ليس التموضع الأوروبي الذي يتظهر في اجتماع بروكسل الرفيع المستوى، حربيا، وبقرار الاتحاد بتفعيل اتفاقية التعاون مع سورية بشكل كامل نتيجة الانتخابات البريطانية، ولا أزمة فرنسا وألمانيا الأوكرانية، ولا جنوح إيطاليا وإسبانيا التحرري، ولا الورم القومي الأوروبي البولندي، إنما هو إدراك السياسة الأوروبية العميقة، والتي يقودها العقل الأوروبي البارد، لأهمية الاستفادة من دروس الصراعات التاريخية الداخلية والخارجية.

أما الداخلية، فابتداءً من الحرب العالمية الثانية، مرورا بالصراع بين الرأسمالية والاشتراكية اقتصاديا، وصولا إلى تظهير القوة الداخلية بإنشاء الاتحاد الأوروبي.
وأما خارجيا، فتتمثل بالستفادة من الصراعات الحربية، ومنها ما نسميه العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وإدراك أهمية حرب البحار والمضائق، عبورا بالحرب الباردة بكل مرفقاتها، وليس آخر نتائجها، حرب العراق أو إسقاط العالم العربي بربيع الموت الغربي، أو ما يسمى أميركيا “الشرق الأوسط الجديد”.

نعم، هذا الإدراك لأهمية التموضع الأوروبي الجديد، المبني على خلاصات عقلية يتقنها العقل الأوروبي البارد.
أولها: لا حرب مباشرة بين أوروبا وأي طرف آخر لحماية أوروبا، وللضرورة نحارب عبر بدلاء، كأوكرانيا، وحتى أميركا و”إسرائيل”.
وثانيها: أن الصين حاجة استراتيجية لأوروبا، لا يمكن التخلي عنها أو السماح لأحد بالتحكم في العلاقة الصينية الأوروبية ومستلزماتها، كالطرق بحرا وبرا وجوا، أو تحديد الأدوات المالية، كاليورو واليوان أو أي عملة أخرى.
بالإضافة إلى النقطة الأساسية الثالثة، وهي أن الشرق الأوسط، بين حوضه المتوسطي الدافئ وحوضه الشرقي الأكثر دفئا، والشامل لمضيق هرمز وبحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر حتى السويس، هو الجهاز التنفسي لأوروبا أكثر من أي أحد آخر، لا روسيا ولا أميركا. لأن أوروبا، دونه، لا تختنق فقط بل تموت، أما أميركا فقد تضعف دونه، وروسيا أيضا، لكنهما لن تموتا.

من هنا، فإن التموضع الأوروبي يُرسم بالقبض على العصا من الوسط بين أميركا وإيران، وبين الصين وأميركا، ولكن مع روسيا لا وسطية، لأن مصلحة أوروبا تقضي بإخراج روسيا من الجغرافيا الحيوية لأوروبا، ألا وهي “الشرق الأوسط”. وهذا ما بتنا ندرك، أو نلمس، آثاره الأولية، التي كان أكثر تجلياتها تمظهرا بإسقاط دمشق.

إذا، فأوروبا ذاهبة نحو حضور أكبر في الصراع، متيقنة من أن هذه الجغرافيا هي عقدة الالتقاء وميدان التفاهم، رغم كل حضور القوة العسكرية ومظاهر الاصطراع الحربي، ولكن سمة الحضور الأوروبي ستكون التوازن، والهدف إشباك اليد الأوروبية مع اليد الصينية، والتفاهم البنّاء بينهما على النظام العالمي الجديد.

13/5/2025
طارق سيف الدين