سلطةٌ تفاوض من موقع المهزوم لا من موقع الدولة
منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني 2026، لم يتعامل الحكم اللبناني مع العدوان الصهيوني بوصفه اعتداءً على السيادة الوطنية، بل بوصفه أمراً واقعاً ينبغي التكيّف معه. هكذا تحوّل اتفاق وقف إطلاق النار، الذي كان يفترض أن يكون مدخلاً لحماية الجنوب وإعادة تثبيت الردع الوطني، إلى مظلةٍ لمرحلة طويلة من التنازلات السياسية والأمنية، تنازلٌ بعد تنازل، حتى بدا المشهد وكأن السلطة لا تدير دولة، بل تدير عملية امتصاصٍ دائمة لشروط العدو وإملاءاته.
الجنوب المتروك: حين تُترك القرى تحت النار بلا حماية
أولى علامات الانحدار ظهرت مع الامتناع عن إرسال الجيش اللبناني إلى الحدود فور إعلان وقف إطلاق النار. تُرك الجنوب مكشوفاً، فيما استغل الاحتلال المهلة التي منحها لنفسه تحت الرعاية الأمريكية ليواصل تدمير القرى ونسف البيوت والبنية التحتية على مدى ستين يوماً كاملة. لم يكن الأمر عجزاً تقنياً فقط، بل غياباً للإرادة السياسية في فرض أي معادلة سيادية.
وفي موازاة ذلك، سكتت السلطة عن احتلال خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، وعن التوغلات المتكررة لدوريات العدو في القرى الأمامية، حتى باتت آليات الاحتلال تمرّ أمام حواجز الجيش اللبناني من دون ردّ أو اعتراض أو حتى بيان احتجاج جدي.
خمسمئة اغتيال تحت عنوان “وقف إطلاق النار”
أي وقف نار هذا الذي شهد مئات عمليات الاغتيال داخل المناطق المدنية؟ أكثر من خمسمئة عملية استهداف جرت فيما السلطة اللبنانية تتحدث عن “التهدئة” و”الالتزام بالاتفاق”. لم تتحرك الدبلوماسية اللبنانية بما يوازي حجم المجازر، ولم يُستخدم أي ضغط سياسي أو قانوني أو دولي لفضح الجرائم أو وقفها، وكأن دماء اللبنانيين أصبحت بنداً هامشياً في دفتر التفاوض.
القرى المدمرة بقيت على حالها، والسلطة امتنعت عن أي خطة جدية لإعادة الإعمار، استجابةً مباشرة أو غير مباشرة لتهديدات الاحتلال. الأخطر أن هذا الامتناع لم يكن مقابل أي مكسب سياسي أو أمني أو إنساني للبنان، بل جاء في إطار سياسة الخضوع المسبق، حيث تُنفذ الرغبات الصهيونية قبل أن تتحول حتى إلى مطالب رسمية.
تنفيذ الالتزامات اللبنانية… رغم انهيار الاتفاق من الطرف الآخر
بينما كان الاحتلال يخرق كل بنود وقف الحرب، واصل الحكم اللبناني تنفيذ التزاماته كاملة، وكأن الاتفاق ملزم لطرف واحد فقط. جرى التجاوب مع طلبات تفتيش المواقع والأماكن، حتى تلك التي ثبت خلوّها من أي سلاح، من دون أي مقابل أو ضمانة أو حماية للسيادة الوطنية.
بل وصل الأمر إلى حدّ تدمير الأسلحة التي سلّمتها المقاومة للجيش اللبناني بحجة أنها “أسلحة شرقية”، في مشهد يكشف حجم الارتهان السياسي، خصوصاً أن الجيش اللبناني نفسه يعتمد أساساً على أسلحة شرقية الصنع. لم تعد القضية أمنية، بل تحولت إلى استعراض طاعةٍ علني أمام الإرادة الأمريكية والصهيونية.
تبنّي رواية العدو ضد المقاومة
في واحدة من أخطر التحولات السياسية، بدأت السلطة اللبنانية تتبنى خطاب الاحتلال نفسه، عبر تحميل المقاومة مسؤولية الاعتداءات الصهيونية، رغم التزام المقاومة بمقتضيات الاتفاق وتسليمها منطقة جنوب الليطاني. هكذا لم تكتفِ السلطة بالعجز عن حماية البلد، بل انتقلت إلى توفير الغطاء السياسي للرواية المعادية، في محاولة لإعادة صياغة الوعي الوطني بما يخدم سردية الاحتلال.
حرب 2026: الانتقال من التنازل إلى الانكشاف الكامل
إذا كانت مرحلة ما بعد حرب 2024 قد كشفت ضعف السلطة، فإن حرب 2026 كشفت انهيار مفهوم السيادة بالكامل. فمنذ اللحظات الأولى، أعادت السلطة ترداد خطاب الاحتلال حول مسؤولية المقاومة، رغم إقرارها العلني بأن “طلقة واحدة لم تُطلق على الكيان خلال العهد”.
وفي الوقت نفسه، أبدت استعداداً متكرراً للتفاوض المباشر مع الاحتلال، حتى قبل وقف إطلاق النار، رغم رفض العدو نفسه لهذه الطروحات في بعض المراحل. أصبح التفاوض هدفاً بحد ذاته، لا وسيلة لحماية لبنان أو انتزاع حقوقه.
من التفاوض تحت النار إلى التفاوض بلا شروط
الأخطر كان القبول بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية بينما كانت الطائرات المعادية تواصل تدمير القرى وقتل المدنيين. جلسات تفاوض عُقدت فيما العدو يعلن صراحة أن وقف إطلاق النار ليس مطروحاً للنقاش. ومع ذلك، ذهبت السلطة إلى الطاولة، صامتة، من دون أوراق قوة، ومن دون حتى إصدار بيانات رسمية توضح للرأي العام ما يجري باسمه.
حتى الوثيقة التي نشرتها الخارجية الأمريكية، والتي تحدثت عن “حق الاحتلال الحصري بالدفاع عن النفس”، لم تجد من السلطة اللبنانية نفياً أو توضيحاً أو اعتراضاً، وكأن الصمت أصبح سياسة رسمية لإمرار أخطر التنازلات.
الصمت على تدمير القرى… وترك الجرحى للموت
سبعة أيام كاملة استمر فيها التدمير المنهجي للقرى الأمامية قبل أن تتحرك السلطة بخجل عبر طلب إدراج المسألة ضمن بنود التفاوض. أما ذروة الانحدار الأخلاقي والسيادي، فتمثلت في الاستجابة لتهديدات الاحتلال بعدم الاقتراب من مكان استهداف الصحافية آمال خليل في الطيري، وتركها تنزف لساعات حتى استشهادها.
في تلك اللحظة، لم يعد السؤال عن ضعف السلطة فقط، بل عن معنى وجودها أساساً إذا كانت عاجزة حتى عن حماية جريحة على أرضها من أوامر العدو.
سلطة تنتظر الإذن… ووطن يُستنزف
ما جرى منذ أواخر 2024 ليس سلسلة أخطاء متفرقة، بل مسار سياسي كامل يقوم على التراجع الدائم أمام الضغوط الأمريكية والصهيونية، وعلى تحويل الدولة إلى إدارة تنفيذية لشروط الخارج. إنها سلطة تفاوض فيما الأرض محتلة، وتصمت فيما القرى تُدمَّر، وتطلب الرضا الأمريكي فيما السيادة تُسحق تحت جنازير الدبابات.
والأخطر أن هذا المسار لم يصل بعد إلى نهايته. فحين تصبح التنازلات سياسة، يتحول كل تراجع إلى مقدمة لتراجع أكبر، وكل صمت إلى إذن ضمني بمزيد من العدوان. عندها لا يعود السؤال: ماذا قدّمت السلطة من تنازلات؟ بل: ماذا بقي من مفهوم الدولة والسيادة والكرامة الوطنية؟
د. نبيلة عفيف غصن