في كواليس السياسة الدولية ونتائج المعارك، لا تُقرأ التحركات الدبلوماسية في المفاوضات بوصفها بحثاً عن “صفقة” أو تنازل، بل غالباً ما تكون تمهيداً لـ”منازلة”. هذا هو التوصيف الدقيق للمشهد الحالي بين طهران وفريق ترامب. للأسف، بعض السطحيين أو من يعملون لأجندة موجهة يرونها مفاوضات بين القوي الأمريكي والضعيف الإيراني سيتنازل فيها الضعيف ويتراجع تحت وطأة التهديد والقوة، لكن في العقل الاستراتيجي الإيراني الأمور تختلف وستكشف لنا الأيام عن مناورة تاريخية من طراز مختلف، هذا إن لم تحصل القطيعة وتنفجر المنطقة برمتها.يشير البروفيسور جيانغ تشين، الخبير في الجيوسياسية، في حواره مع الإعلامي تاكر كارلسون إلى نقاط مهمة واستشراف يمكن للعقول الباحثة الاستفادة منها:· أن حرب إيران مستنقع لأمريكا بلا قاع… والصين ستكون الخاسر الأكبر فيها على المدى الطويل، وهذه الحرب ستكون مرهقة وطويلة ولا طرف سيعترف فيها بالهزيمة.

والأمريكيون كان لديهم قرار ارتجالي للدخول فيها، وليس لديهم استراتيجية للخروج منها.· كما تطالب إيران بتعويض قدره 1 تريليون دولار، وخطتهم البديلة لنيل هذا المبلغ بفرض رسوم عبور بنسبة 10% على كل سفينة تمر عبر مضيق هرمز ذكية، ليصبح مجمل الإيرادات السنوية المتوقعة: 800 مليار دولار. وهذا المبلغ سيعيد بناء إيران أحسن من السابق.· أما النقطة المهمة التي لا يتحدث عنها أحد: أن أمريكا لا تحارب من أجل إيران ولا للحريات والديمقراطية ولا للدفاع عن دول المنطقة، بل تحارب حتى لا تنهار هي نفسها.· إذا انسحبت أمريكا من المنطقة ستصبح دول الخليج تابعة لإيران، وسينهار نظام البترودولار. وأمريكا التي لديها دين بقيمة 39 تريليون دولار ستواجه انهياراً اقتصادياً حقيقياً.

والإمارات ستتأثر بطريقة لم يتوقعها أحد.كان الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية حاسماً وشديد الدلالة لكشف حدود القدرة الأمريكية بفرض إيقاعها على الغير. لم يكن مجرد موقف تفاوضي، بل أصبح رسالة للجميع أن زمن الإخضاع قد انتهى. إذ تراهن طهران على ظروف دولية مختلفة، حيث تتداخل الجبهات وتتشابك الأزمات وتتقاطع المصالح. من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن جنوب لبنان إلى العراق، ومن قرن إفريقيا إلى بحر قزوين.

بهذا، لم تعد واشنطن تواجه ساحة منفصلة، بل شبكة تستنزفها لأجل هدف واحد، كل ضغط فيها ينتج ضغطاً مضاداً في مكان آخر عابر في نتائجه وارتداداته لجغرافيا المنطقة.أظهرت إيران في المفاوضات مرونة مدروسة في التعامل مع المطالب الأمريكية لجس نبض الأمريكي وتحييد آخرين وإقامة الحجة أمام الرأي العام. فبدلاً من الرفض المباشر أو القبول غير المشروط، اختارت مساراً يجمع بين التصعيد المحدود والانفتاح على الحوار، وهو ما أتاح لها الحفاظ على خطوط تواصل مع أطراف دولية لتفريغ الشروط الأمريكية وبالتالي مشاريعها في المنطقة.

هذا النهج لم يمنع الضربات العسكرية، لكنه ساهم في تقييد قدرتها على تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة.على الصعيد العسكري، لم تُفضِ الضربات الجوية إلى تغيير جوهري في القدرات الإيرانية. فقد أظهرت التقارير أن نسبة كبيرة من المنصات والصواريخ بقيت خارج دائرة التأثير ولم تُستهدف لعمق وسائل التحصين.

في المقابل، واجهت الولايات المتحدة تكاليف باهظة في العملية العسكرية التي تقودها، سواء من خلال فاتورة البنتاغون للحرب أو من خلال الزيادة الملحوظة في أسعار الطاقة، وهو ما يعكس طبيعة الاستنزاف التي تفرضها مثل هذه المواجهات على الطرف الأقوى عسكرياً.واشنطن، التي اعتادت إدارة الجبهات منفصلة، والتي خسرت أغلبها (العراق، أفغانستان، الصومال وغيرها)، هي اليوم أمام معركة في ارتداداتها ذات تأثير مختلف، حيث تتحول إلى ضغط في بورصة آسيا وأسواق أوروبا ومحطات بنزين أمريكا، وارتباك في الطاقة، وتعطيل في التجارة الدولية، وتوقف في سلاسل الإمداد، وقيمة الأسهم، وارتفاع الذهب، والنمو الاقتصادي، والاستقرار السياسي والاجتماعي. بحنكة طهران بإخراج هذه المعركة من ضربة أمريكية خاطفة إلى حرب استنزاف عابرة.

إن المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة كبيرة، وإن لم تظهر أغلب حقائقها حتى الآن، لكنها شكلت اختباراً لقدرة كل طرف على إدارة الصراع وفق حسابات تكتيكية واستراتيجية طويلة الأمد. عملت خلالها طهران على تحويل الضربات وامتصاصها ونجحت، وقلبت المعادلة لصالحها بينما وجدت واشنطن نفسها أمام معركة دخلتها يصعب عليها الخروج منها دون إعلان انتصار وازن.

في الوقت نفسه، نجحت إيران في ربط جبهات متعددة في المنطقة، وهذا عنصر جديد في إدارة الحروب منذ زمن الحرب العالمية الثانية، من العراق إلى اليمن ومن لبنان إلى فلسطين، مما أدى إلى توزيع الضغوط على أكثر من ساحة. وهو انعكاس طبيعي بحسابات متقنة لصراع يتجاوز حدود وطن واحد، ويجعل من الصعب على الأمريكي تحقيق انتصار سريع وحاسم.

إن التسريبات الأخيرة للبنتاغون حول إمكانية عمليات برية في العمق الإيراني في جزيرة خارك، يعمل لها بحشد بحري وجوي غير مسبوق ليشمل حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وغواصات نووية. هذا كله لا يعكس فائض قوة، بل يجسد حالة من الإفلاس العملياتي بعد عجز الحملة الجوية الأولى عن تحقيق أهدافها.

أما التسريبات التي كشفت عنها صحيفة نيويورك تايمز حول خطط مساعدي ترامب لاستئناف الضربات العسكرية، والتي ستتجاوز في خطورتها الحرب السابقة، وإمكانية نشر قوات لعمليات خاصة على الأرض للسيطرة الدائمة على الجزيرة النفطية، أو إنزال في أصفهان لتأمين اليورانيوم عالي التخصيب، فهذا يمثل انتحاراً عسكرياً بكل المقاييس الأكاديمية والتكتيكية. عمليات بهذا الحجم والمعقدة في عمق أراضي الخصم وفي بيئة جبلية محصنة، تتطلب إنزالاً جوياً كبيراً وتدخلاً بحرياً هائلاً، وآلافاً من قوات الدعم لتأمين اللوجستي وطوق الحماية والإمداد، مما يضع ألوية النخبة الأمريكية في مصيدة محكمة أمام الحرس الثوري الإيراني والجيش الشعبي. هذا الطرح العبثي يعكس حقيقة واحدة: إن الإدارة الأمريكية، بعد استنزاف 29 مليار دولار وكميات هائلة من صواريخ الاعتراض، تدرك أن القصف الجوي الكلاسيكي…

حسن بن عمارة