في الوقت الذي ينشغل فيه العوام بـ “قشور” المشهد السوري—متابعة كواليس المراسيم، والتباكي على أطلال الاقتصاد، وتخيل طوابير المستثمرين على أبواب دمشق—ثمة جراحة جيوسياسية بالغة التعقيد تُجرى في الغرف المظلمة. من يظن أن الأزمة السورية تنتهي بصفقة استثمارية هنا أو منطقة حرة هناك، فهو يمارس رفاهية السذاجة. الحقيقة الصادمة هي أننا لسنا أمام مرحلة “ترميم دولة”، بل أمام عملية “تفكيك وإعادة تصنيع” لمفهوم الدولة نفسه.
العالم التقليدي الذي نعرفه، والمبني على سيادة الحدود والقرار الوطني المستقل، يلفظ أنفاسه الأخيرة على الأرض السورية. ما يُطبخ اليوم ليس خطة لإنقاذ بلد متهالك، بل هو صناعة نموذج هجين: جغرافيا وظيفية مجتزأة، تُدار وفقاً لمصالح الكارتيلات العابرة للقارات، حيث تصبح السيادة الوطنية مجرد واجهة مرنة وشكلية لا قيمة لها على أرض الواقع.
فخ الحداثة: الاستعمار الناعم خلف الكلمات البراقة
في المرحلة القادمة، ستكتسح الفضاء العام مصطلحات رنانة تم تصميمها بدقة لتخدير الوعي الجمعي: “المناطق الاقتصادية المغلقة”، “التحول الرقمي الشامل”، “الحوكمة الذكية”، و”الشراكات العابرة للحدود”. خلف هذه الواجهات الأنيقة، يكمن الجوهر الحقيقي للمشروع: تأسيس بنى فوق-سيادية.
المعادلة الجديدة: لن يكون الهدف بناء أبراج إسمنتية أو شق طرقات تقليدية، بل خلق “كانتونات تشغيلية معزولة”. هذه المساحات ستكون لها منظومتها الأمنية الخاصة، وقوانينها الاستثمارية الاستثنائية، وحتى بيئتها الرقمية المستقلة. عقودها المبرمة لن تقيدها فترات حكم أو تبدل حكومات؛ بل هي التزامات عابرة للأجيال، مرتبطة مباشرة بشرايين الطاقة العالمية وممرات التجارة الدولية الكبرى.
من الدبابات إلى “العقود الذكية”
لقد تغيرت أدوات الغزو؛ فلم يعد التموضع العسكري المباشر مجدياً أو ذكياً. في القرن الحادي والعشرين، يتم احتلال الدول وسلب إرادتها عبر:
العقود الرقمية الذكية (Smart Contracts) التي لا يمكن الفكاك منها.
الديون السيادية السياسية بعيدة المدى.
خصخصة الموانئ وأتمتة خطوط الإمداد.
التحكم بالبيانات الضخمة (Big Data) والهويات الرقمية للمواطنين.
هذا يفسر الهوس الدولي الحالي بملفات الكابلات البحرية، وأنابيب الغاز، وممرات الربط السككي، والذكاء الاصطناعي. مراكز القوة الحقيقية لم تعد تقبع في القصور الرئاسية أو البرلمانات، بل انتقلت بالكامل إلى غرف التحكم المركزية بالبنى التحتية الحيوية.
الفوضى كأداة هندسية: إعادة صقل “عقدة العالم”
إن ما مرت به سوريا من دمار وتشتت لم يكن عشوائياً، بل كان “فوضى مهندسة بدقة”. كان لا بد من تحطيم الهيكل القديم المتصلب للدولة، لكي يتحول هذا البلد إلى “مادة خام” مرنة، يسهل تشكيلها وإدماجها في المنظومة العولمية الجديدة—منظومة تبحث عن الربحية والتدفق السلس للثروات، بعيداً عن حسابات الشعوب وهوياتها المحلية.
هذا يفك لغز التناقض الصارخ الذي نعيشه: لماذا يتكالب العالم على بلد منهار؟ ولماذا تشتعل الخرائط حول اقتصاد محطم؟
الجواب بسيط: لأن سوريا ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي العقدة الإلزامية والقلب النابض لخطوط الإمداد، والغاز، والأسواق، وبوابات البحار. القوى الكبرى لا تريد لهذه الدولة أن تسقط نهائياً، بل تريدها “معلقة”؛ ضعيفة بما يكفي لامتصاص سيادتها، وقوية بما يكفي لحماية مصالح وتدفقات الكبار.
بوصلة المستقبل: من يكتب الخوارزمية؟
في الحقبة القادمة، ستسقط الأسئلة الكلاسيكية من نوع “من هو رئيس الدولة؟” أو “ما هي الحزب الحاكم؟”. الأسئلة الحقيقية التي ستحدد مصير ومستقبل الأجيال هي:
من يدير ويتحكم بشبكات الطاقة والاتصالات؟
من يملك مفاتيح الموانئ والممرات اللوجستية؟
من يكتب الخوارزمية التي تُسير الاقتصاد المحلي؟
هناك، في زوايا السيرفرات العملاقة وتحت غطاء العقود العابرة للقارات، تُبنى الإمبراطوريات الصامتة التي ستحكم العالم. أما الشعوب، فستبقى غارقة في تتبع الضجيج والمعارك الوهمية على شاشات التلفزة، دون أن تدرك أن الأرض والسيادة قد جرى تشفيرهما وامتلاكهما بالكامل!
د. نبيلة عفيف غصن
