لم تعد حركة “رواد الباشان” (חלוצי הבשן) مجرد مجموعة من المستوطنين المتطرفين الذين يعبرون السياج الحدودي مع سوريا ثم ينسحبون. فخلال عام واحد فقط من تأسيسها، نجحت الحركة في بناء شبكة نفوذ متنامية داخل دولة الاحتلال تضم وزراء وأعضاء كنيست وحاخامات ومحامين، وفق ما توصل إليه هذا الاستقصاء الذي أعدّه مركز سِجِلْ.
ويُظهر تتبع نشاط الحركة منذ نشأتها حتى اليوم أن النفوذ الذي راكمته منحها غطاءً سياسياً وقانونياً قد يسهّل تحقيق أهدافها الاستيطانية في جنوب سوريا.
ويستند هذا التحقيق إلى رصد تحركات الحركة ميدانياً ورقمياً، وتتبع شبكة داعميها من الشخصيات اليمينية المتطرفة، إضافة إلى تحليل ارتباطها بحركات استيطانية أخرى تنشط في لبنان وقطاع غزة.
ما هي حركة رواد الباشان؟
لفهم التحول الذي شهدته الحركة، لا بد من العودة إلى بداياتها. فـ”رواد الباشان” حركة استيطانية حديثة النشأة، بدأت نشاطها في أبريل 2025 مستفيدة من التوسع العسكري لدولة الاحتلال في جنوب سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
ومنذ انطلاقها، استلهمت الحركة رؤيتها وأساليب عملها من حركات استيطانية مشابهة تسعى لإقامة بؤر استيطانية في لبنان وغزة.
وتضم الحركة مستوطنين من الجولان المحتل والضفة الغربية، وترفع شعار “إقليم الباشان” (חבל הבשן)، استناداً إلى روايات توراتية تشير إلى منطقة جغرافية تشمل شرق نهر الأردن وجنوب غرب سوريا، ويُقصد بها “الأرض الخصبة”.
وتتعامل الحركة مع التوسع العسكري لدولة الاحتلال في جنوب سوريا باعتباره فرصة لفرض واقع جديد عبر الاستيطان المدني، وتروج لفكرة أن إقامة مستوطنات دائمة هي وحدها الكفيلة بمنح جيش الاحتلال مبرراً “شرعياً” للبقاء في المنطقة.
وكانت دولة الاحتلال قد وسّعت بالفعل حضورها العسكري في الجنوب السوري بعد سقوط النظام، متجاوزة حدود المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974. ويملك جيش الاحتلال حالياً تسع قواعد عسكرية في جنوب سوريا، سبع منها داخل المنطقة العازلة واثنتان خارجها.
لكن أيديولوجية الحركة لا تقتصر على الدعوة للاستيطان في سوريا، بل تستند إلى تفسير ديني متطرف يعتبر منطقة الباشان جزءاً من “أرض إسرائيل التوراتية”، بما يحوّل الخطاب الديني إلى أداة لتبرير السيطرة على الأرض، وصولاً في بعض الأحيان إلى الدعوة الصريحة للتطهير العرقي.
وفي منشور على صفحة الحركة في “فيسبوك” بتاريخ 1 أبريل 2026، كتبت الحركة:
“سيُطرَد جميع أبناء السنة والشيعة الموجودين في منطقة الباشان ويُدمَّرون حتى يصبحوا بلا قيمة، كغبار الأرض، وستزدهر الباشان وتتحقق في ظل حكم أبناء إسرائيل على أرضهم”.
ولا ينفصل هذا الخطاب عن توظيف الحركة لفكرة “حماية الأقليات” في سوريا، إذ تستخدمه كأداة سياسية تخدم مشروعها الاستيطاني، عبر ربط التمدد نحو السويداء وحضر ودرعا بفكرة دعم الدروز أو دفعهم نحو الارتباط بدولة الاحتلال.
في الوقت نفسه، وسّعت الحركة علاقاتها مع تنظيمات استيطانية متطرفة أخرى داخل دولة الاحتلال، أبرزها حركة “يوري تسافون” (אורי צפון) الساعية إلى الاستيطان في جنوب لبنان، وحركة “نحالا” (נחלה) التي تدعو إلى الاستيطان في قطاع غزة.
ولا يبدو هذا التقاطع مستغرباً في ظل تصاعد الحركات اليمينية الاستيطانية بعد التحولات الإقليمية الأخيرة، حيث يمكن رصد أشكال متعددة من التعاون والتنسيق والدعم المتبادل بينها، ضمن شبكة تجمع بين العلاقات الرسمية وغير الرسمية.
وفي يوليو 2025، وقّعت “رواد الباشان” و”نحالا” رسالة مشتركة إلى وزير الدفاع في دولة الاحتلال طالبتا فيها بتنظيم جولة في شمال غزة تمهيداً للاستيطان، في خطوة عكست رؤية الحركة لنفسها باعتبارها جزءاً من مشروع استيطاني إقليمي أوسع يشمل سوريا ولبنان وغزة.
المتطرفون الذين يقودون الحركة
يقود “رواد الباشان” الأكاديمي في جامعة أريئيل، عاموس عزاريا (עמוס עזריה)، الذي يُعد من أبرز وجوه الحركة ومن أوائل المشاركين في اقتحام الأراضي السورية.
ولا يقتصر نشاط عزاريا على سوريا، إذ يُعد أيضاً من الشخصيات البارزة في حركة “يوري تسافون” المسجلة رسمياً في دولة الاحتلال، والتي تدعو إلى إقامة مستوطنات في جنوب لبنان.
ويرى عزاريا أن جنوب سوريا ليس مجرد مساحة للاستيطان، بل جزء من مشروع توسعي أوسع لدولة الاحتلال. ففي مقابلة مع منصة “الصوت اليهودي” اليمينية (הקול היהודי) في فبراير 2026، وصف سوريا بأنها “الساحة الأنضج للتغيير”، رافضاً الاكتفاء بشريط حدودي ضيق أو “ممر داوود”، وداعياً إلى توسيع السيطرة حتى درعا.
وفي مقابلة أخرى مع القناة 12 في دولة الاحتلال خلال الشهر نفسه، قال إنه يتوقع أن تؤدي محاولات التسلل المتكررة إلى فرض “أمر واقع” يدفع حكومة الاحتلال إلى القبول بالاستيطان.
إلى جانب عزاريا، يبرز جوناثان ليفي (יונתן לוי)، المنسق الميداني للحركة وأحد أبرز منظّريها الأيديولوجيين. ويعتبر ليفي أن الوجود العسكري وحده لا يكفي لردع “التهديد السوري الجديد”، ويرى أن “الاستيطان المدني هو الرادع الحقيقي الوحيد”، كما يروّج لفكرة أن “الباشان ليست أرضاً سورية بل أرض توراتية موعودة”.
أما الشخصية الثالثة البارزة فهي يوسف لوريا (יוסף לוריא)، أحد المتحدثين باسم الحركة، والذي يدعو بدوره إلى تسهيل الاستيطان في جنوب سوريا.
شرعنة الحركة سياسياً داخل دولة الاحتلال
بالتوازي مع اقتحاماتها المتكررة للأراضي السورية، بدأت الحركة في التغلغل داخل المؤسسة السياسية في دولة الاحتلال سعياً إلى اكتساب شرعية أوسع.
وفي يناير 2026، استضاف الكنيست فعالية بعنوان “تحية لرواد الاستيطان”، كرّمت خلالها عضوة الكنيست ليمور سون هار ميلخ (לימור סון הר-מלך) حركة “رواد الباشان” ومؤسسها عاموس عزاريا، فيما حملت شهادة التقدير توقيع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (איתמר בן גביר).
ولم يتوقف الأمر عند الدعم البرلماني، إذ فتحت الحركة قنوات اتصال مباشرة مع وزراء في حكومة الاحتلال. ففي 27 أبريل 2026، نشرت صورة على منصة “إكس” تجمع عزاريا بوزير الاتصالات في دولة الاحتلال شلومو كرعي (שלמה קרעי).
وقالت الحركة إنها ناقشت مع الوزير تعزيز تغطية الاتصالات الخلوية في منطقة الباشان ومحيط جبل الشيخ، في خطوة تشير إلى محاولة تهيئة بنية تحتية لوجود استيطاني دائم.
كما حظيت الحركة بدعم علني من وزير الشتات في دولة الاحتلال عميحاي شيكلي (עמיחי שיקלי)، الذي ظهر في فيديو بتاريخ 26 فبراير 2026 مؤيداً لتحركاتها في الجنوب السوري، وقال تعليقاً على ما سمّته الحركة “العودة إلى الباشان”:
“هذه أرضنا، والعودة إلى الباشان هي التصحيح اللازم”.
وتشير هذه التحركات إلى أن “رواد الباشان” لا تسعى فقط إلى تبرير اقتحاماتها للأراضي السورية، بل إلى إدخال فكرة الاستيطان في جنوب سوريا إلى دائرة النقاش السياسي الرسمي داخل دولة الاحتلال.
وعلى المستوى القانوني، تعمل الحركة على توفير حماية قانونية لأعضائها، عبر التعاون مع منظمة “حونينو” (חונינו) اليمينية، المتخصصة في الدفاع عن المستوطنين، والتي تولّت تمثيل عدد من عناصر الحركة بعد توقيفهم.
خاتمة
يكشف تتبع مسار “رواد الباشان” خلال عام واحد أن خطورة الحركة لا تكمن فقط في اقتحاماتها المتكررة للأراضي السورية، بل أيضاً في قدرتها على استغلال الهشاشة الأمنية والسياسية في الجنوب السوري لتحويلها إلى مساحة اختبار لمشروع استيطاني جديد.
فالحركة التي بدأت كمجموعة صغيرة توثّق اقتحاماتها عبر الكاميرات، باتت اليوم تبني شبكة علاقات سياسية ودينية وقانونية داخل دولة الاحتلال، وتسعى إلى تحويل الاستيطان في جنوب سوريا من فكرة هامشية إلى مشروع قابل للنقاش والتطبيق.
وما يزيد خطورة هذا المسار أن الحركة لا تختبر حدود الأرض فقط، بل تختبر أيضاً حدود ردود الفعل: من تعامل جيش الاحتلال مع اقتحاماتها، إلى مدى استعداد المؤسسات في دولة الاحتلال لاحتوائها أو دعمها، وصولاً إلى طبيعة الرد السوري على تحركاتها المتكررة.
المصدر: سجل
