من «وضع الأجندة» إلى «صناعة القبول»: الإعلام اللبناني يختبر التطبيع

يعمد بعض وسائل الإعلام في لبنان إلى تبني نظريات تسعى إلى خلق رأي عام حول أفكار لم تكن سابقاً مقبولة أو مطروحة في المجتمع اللبناني، بمختلف طوائفه، مثل قضايا التطبيع أو «السلام مع إسرائيل».
لجأت هذه المؤسسات إلى استثمار مبالغ كبيرة في إنتاج برامج إعلامية، بهدف الترويج لهذه الأفكار وخلق بيئة تقبلها محليًا، ضمن خطط تواصلية مدروسة.
تندرج هذه الممارسات التي تقوم بها هذه البرامج ضمن ما يُعرف بـ«نظرية وضع الأجندة»، التي طوّرها كل من ماكسويل مكومبس ودونالد شو عام 1972.
تفترض هذه النظرية أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس كيف يفكرون، بل تحدد لهم ما الذي ينبغي التفكير فيه. فعندما يتم التركيز على قضية معينة وفتح النقاش حولها، تصبح في صدارة اهتمام الجمهور.
وقد اعتمدت بعض القنوات على البرامج الحوارية كأداة لتطبيق النظرية، حيث تستضيف آراء مختلفة، إلا أن الملاحَظ هو دعم واضح للآراء المؤيدة للتطبيع.
يظهر ذلك من خلال تفاعل الجمهور داخل الاستوديو، الذي يميل إلى التصفيق لهذه الآراء التي تجرم المقاوم والمدافع عن الارض، وكذلك من خلال أسلوب المقدم الذي يبدو منحازًا في بعض الأحيان.
يتناول كل من نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان هذه الظاهرة في كتابهما «صناعة القبول»، حيث يوضحان كيف تؤثر القوى الاقتصادية والسياسية في إنتاج الأخبار وتشكيل الرأي العام. ويستند الكتاب إلى «نموذج الدعاية»، الذي يرى أن الانحياز الإعلامي لا ينتج بالضرورة عن رقابة مباشرة، بل عن عوامل بنيوية تُعرف بـ«المرشحات». ومن أبرزها: ملكية وسائل الإعلام، الضغوط والانتقادات المنظمة، والافتراضات الأيديولوجية السائدة.
تؤدي هذه العوامل إلى إنتاج محتوى إعلامي يدعم مصالح النخب السياسية، مع تهميش الآراء المعارضة، وهو ما يمكن ملاحظته في بعض البرامج المشار إليها.
بعدما فتحت اسرائيل حربها مجدداً على لبنان، لجأت السلطة إلى الدخول في «مفاوضات مباشرة» مع العدو، من دون امتلاك ورقة ضغط لاستخدامها في المفاوضات، ومن دون اجماع شعبي وسياسي على ذلك.
وعوضاً عن ان تعمل هذه المؤسسات الاعلامية على نشر رأي الشعب، بدأت بالترويج لهذه المفاوضات عبر البرامج الحوارية، على أنّها الحل الأمثل لانهاء الحرب.
من جهة أخرى، تعتمد هذه الوسائل الإعلامية على مجموعة من الآليات لترسيخ مفاهيم جديدة عبر النقاش، مثل اختيار القضية عبر طرح موضوع لم يكن في السابق قابلاً للنقاش، مثل «التطبيع» وتجريم المقاومة، وإدخاله إلى المجال العام.
كما تعتمد على إعادة الطرح من خلال تناول القضية نفسها بطرق متعددة، عبر البرامج الحوارية، المقابلات الميدانية، والمحتوى الرقمي.
فقد شاهدنا على مواقع التواصل الاجتماعي بعض المقابلات الميدانية التي طلبوا فيها من الناس ابداء رأيهم في التطبيع، ولكن الغريب في الامر أنهم لم يعطوا مجالاً لمن كانوا ضد فكرة السلام مع العدو.
أما عن التكرار فلجأت المؤسسات الاعلامية الى إعادة عرض الفكرة بصيغ مختلفة، كربط قضايا أخرى بها، مثل تحميل بعض الأطراف مسؤولية الأزمات التي كانت مطروحة سابقاً كعملية تبيض او تجميل ما يقوم به العدو.
وكنوع من انواع التكرار، تعتمد هذه المؤسسات على تنويع الضيوف، اي استضافة آراء متعددة بهدف إبقاء النقاش مستمرًا، ما يعزز حضور القضية في وعي الجمهور.
ومن الأمثلة على ذلك، البرامج الحوارية، والمقابلات في الشارع، والمحتوى القصير الذي ينتشر عبر المنصات الرقمية، والذي يطرح هذه القضايا أمام شريحة واسعة من الجمهور مثل الفيديو الذي انتشر عن قول احدهم «بدنا سفارة اسرائيل ببيروت».
هذا ما جعل النقاش في متناول شريحة اوسع في المجتمع اللبناني.
كما جعله أكثر قابلية للنقاش بين الناس. فالهدف الآن ليس «السلام» مع اسرائيل فقط بل أن يصبح الموضوع مقبولاً بين اللبنانيين.
في المحصلة، تعمل هذه الأساليب على التأثير التدريجي في الجمهور، عبر بناء رأي عام يميل إلى تقبل أفكار جديدة، وإعادة تشكيل مفاهيم قائمة.
وفي ظل ذلك، يبقى السؤال المحوري: في دولة ينص قانونها على معاقبة من يدعو إلى السلام مع العدو أو يطالب بالتطبيع، أو يصافح العدو، هل ستقوم الدولة بتطبيق هذه القوانين على هذه الحالات، أم أن الواقع الإعلامي الجديد فرض معادلة مختلفة، خصوصاً أنّ الدولة التي وضعت تلك القوانين هي من تخالفها.
علي بنجك-الاخبار