هناك تساؤلات متزايدة داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية نفسها حول مدى جاهزية واشنطن لأي مواجهة كبرى مع الصين، خاصة بعد سلسلة القرارات المثيرة للجدل داخل وزارة الدفاع الأمريكية. فقد شهدت الفترة الأخيرة تغييرات واسعة في القيادات العسكرية، إلى جانب قرارات استراتيجية اتُّخذت من دون تنسيق كامل مع المؤسسة العسكرية، مثل قرار سحب قوات أمريكية من بولندا، وهو ما أثار قلقًا داخل حلف شمال الأطلسي ودول البلطيق. وهذه التطورات تعكس، بحسب بعض المحللين، حالة من الارتباك داخل الإدارة الأمريكية في إدارة الملفات العسكرية الحساسة، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات الدولية.
ومن المهم هنا الإشارة إلى مقال نُشر مؤخرًا في مجلة The Atlantic للكاتب والمفكر المحافظ Robert Kagan، تحدث فيه عن تراجع المخزون الأمريكي من الذخائر والصواريخ إلى مستويات مقلقة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لم تتمكن حتى من حسم ملفات أقل تعقيدًا، فكيف يمكنها خوض مواجهة مباشرة مع الصين؟
إضافة إلى ذلك، بدأت عدة دول آسيوية حليفة لواشنطن بإعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية، من إندونيسيا وماليزيا إلى كوريا الجنوبية وأستراليا، فضلًا عن وجود روسيا وكوريا الشمالية كعاملين داعمين للصين في أي توازنات إقليمية كبرى.

ولهذا، فإن الورقة العسكرية لم تعد تمتلك الفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة سابقًا، على الأقل فيما يتعلق باستخدامها كورقة ضغط مباشرة على الصين. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات فعلية على أن واشنطن مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة مع بكين، لأن كلفة مثل هذه المواجهة ستكون هائلة على الجميع.
أثار التصريح الصيني الأخير، الذي أكد رفض بكين لأي خطوات تؤدي إلى توسيع الحرب ضد إيران، انطباعًا لدى كثيرين بأن هناك مسارًا دبلوماسيًا قائمًا على الصفقات والتفاهمات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وربما يكون ملف مضيق هرمز جزءًا من هذا المسار التفاوضي، لكن جوهر المسألة لا يكمن في الوعود أو التفاهمات الأولية، بل في قدرة الطرف الأمريكي على تنفيذ ما يلتزم به. والسؤال الأساسي هنا: هل يستطيع الرئيس الأمريكي أن يمضي فعليًا في أي تفاهمات تتعلق بتخفيف التصعيد مع إيران؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة تدل على تراجع ترامب عن هذا المسار، بل على العكس، هناك حديث عن دراسة رفع بعض العقوبات المفروضة على سفن وشركات تتعامل مع إيران، ما يوحي بوجود نية أولية لفتح باب التهدئة. لكن المشكلة الحقيقية تبقى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تعاني الإدارة الأمريكية من انقسام حاد بين البيت الأبيض والكونغرس، إضافة إلى الانقسام داخل المؤسسات الأمنية والسياسية، فضلًا عن ضغط جماعات النفوذ واللوبيات المختلفة.
هذا الواقع يجعل اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى أمرًا معقدًا للغاية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإيران والصين. ولذلك، فإن الأيام والساعات المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت هناك جدية فعلية في مسار تخفيف التصعيد أم أن الضغوط الداخلية ستعيد الأمور إلى نقطة التوتر.
وفي جانب آخر من النقاش، طُرح موضوع الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، خاصة بعد المعلومات التي تحدثت عن أن الوفد التكنولوجي المرافق لترامب، والذي ضم شخصيات بارزة من وادي السيليكون، تلقى تعليمات بترك أجهزته ومعداته الإلكترونية داخل الولايات المتحدة قبل التوجه إلى الصين، خوفًا من عمليات اختراق أو تجسس إلكتروني.
هذا الأمر يعكس حجم التوتر التكنولوجي المتصاعد بين واشنطن وبكين، ويؤكد أن الصراع لم يعد اقتصاديًا أو عسكريًا فقط، بل دخل بقوة إلى ميدان التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وفي هذا السياق، جرى الحديث أيضًا عن الدور المتعاظم لشركة BlackRock، ليس فقط كمؤسسة مالية، بل كجزء من البنية التكنولوجية والرقمية المرتبطة بجمع المعلومات وتحليل البيانات عالميًا، خاصة في منطقة الخليج. ولهذا، فإن أي استهداف لمراكز المراقبة أو البنى التكنولوجية المرتبطة بهذا النظام يُنظر إليه باعتباره ضربة مباشرة للنفوذ الأمريكي التقني والاقتصادي.
أما فيما يتعلق بالتفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، فهناك تقديرات تشير إلى أن الصين قد تكون متقدمة على الولايات المتحدة في بعض المجالات الحساسة، وربما بفارق يصل إلى عشر سنوات أو أكثر، لكن من الصعب الجزم بدقة هذه التقديرات بسبب طبيعة هذا المجال وسريته. ومع ذلك، فإن المتابعين للتقارير والمواقع المتخصصة، مثل Axios، يلاحظون أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد المحاور الرئيسية للصراع العالمي القادم، إلى جانب الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية.
لكن رغم التقدم الكبير في هذا المجال، لا يزال الجدل داخل الولايات المتحدة قائمًا حول المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، سواء على المستوى المهني أو الاجتماعي أو الأمني. فبعد موجة التفاؤل الواسعة بإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في تقديم الاستشارات القانونية والتشخيص الطبي، بدأت تظهر أخطاء خطيرة في بعض التطبيقات، ما أثار تساؤلات جدية حول مدى موثوقية هذه التقنيات في القضايا الحساسة.
إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف متزايدة من التأثيرات الاجتماعية والثقافية للذكاء الاصطناعي على المجتمعات، سواء من حيث فقدان الوظائف أو إعادة تشكيل أنماط التفكير والتواصل.
أما فيما يخص احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، فهناك من يعتقد داخل الولايات المتحدة أن ضربة عسكرية كبرى قد تكون خيارًا مطروحًا. لكن المشكلة، بحسب هذا الطرح، أن واشنطن تركز على القدرة على بدء الحرب، من دون أن تمتلك تصورًا واضحًا لحجم رد الفعل الإيراني وتداعياته الإقليمية والدولية. وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، فإن ذلك قد يسرّع من وتيرة التراجع الأمريكي سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، خصوصًا أن مؤشرات هذا التراجع بدأت تظهر بالفعل، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى من العالم. ويرى بعض المحللين أن الصين لا تسعى إلى إسقاط الولايات المتحدة بشكل مباشر، بل إلى إدارة تراجعها التدريجي واستنزافها داخل أزمات متعددة، بما يؤدي إلى إضعاف نفوذها العالمي من دون التسبب بانهيار كامل للنظام الدولي.

فالولايات المتحدة، منذ نشأتها، قامت على فكرة التوسع والنفوذ العالمي. ومنذ القرن التاسع عشر بدأت البحرية الأمريكية بالتمدد خارج حدودها، ووصلت إلى سواحل شمال أفريقيا تحت شعار “محاربة القراصنة”، وهو ما انعكس لاحقًا حتى في النشيد العسكري الشهير لمشاة البحرية الأمريكية: “من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس”.
لكن الفارق اليوم، بحسب هذا التصور، أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه فقط إخفاقات سياسية، بل ربما تدخل مرحلة تراجع عسكري واستراتيجي أعمق، وهو ما قد يطرح مستقبل الدور الأمريكي العالمي أمام تحديات غير مسبوقة.
وفي النهاية، يبدو أن الصين تعتمد بشكل كبير على فلسفة المفكر العسكري الصيني Sun Tzu، القائمة على تحقيق الانتصار من خلال استنزاف الخصم وإضعافه تدريجيًا، بدل الدخول في مواجهة مباشرة وشاملة قد تكون مكلفة للجميع.
وفي اطار مداخلات الحضور، طُرح سؤال مهم حول ما إذا كانت زيارة ترامب إلى بكين قد تجاوزت مجرد العلاقات الثنائية التقليدية، لتشمل نقاشًا أوسع حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، ودور التكتلات الاقتصادية الدولية في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن اللقاء جمع أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. كما طُرحت تساؤلات حول ما إذا كانت بعض التطورات الأمنية في المنطقة، ومنها عمليات الاغتيال والتصعيد العسكري، مرتبطة بشكل غير مباشر بفشل ترامب في تحقيق اختراق كبير خلال زيارته إلى الصين، أو أنها مجرد محاولات للهروب من أزمات داخلية وإقليمية معقدة. كما أثير في مداخلة أخرى موضوع التحولات داخل النظام الدولي، واحتمال انتقال مركز القيادة العالمية من الغرب إلى الشرق، مع مقارنة تاريخية بين انتقال النفوذ من بريطانيا إلى الولايات المتحدة في القرن العشرين، والتساؤل عمّا إذا كان العالم يشهد اليوم انتقالًا مشابهًا من الولايات المتحدة إلى الصين.
وفي رده على هذه المداخلات، أكد الدكتور زياد أن إيران خرجت مستفيدة إلى حد كبير من نتائج القمة الأمريكية–الصينية، لأن عدم التوصل إلى تفاهمات استراتيجية واضحة بين واشنطن وبكين منح طهران مساحة أوسع للتحرك سياسيًا واقتصاديًا.
وأوضح أن أي اتفاق كبير بين الولايات المتحدة والصين كان من الممكن أن يؤدي إلى تشديد الضغوط على إيران، سواء في ملف العقوبات أو فيما يتعلق بتقييد حركة التجارة والطاقة. لكن غياب هذا التفاهم أبقى لإيران هامشًا مهمًا للمناورة.
كما أشار إلى أن المنطقة العربية ليست غائبة عن حسابات القوى الكبرى، بل إنها حاضرة بقوة في صلب المفاوضات الدولية، لأن أي تفاهم دولي لا يمكن تنفيذه عمليًا من دون أخذ الواقع الإقليمي والشعبي بعين الاعتبار.
وشدد على أن العامل الحاسم في المنطقة ليس فقط مواقف الأنظمة الرسمية، بل أيضًا موقف الشعوب العربية، وخاصة حركات المقاومة، التي اعتبر أنها لعبت دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية خلال السنوات الأخيرة.
ورأى أن انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بصراعات الشرق الأوسط ساهم بشكل غير مباشر في منح الصين فرصة للصعود الاقتصادي والتكنولوجي، لأن واشنطن لم تستطع التركيز بالكامل على مواجهة التمدد الصيني.
وأضاف أن الشعوب في العالم، سواء في المنطقة العربية أو في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بدأت تستعيد دورها في التأثير على المعادلات الدولية، وأن هذه التحولات الشعبية باتت عنصرًا لا يمكن تجاهله في فهم النظام العالمي الجديد.
وفيما يتعلق بتايوان، أوضح الدكتور زياد أن الصين كانت واضحة جدًا خلال القمة، إذ اعتبرت أن مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة مرتبط بشكل أساسي بملف تايوان، وليس بأي ملف آخر، بما في ذلك الملف الإيراني. وأشار إلى أن بكين ترى في استمرار تسليح تايوان تجاوزًا لخطوطها الحمراء، وأن هذا الملف أصبح معيارًا حاسمًا في تقييمها لطبيعة العلاقة مع واشنطن.
كما لفت إلى أن الولايات المتحدة تواجه أزمة متزايدة في قدرتها الصناعية والإنتاجية، خاصة في الصناعات العسكرية، وأن هذا التراجع ينعكس على قدرتها في إدارة التزاماتها الدولية، بما في ذلك دعم الحلفاء في آسيا.
وتطرق أيضًا إلى الأزمة البنيوية داخل النظام السياسي الأمريكي، معتبرًا أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة من “الاستعصاء الداخلي”، حيث باتت المؤسسات السياسية عاجزة عن معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
ورأى أن الحل يتطلب تغييرات جذرية في البنية السياسية الأمريكية، لكنه استبعد حدوث مثل هذا التحول في المدى القريب، متوقعًا استمرار مسار التراجع التدريجي وصولًا إلى مرحلة انفجار داخلي محتمل، سواء بعد سنوات قليلة أو على مدى أطول.
وفي سياق الحديث عن “فخ ثيوسيديدس”، أشار إلى أن المؤرخ الإغريقي Thucydides لم يكن مجرد مؤرخ، بل قائدًا عسكريًا أيضًا، وأن تحليله لصعود إسبرطة ومواجهة أثينا أصبح اليوم مرجعًا لفهم التنافس بين الصين والولايات المتحدة.

لكن الدكتور زياد شدد على أن الصراع الحالي يختلف عن صراعات القرون السابقة، لأن العالم اليوم يعيش عصر الأسلحة النووية والتكنولوجيا الفائقة، ما يجعل أي مواجهة شاملة بين القوى الكبرى تهديدًا وجوديًا للبشرية بأكملها.
وفيما يتعلق بإيران والسلاح النووي، أوضح أن امتلاك طهران للسلاح النووي كان سيغيّر طبيعة الصراع بالكامل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن إيران تتعامل مع هذا الملف بحسابات معقدة تتعلق بالتوازنات الدولية والإقليمية. كما أكد أن الغرب لم يعد يهيمن فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا عبر الهيمنة الثقافية والإعلامية والتكنولوجية، وهو ما يجعل الصراع الحالي متعدد الأبعاد، وليس مجرد مواجهة تقليدية بين دول.
كما أكد الدكتور زياد الحافظ على أهمية بناء مشروع عربي مستقل، يقوم على إعادة ربط القضايا العربية ببعضها البعض، وتعزيز التعاون بين الدول العربية ودول الجنوب العالمي، سواء في أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، باعتبار أن العالم يتجه نحو نظام دولي جديد متعدد الأقطاب. ورأى أن الخوف الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تراجع الولايات المتحدة، بل في غياب مشروع عربي قادر على الاستفادة من التحولات الكبرى الجارية في العالم، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد تغيرات عميقة قد تعيد رسم موازين القوى الدولية بالكامل.
وفي قسم آخر من مداخلات الحضور تناولت قراءة أوسع لطبيعة التحولات الجارية في العالم، وخصوصاً ما يتصل بالسياسة الأمريكية، ودور الفاعلين الجدد في النظام الدولي، والتوازنات في الشرق الأوسط. وبدأت بالتساؤل حول ما إذا كانت التحضيرات الجارية في المشهد الدولي تعكس توجهاً نحو صراع كبير أو حتى حرب محتملة، مع الإشارة إلى الانقسامات داخل الدوائر المحيطة بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بين تيارات تمثل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” وتيارات أخرى أكثر شعبوية. وطرحت المداخلة احتمال أن تكون إسرائيل نفسها مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل سياسي داخلي، قد تشمل استبدال قيادات مثل بنيامين نتنياهو، بما يفتح المجال أمام تسويات جديدة في المنطقة. كما طُرح سؤال حول مدى تأثير الشركات المالية الكبرى، وعلى رأسها مؤسسات مثل “بلاك روك”، في توجيه القرار السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة. وأثيرت مسألة ما إذا كانت هذه المؤسسات قادرة على لعب دور في إعادة تشكيل النظام العالمي أو حتى الدفع نحو الفوضى، في ظل تعاظم نفوذ المال على حساب القرار السياسي التقليدي.
وفي رده على هذه التساؤلات، أشار الدكتور زياد الحافظ إلى أن العالم لم يعد محكوماً فقط بالقوة العسكرية أو السياسية، بل أيضاً بالقوة المالية والاقتصادية، إلا أن هذه القوى، رغم نفوذها، تبقى محدودة في قدرتها على التحكم الكامل بمسار الأحداث. فالأدوات الاقتصادية، مهما تعاظمت، لا تستطيع وحدها فرض هيمنة شاملة إذا غابت القدرة السياسية والعسكرية المساندة. كما تم التأكيد على أن بعض التصورات التي تتحدث عن “مشاريع كبرى لإعادة تشكيل العالم” أو “خطط ممنهجة للفوضى” لا تبدو قابلة للتنفيذ بشكل كامل، لأن الواقع الدولي أكثر تعقيداً وتداخلاً، ولأن هناك قوى مقاومة لهذا الاتجاه على مستويات متعددة.
وانتقل بالنقاش إلى دور المقاومة في العالم، ليس فقط بمعناها العسكري، بل أيضاً كحالة فكرية وثقافية واجتماعية تتشكل في مواجهة أنماط الهيمنة. وجرى التأكيد على أن هذه المقاومة أسهمت في إضعاف القدرة الغربية على التحكم المطلق بمسار النظام العالمي، وفتحت المجال أمام توازنات جديدة.
كما نقد النموذج الغربي في إدارة العالم، خاصة فيما يتعلق بالصحة والاقتصاد، حيث اعتبر أن هذا النموذج بات يقوم على إدارة الأزمات بدلاً من حلّها جذرياً، وأنه يخدم منظومة مصالح اقتصادية كبرى أكثر مما يخدم الإنسان بشكل مباشر. وأشار إلى أن أي تحول حقيقي في النظام العالمي لن يكون نتيجة مشروع واحد أو قوة واحدة، بل نتيجة تفاعل طويل ومعقد بين قوى صاعدة وأخرى متراجعة، وأن مركز الثقل العالمي قد يتحول تدريجياً نحو مناطق أخرى من العالم خارج الإطار الغربي التقليدي.
وفي ختام النقاش، تم التأكيد على أن المنطقة العربية ليست مجرد ساحة متأثرة بهذه التحولات، بل هي جزء من قلب التوازنات العالمية، وأن مستقبلها مرتبط بقدرتها على امتلاك رؤية مستقلة تتجاوز الانقسام والارتهان للفاعلين الخارجيين، في ظل عالم يتغير بسرعة ويعاد تشكيله من جديد. وها أن العالم يشهد تحولات في التوازنات الدولية، بعد الحرب الأوكرانية، وصعود روسيا والصين، وتراجع أدوات الهيمنة الأمريكية، إضافة إلى انعكاسات ذلك على الشرق الأوسط وإيران.

ويرى الدكتور زياد الحافظ أن الحرب الأوكرانية لم تكن مجرد صراع إقليمي، بل كانت محاولة غربية لاستدراج روسيا وإضعافها عبر سلاح العقوبات المالية. فقد راهنت الولايات المتحدة والغرب على أن النظام المالي العالمي، بما فيه شبكات التحويل والبنوك والعقوبات، قادر على خنق الاقتصاد الروسي وإسقاطه تدريجياً، كما جرى في تجارب سابقة مع دول أخرى.
لكن نتائج الحرب جاءت معاكسة للتوقعات الغربية. فروسيا لم تنهَر تحت العقوبات، بل تمكنت من التكيف معها، بل وحققت نمواً اقتصادياً وتقدماً جعلها تحتل موقعاً متقدماً بين الاقتصادات العالمية. وبهذا المعنى، فقدت العقوبات المالية مكانتها كسلاح حاسم في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، وتبيّن أن الاعتماد الأمريكي على القوة المالية وحدها لم يعد كافياً لفرض الهيمنة العالمية. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تموضع أمريكي في الملف الأوكراني، حيث بدأت واشنطن تدرك أن استمرار الحرب لا يحقق أهدافها، وأن روسيا استطاعت عملياً فرض معادلة جديدة في أوروبا، قوامها تقليص النفوذ الأمريكي وإعادة تشكيل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. كما ظهرت مؤشرات على إعادة النظر في دور الناتو، وعلى تغيّر تدريجي في طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية.
وهنا ربط الدكتور زياد الحافظ بين هذه التحولات وبين تطورات أخرى في المنطقة، خصوصاً بعد عملية “طوفان الأقصى”، حيث بيَّن أن “إسرائيل” لم تعد قادرة على إدارة الصراع كما كانت سابقاً، وأن الأحداث العسكرية والسياسية التي تلت العملية كشفت حدود قوة دولة الاحتلال، سواء في غزة أو في لبنان.
وذهب إلى أن الولايات المتحدة تدخلت بقوة في المنطقة بعد أن شعرت أن “إسرائيل” مهددة استراتيجياً، وأن ميزان الردع يتغير. وأشار إلى أن جزءاً من التصعيد، بما في ذلك الاغتيالات والتدخلات العسكرية، يعكس محاولة أمريكية لإعادة ضبط موازين القوى في المنطقة.
لكن في المقابل، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها بالكامل، إذ واجهت تحديات كبيرة في أكثر من ساحة، أبرزها البحر الأحمر واليمن، حيث أن المواجهة هناك أظهرت حدود القوة البحرية الأمريكية، وأثبتت أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد مضمون النتائج.
وانتقل الدكتور زياد الحافظ بالتحليل إلى إيران، حيث اعتبرها محوراً أساسياً في التوازنات الإقليمية والدولية. فالمواجهة مع إيران، ليست مواجهة محلية، بل جزء من صراع أوسع يمتد إلى الصين وروسيا. مؤكدا أن الصين كانت تتابع بدقة تطورات المواجهة في البحر الأحمر وإيران، وتستخلص منها دروساً استراتيجية مرتبطة بمستقبل تايوان وقدراتها البحرية. كما أن الصين لم تكن غائبة عن المشهد، بل لعبت أدواراً غير مباشرة في إعادة تشكيل بعض التفاهمات الإقليمية، سواء عبر علاقاتها مع دول مثل باكستان، أو عبر رعايتها لتقارب سياسي بين أطراف إقليمية متعددة، وصولاً إلى تعزيز موقعها كقوة صاعدة في النظام الدولي.
ولذا أعتبر دكتور زياد الحافظ أن الزيارة إلى بكين وما رافقها من تأجيلات سابقة لم تكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل كانت جزءاً من حسابات استراتيجية تهدف إلى ضبط مسار التفاوض مع إيران، ومنع أي تسوية تُفرض خارج الإطار الصيني–الإيراني المشترك.
حيث أن الولايات المتحدة فقدت تدريجياً أهم أدوات قوتها التقليدية: فالقوة المالية لم تعد قادرة على إسقاط دول كبرى مثل روسيا. والقوة البحرية لم تعد قادرة على فرض الهيمنة المطلقة في الممرات الاستراتيجية. وبالتالي، فإن العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية، تتراجع فيه القدرة الأمريكية على التحكم بالنظام الدولي، في مقابل صعود قوى أخرى، أبرزها روسيا والصين وإيران ضمن توازنات مترابطة.
مع التأكيد على أن أي مواجهة أمريكية جديدة، سواء مع إيران أو غيرها، لن تكون حاسمة كما في السابق، لأن البنية الدولية تغيرت، ولأن الجغرافيا السياسية لم تعد تسمح بحسم سريع أو أحادي. ولأن إيران، تحديداً، أصبحت جزءاً محورياً في معادلة آسيا–أوروبا، وأنها تمثل عقدة استراتيجية لا يمكن تجاوزها في أي نظام إقليمي أو عالمي جديد.
فما نشهده ليس مجرد أحداث متفرقة، بل مسار طويل يعيد تشكيل النظام العالمي، وهذه المرحلة قد تكون مقدمة لنظام دولي جديد أكثر تعددية وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد.

تقديم:كل من رئيس منتدى: “سيف القدس” د.زياد الحافظ و رئيس تحرير جريدة البناء أ.ناصر قنديل

حوار:عضو منتدى شباب سيف القدس أ.نوال عباسي

معالجة وتقرير:عضو منتدى شباب سيف القدس أ هند يحيى

منتدى شباب سيف القدس