التاريخ لا يكرر أحداثه فحسب، بل ينسجها على نول الفواجع ذاته. ما نراه اليوم في “سوق النخاسة الرقمي” والنوادي الليلية التي تنهش أجساد السوريات، ليس إلا نسخة “كربونية” لزمن الحرملك العثماني؛ حيث استبدلت الجبة بالبدلة الرسمية، والسيوف بالبوابات الإلكترونية، بينما بقي المضمون واحداً: تحويل الإنسان إلى بضاعة سيادية.
خماسية الاستعباد: كيف تشابهت الأزمان؟
.١ ”الجزية البشرية” المتجددة: في زمن السلطنة، كانت “الدوشيرمة” تُنتزع من القرى المنهوبة؛ واليوم، تقوم عصابات “الجولاني” في إدلب ومافيات الخطف في السويداء وحلب والساحل بجمع هذه الجزية البشرية. الفتاة السورية اليوم هي “الجارية الحديثة” التي تُقدم كقربان للمشغل التركي مقابل بقاء حفنة من الخونة في كراسي السلطة.
.٢ السمسار من “الشام” إلى “قبرص”: تاريخياً، كان التجار اليهود في الشام يبيعون الجواري للسلاطين. اليوم، تطورت الأدوات لتصبح “كتالوجات” إلكترونية تدار من قبرص، حيث تحول السماسرة إلى شبكات مرتبطة بـ “رجال كبار” في الدولة والمخابرات، لبيع الفتيات كما تُباع الماشية.
.٣ الغطاء السيادي وشراكة “الكبار”: قديماً، كان السلطان هو الراعي الأول لسوق الرقيق. اليوم، تؤكد شهادة النائبة في البرلمان التركي أن 72 ألف وكر دعارة تعمل تحت حماية المخابرات والشرطة. هذه ليست جريمة “إهمال”، بل هي تجارة سيادية ومصدر دخل لرجال الدولة الذين يتقاسمون الأرباح مع المافيات.
.٤ إعدام الهوية (الحرملك المعاصر): كما كانت الجارية تُجرد من اسمها ودينها قديماً، يتم اليوم سحب الأوراق الثبوتية من السوريات المخطوفات فور وصولهن لتركيا. يُسجنَّ في “سكن طالبات” وهمي، ليتحولن إلى “أشباح” لا وجود لهن في السجلات الرسمية، تماماً كجواري العصور الغابرة اللواتي كنّ “سقطاً من المتاع”.
.٥ الاستهلاك والموت المجهول: في الماضي، كان مصير الجارية المغضوب عليها كيس خيش في قاع البوسفور. اليوم، تقتل المخدرات والإجهاض المتكرر الفتيات قبل سن الـ 25، لتختفي جثثهن بلا أثر، مع مخاوف من تحويل أجسادهن المنهكة إلى قطع غيار في سوق تجارة الأعضاء.
المأساة تكتمل حين ندرك أن “الخائن الداخلي” هو من فتح الباب. إن الجولاني وعصابته الذين نهبوا “سوريا الشام” بمستشفياتها ومصانعها وأوقافها وباعوها للتركي، ختموا سجل خيانتهم ببيع أعراض السوريات. إن استهداف الفتيات من السويداء إلى الساحل هو النتيجة الحتمية لسياسة “البيع الكلي” التي ينتهجها سماسرة الحروب.
إن ما نعيشه اليوم هو ارتداد لعقلية إمبراطورية ترى في شعوب المنطقة مجرد “غنائم حرب”. حين تجتمع المافيا مع أجهزة الأمن، وتصبح الدولة هي من يحمي “سوق النخاسة” ويجهض قوانين مكافحة الرق من أجل الأرباح، تسقط كل أقنعة الحداثة.
إنها صرخة لإنقاذ ما تبقى من كرامة سورية؛ تحالف (الجولاني والتركي) لم يترك للسوريين بيتاً يسكنونه، ولا عرضاً يصونونه. التاريخ لم يتغير، فقط الجلادون باتوا يرتدون ملابس أكثر حداثة، بينما النصل ذاته يذبح رقاب الأبرياء.
د. نبيلة عفيف غصن
