دلالات السقوط «الإسرائيلي» في مصيدة المقاومة وتغيّر قواعد الاشتباك

حسن حردان

تحوّلت حرب الاستنزاف التي تشنّها المقاومة ضدّ قوات الاحتلال “الإسرائيلي” في جنوب لبنان الى مصدر قلق متزايد لدى المحللين وصنّاع الرأي في كيان العدو لما باتت تحدثه هذه الحرب من خسائر فادحة يومية في صفوف الجنود الصهاينة، مما دفع محللين إسرائيليين الى القول:
انّ وقف إطلاق نار شامل مع حزب الله أفضل من الوضع القائم حالياً على الحدود الشمالية.
أما المستويات السياسية والأمنية الإسرائيلية فاعتبرت أنّ حزب الله بدخوله على خط الحرب مع إيران وقع في المصيدة الإسرائيلية، ليتبيّن لاحقاً أنّ “إسرائيل” هي التي سقطت في مصيدة حزب الله.
هذه المواقف والتداعيات في الداخل الإسرائيلي جاءت في ظلّ تصاعد هجمات المقاومة بواسطة المُسيّرات والصواريخ الموجهة وسقوط العشرات من القتلى والجرحى في صفوف جنود العدو وتدمير وإعطاب آليات صهيونية مدرّعة وهندسية في مؤشر على نجاح المقاومة في تحويل الجنوب الى جحيم يحرق قوات الاحتلال… فيما صواريخ المقاومة تفقد المستوطنين في المستوطنات الشمالية نعمة الأمن والاستقرار رداً على الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية…
ما هي دلالات هذه التطورات الميدانية وما تحدثه من تداعيات في الداخل الإسرائيلي؟
هذه التطورات تعكس تحوّلاً جوهرياً في مسار المواجهة بين المقاومة وجيش الاحتلال، في حين تكشف تصريحات المحللين الإسرائيليين حجم المأزق الذي تواجهه حكومة العدو.
أولاً: دلالة تحوّل الجنوب الى مصيدة لجنود العدو
في بداية المواجهة، كانت التقديرات الإسرائيلية تراهن على أنّ جرّ حزب الله إلى حرب مفتوحة سيمنحها “الشرعية الدولية” والغطاء العسكري لتدمير قدراته، لكن الواقع الميداني جاء بنتائج معاكسة حيث وقع جنود الاحتلال في مصيدة المقاومة مما ادى الى:
1 ـ نجحت المقاومة في فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد ضدّ قوات الاحتلال لم تعتد عليها العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي تفضل الحروب الخاطفة.
2 ـ تآكل الردع الإسرائيلي، فبدلاً من تدمير قدرات المقاومة، وجد جيش العدو الإسرائيلي نفسه في حالة دفاعية أمام مُسيّرات انقضاضية وصواريخ دقيقة تضرب أهدافاً نوعية.
ثانياً: تحوّل الجنوب الى جحيم لقوات الاحتلال
الاعترافات الإسرائيلية اليومية بتدمير وإعطاب آليات وسقوط القتلى والجرحى في صفوف الجنود الصهاينة يشير إلى عدة دلالات عسكرية…
الدلالة الأولى، التطور التكنولوجي للمقاومة: الاستخدام الكثيف للمُسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة (مثل الماس وغيرها) أضعف التفوّق التكنولوجي الإسرائيلي وجعل التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب وخلف الحدود مكشوفة وعرضة للخطر.
الدلالة الثانية، العمق الاستراتيجي: لم يعد القتال محصوراً في “الحافة الأمامية”، حيث تمكنت المقاومة من نقل نيرانها إلى مراكز القيادة والقواعد اللوجستية للعدو، مما أفقد القوات الإسرائيلية القدرة على المناورة بحرية.
ثالثاً: معضلة المستوطنات المهجورة وانعدام الأمن والاستقرار،
تعتبر المستوطنات الصهيونية في الشمال الفلسطيني المحتلّ، هي “الخاصرة الرخوة” بالنسبة للكيان، ومعضلة حقيقية لصناع القرار الاسرائيلي نتيجة:
1 ـ الفشل في إعادة المستوطنين الى مستوطناتهم.. فالقناعة بأنّ “وقف إطلاق النار أفضل من الوضع القائم” نابعة من ضغط اجتماعي واقتصادي هائل؛ فـ “إسرائيل” لا تستطيع الاستمرار في وضع يعيش فيه عشرات الآلاف من مستوطنيها كلاجئين داخل الكيان.
2 ـ نجاح المقاومة في فرض معادلة لا أمن للمستوطنات من دون تحقيق الأمن في القرى والبلدات الجنوبية، وبالتالي لا عودة للمستوطنين الى مستوطناتهم بدون عودة الجنوبيين الى قراهم.
رابعاً: النتائج والخلاصات
تُشير هذه التطورات الآنفة الذكر إلى ما يلي:
نجاح المقاومة في تغيير قواعد الاشتباك: لم تعد “إسرائيل” هي من يحدّد سقف التصعيد بمفردها.
ـ أزمة القيادة: التخبّط بين المستويين السياسي والأمني في إسرائيل يعكس غياب ـ رؤية واضحة للخروج من “المصيدة” اللبنانية دون دفع ثمن سياسي باهظ.
ـ فعالية “تعدد الجبهات”: إشغال جيش الاحتلال الإسرائيلي على جبهات متعددة أضعف تركيزه العسكري وزاد من وتيرة خسائره البشرية والمادية.
باختصار، ما يحدث الآن هو حرب استنزاف متبادلة، ولم تعد حرب استنزاف من جانب واحد كما كانت تسعى حكومة العدو، في حين أصبح الأمن المفقود في المستوطنات الصهيونية ورقة ضغط استراتيجية بيد المقاومة تجبر المحللين والسياسيين الصهاينة على إعادة النظر في جدوى الاستمرار في الحرب ضدّ لبنان.