في الوقت الذي يعلن فيه وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار استمرار بلاده في دورها كوسيط بين طهران وواشنطن، يثير هذا الموقف تساؤلات عميقة حول النوايا الحقيقية وراء هذه الجهود.
فباكستان، التي تُقدم نفسها كلاعب محايد يسعى للتقريب بين الطرفين وتحقيق “اتفاق سلام”، قد تكون في الواقع تغطي صفقة أكبر تُمهد لجولة جديدة من العدوان الأمريكي-الصهيوني على الجمهورية الإسلامية.تاريخياً، لم تكن الوساطات الدبلوماسية في الشرق الأوسط بريئة دائماً.
فالولايات المتحدة، بدعمها اللامحدود للكيان الصهيوني، استخدمت في الماضي أدوات “السلام” لكسب الوقت، إعادة ترتيب الأولويات، أو حتى جمع معلومات استخباراتية عن نقاط الضعف الإيرانية.
اليوم، بعد التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته المنطقة، ووسط استمرار التوترات حول الملف النووي والممرات البحرية، تبدو الوساطة الباكستانية كأداة مريحة للجانب الأمريكي.باكستان ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، سواء عبر المساعدات العسكرية أو التنسيق الأمني وقد تآمر قائد جيشها عاصم منير على لإسقاط عمران خان وحاول اغتياله ، كما أنها لا تستطيع تجاهل الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تواجهها. في الوقت نفسه، تحافظ على روابط دينية وجغرافية مع إيران.
هذا التوازن الهش يجعلها الوسيط “المثالي” في نظر واشنطن: وسيط يتمتع بمصداقية نسبية لدى الإيرانيين، لكنه غير قادر على فرض شروط تتعارض مع المصالح الأمريكية-(الإسرائيلية).
الخطر الحقيقي يكمن في أن هذه “الوساطة” قد تكون غطاءً لما يلي:
• كسب الوقت: إعادة تموضع القوات الأمريكية والصهيونية، وتعزيز التحالفات الإقليمية، واستكمال الاستعدادات لضربة أوسع.
• تقسيم الجبهة الإيرانية: من خلال إغراء طهران بـ”تخفيف عقوبات” مؤقت أو وعود دبلوماسية، لإضعاف إرادتها في المقاومة.
• تبرير العدوان المقبل: إذا فشلت المفاوضات – كما هو متوقع إذا رفضت إيران التنازل عن حقوقها النووية أو سيادتها – يمكن لواشنطن و الكيان القول: “لقد حاولنا السلام، لكنهم رفضوا”.
إن التاريخ يعلمنا أن “السلام” الأمريكي غالباً ما يكون مقدمة للحرب. من أفغانستان إلى العراق، مروراً باتفاقيات أبراهام، كانت الدبلوماسية دائماً أداة في خدمة الهيمنة. على إيران والقوى المقاومة في المنطقة أن تتعامل مع هذه الوساطة بحذر شديد: لا ترفض الحوار إذا كان جاداً، ولكن لا تثق بوسيط يجلس على طاولة واحدة مع الذئب، ويعد الغنم بالحماية.
الوساطة الباكستانية قد تكون فرصة حقيقية للسلام إذا كانت نزيهة، لكن الشكوك المحيطة بها تجعلها أقرب إلى كونها ستاراً دخانياً لعدوان صهيوني-أمريكي جديد. اليقظة والوحدة هي السلاح الأقوى أمام مثل هذه الألاعيب.
نجاح محمد علي
