في يومٍ يشهد على نبل الرجال وصدق المواقف، رحل عن دنيانا الشيخ صالح ضو، أحد أعلام الكرامة الوطنية والأخلاقية الذين لم يعرفوا التصنيفات ولا الحواجز الطائفية. رحل شيخٌ درزيٌّ، يبكيه شيخٌ سنيٌّ، وتجمع عليه قلوب المؤمنين بالحق والمقاومة.نقرأ في شهادة الأسير المحرر الشيخ جهاد السعدي كلماتٍ تهز الوجدان: “رَحَلَ الْيَوْمَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكَرَامَةِ… رَجُلٌ لَمْ تَكُنْ فِلَسْطِينُ عِنْدَهُ شِعَارًا، بَلْ مَوْقِفًا… وَلَمْ يَكُنِ الْجَنُوبُ عِنْدَهُ خَبَرًا، بَلْ قَضِيَّةً وَشَرَفًا وَوَفَاءً.”
إنها فلسطين، تلك البوصلة التي لا تخطئ، والتي كانت أكبر من كل الانتماءات الضيقة، وأعلى من كل الأصوات التي تفرق. حين ارتدى الشيخ صالح ضو الكوفية وحمل خريطة فلسطين، لم يكن يؤدي دوراً أو يرفع شعاراً عابراً، بل كان يجسّد حالةً نادرة من الرجال الذين يربون مواقفهم على الثبات، ويدفعون ثمن قناعاتهم بالصدق لا بالادعاء.الشيخ جهاد السعدي، الذي عانى سجون الاحتلال، يقدّم اليوم درساً في الوفاء والوحدة، حين يبكي أخاه في الوطن قبل المذهب، وحين يقول بكل فخر: “هُوَ شَيْخٌ دُرْزِيٌّ… وَأَنَا شَيْخٌ سُنِّيٌّ… لٰكِنَّ فِلَسْطِينَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ التَّصْنِيفَات”. في هذه الكلمات خلاصة ما يحتاجه عالمنا العربي اليوم: رجال يعرفون العدو الحقيقي، ويتمسكون بالحق دون مساومة.
من جانبه، وصف الكاتب والإعلامي ناصر قنديل رحيل الشيخ صالح ضو بـ”الانطفاء المؤلم لهذا الضوء الراقي بينما رقعة العتمة تتوسع في الوطن”. وأكد أن الراحل كان “مثقفاً وفكراً وحدوياً وطنياً ومقاوماً”، وأن بوصلته كانت فلسطين دائماً. وهي شهادة من رجل عرفه عن قرب، وتشارك معه في منصات إعلامية ومنتديات “سيف القدس”.
وتنعي هيئة تحرير موقع طوفان ومنتدى شباب سيف القدس ببالغ الأسى والحزن، هذا المصاب الجلل، فتفقد الأمة اليوم واحداً من أبرز رجالاتها الذين حملوا همَّها على أكتافهم، وساروا في درب المقاومة لا يلويون على شيء. لقد كان الشيخ صالح ضو مدرسةً في الصدق والثبات، ونموذجاً نادراً للقيادة الأخلاقية التي تسبق الانتماءات الضيقة إلى رحابة الإنسانية والعدالة.
إن هيئة التحرير، إذ تنعى هذا العلم الشامخ، لتؤكد أن سيرته ستبقى مناراً للأجيال، وأن صوته الذي لم يخفت يومًا في وجه الظلم سيبقى يتردد في كل زاوية تنادي بالحرية والكرامة. رحم الله الفقيد العظيم، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ورفاق دربه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.إنها لحظة وداعٍ ثقيلة، لكنها أيضاً لحظة تأمل في معنى الوطنية الحقيقية.
الشيخ صالح ضو لم يكن مجرد ناشط أو خطيب، بل كان مدرسة في الكرامة، نموذجاً للإنسان الذي يقرأ التاريخ بوعي، ويدرك أن الاحتلال هو العدو الأول، وأن التحرير يحتاج إلى وحدتي الدم والموقف قبل وحدتي الطائفة واللون.”هنيا لك يا شيخنا المقاوم”، هكذا خاطبه الشيخ جهاد السعدي، معترفاً بأن الرجال لا تقاس بأسمائهم بل بثباتهم وصدقهم.
رحم الله الشيخ صالح ضو، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كفاحه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وداعاً يا شيخ المقاومين.. سيبقى نورك الساطع يضيء عتمة الوطن، وستبقى مواقفك شاهداً على أن الكرامة تجمع، وأن فلسطين أكبر.
