تفاوض لاستعادة السيادة أم غطاء لخطة اسرائيل؟
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
كان الموقف اللبناني الرسمي يقوم على اعتبار جولات التفاوض السابقة مجرد عمل تحضيري لبدء التفاوض لأنه كان يشترط للدخول في المفاوضات أن يتم تثبيت وقف إطلاق النار، بعدما كانت السلطة اللبنانية تقول طوال المرحلة السابقة إن أي تفاوض يفترض شرطين واضحين: تثبيت وقف فعلي لإطلاق النار، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي. لكن ما حدث في واشنطن مع بدء التفاوض أظهر تراجعًا عمليًا عن هذا الربط حتى بعد القول إن تثبيت وقف النار سوف يكون البند الرئيسي للتفاوض ما لم يتحقق قبل التفاوض، وها هي الجولة الاولى رسميا برئاسة الدبلوماسي المخضرم سيمون كرم تبدأ وتنتهي ولا تثبيت لوقف إطلاق النار رغم يومين من المفاوضات قيل أنها كانت مثمرة وتم تمديدها وتحديد جداول ملحقة لها منها تشكيل لجنة عسكرية مشتركة، رغم وجود الميكانيزم الذي نتج عن فق 2024 وكان السفير كرم رئيسا للوفد اللبناني في الجلسات الأخيرة قبل الانتقال الى التفاوض المباشر.
. دخل لبنان إلى التفاوض بينما القصف مستمر، والاحتلال قائم، والطائرات الإسرائيلية تواصل الغارات، والتجريف يتسع، والاغتيالات لم تتوقف. وهذا يعني أن التفاوض لم يعد نتيجة لوقف الحرب، بل صار يُدار تحت النار وبشروطها، وهنا يصبح الحديث عن تمديد وقف النار 45 يومًا مسألة تحتاج إلى تدقيق هادئ. فالمهم ليس رقم الأيام، بل مضمون التمديد. هل نحن أمام تمديد لوقف نار يُلزم إسرائيل بالتوقف عن الأعمال العدائية؟ أم أمام تمديد للصيغة الأميركية نفسها التي منحت إسرائيل حق مواصلة العمليات العسكرية تحت عنوان “مواجهة التهديد المحتمل”؟ وطالما أن ما أعلن هو مجرد التمديد لما هو قائم فهذا يعني أن لا تعديل لصالح تصحيح صيغة وقف النار الاسمي، أي التمديد لمواصلة إطلاق النار، حيث تحول “وقف النار” عمليًا إلى غطاء قانوني وسياسي لحرب تقرر إسرائيل حدودها الجغرافية ومدى النيران الذي تحتاجه فيها، لا إلى وقف للحرب.
الأهم أن تعبير مواجهة “التهديد المحتمل” ليس مجرد توصيف أمني جائر بحق لبنان يمنح اسرائيل فرصة احتكار تحديد ما يستدعي القيام بعمل حربي وطبيعة هذا العمل الحربي، . لأن الواضح ان هذا التعبير تم اعتماده ليمنح إسرائيل الغطاء لتنفيذ سياسة تهجير وتدمير ممنهجة جنوب الليطاني. وهكذا صدرت دعوات علنية لإخلاء عشرات ومئات القرى وبلدات بكاملها ودفع كل سكانها الى مناطق بعيدة يقررها الاحتلال، وما علاقة ذلك بالتهديد المحتمل، ثم جرى قصف العديد من هذه القرى وتجريفها بصورة منظمة. وخلال مرحلة “وقف النار الجديد” طال التدمير عشرات آلاف المنازل والبنى الزراعية والخدماتية، وفي شهر واحد تم تجريف 50 ألف منزل في المنطقة المسماة بالمنطقة الصفراء، في سياق بدا أقرب إلى إعادة تشكيل جغرافية الجنوب ديموغرافيًا وعمرانيًا، لا إلى معالجة خطر عسكري مباشر.
المفارقة الأساسية التي يجري تجاهلها في الخطاب الأميركي والإسرائيلي تتصل بالحديث عن تهديد وهمي، حيث تقول الوقائع الثابتة أنه بعد وقف النار في 2024، كان جنوب الليطاني عمليًا تحت سيطرة وانتشار الجيش اللبناني. لم تُطلق صواريخ على إسرائيل، ورغم سقوط مئات الشهداء ووصل الغارات الى العاصمة ومناطق لبنانية عديدة بقيت المقاومة على التزامها بوقف النار والسليم بالوقوف وراء الدولة و مساعيها الدبلوماسية لضمان الالتزام الإسرائيلي باتفاق 2024، و بفعل ذلك عاشت المستوطنات الشمالية حالة أمن واستقرار غير مسبوقة مقارنة بما قبل الحرب. أي أن الهدف الذي تقول إسرائيل إنها تريده، تحت مسمى أمن الشمال ومنع العمليات كان متحققًا فعليًا.
لبنان هو من حرم بعد اتفاق 2024 من الشعور بالأمن والسيادة، حيث استمرت الغارات واستمرت الاغتيالات و استمر الاحتلال و واستمر التدمير والتجريف.وهذا يعني أن المشكلة الإسرائيلية لم تكن في غياب الأمن، بل في وجود معادلة قائمة تقول إن جنوب الليطاني يمكن أن يكون هادئًا بوجود الجيش اللبناني ومن دون حرب، من دون أن تحصل إسرائيل في المقابل على تغيير سياسي واستراتيجي داخل لبنان، يرتبط بالسيطرة على جنوب الليطاني وضمه لاحقا والاستيطان فيه عندما تتيح الظروف ذلك، وهذا ما يجب أن يطرح التساؤلات حول مبرر تشكيل اللجنة العسكرية التي تُطرح برعاية البنتاغون. كنتيجة جلسة التفاوض، والسؤال ليس في اسم اللجنة، بل في طبيعة المهمة التي تُبنى لها. لو كان الهدف فقط تحضير خرائط الانسحاب أو تثبيت وقف النار، لكانت لجنة الميكانيزم المنشأة بموجب اتفاق 2024 كافية للمهمة، وكل الوقائع الميدانية بعد 2024 كافية لإثبات نجاح هذا النموذج، حيث الجيش اللبناني منتشر، الحدود هادئة، والمستوطنات آمنة.
لكن ما يبدو مطروحًا يتجاوز ذلك نحو محاولة بناء دور أمني جديد للدولة اللبنانية وأجهزتها، عنوانه العملي ليس استعادة الأرض اللبنانية أو وقف الاعتداءات، بل المشاركة في إدارة ملف المقاومة بما يحقق أهداف الحرب الإسرائيلية. خصوصا ان ما مر من حرب خلال شهرين يقول وفق الاعترافات الإسرائيلية بفشل كبير في فرض الإرادة أمام بسالة وتفوق تقنيات المقاومة وتكتيكاتها، وهنا تصبح المقارنة مع التجربة الفلسطينية ذات دلالة عميقة. حيث انتقلت إسرائيل بعد عجزها عن القضاء الكامل على المقاومة الفلسطينية، إلى بناء منظومة تنسيق أمني تجعل العبء الأمني الفلسطيني جزءًا من حماية الأمن الإسرائيلي، بينما استمر الاحتلال والاستيطان والاغتيالات.
الخشية اللبنانية اليوم ليست فقط من استمرار الحرب، بل من إعادة تعريف معنى السيادة نفسها. أي الانتقال من مفهوم يعتبر السيادة استعادة الأرض وحماية اللبنانيين من الاحتلال والاعتداءات، إلى مفهوم جديد يُقاس فيه نجاح الدولة بقدرتها على ضمان أمن إسرائيل ومنع أي مقاومة، حتى بينما يبقى الاحتلال والعدوان قائمين، حتى لو كانت النتيجة أخذ لبنان الى الحرب الأهلية.