ترامب بين الحرب والتفاوض ونصائح نتنياهو

ناصر قنديل

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التصعيد الكلامي بعد تسلّمه الرد الإيراني على الورقة الأميركية، فكتب على منصته أن الرد الإيراني «غير مقبول إطلاقًا»، وأضاف بلهجة تهديدية أن الإيرانيين «لن يضحكوا بعد الآن». وجاء ذلك بعد تسريبات نشرتها “أكسيوس” و”وول ستريت جورنال” عن مضمون الرد الإيراني الذي رفض عمليًا الشروط الأميركية الإسرائيلية الجوهرية، خصوصًا ما يتعلق بتفكيك البنية النووية الإيرانية بالكامل. في المقابل، كان بنيامين نتنياهو – الذي أجرى حواراً هاتفياً مع ترامب لمناقشة الرد الإيراني – قبل هذا الرد يدفع نحو خيار مختلف يقوم على مواصلة الحرب حتى “إزالة التهديد الإيراني نهائيًا”، أي فرض نموذج شبيه بما حدث في العراق أو ليبيا. لكن السؤال الحقيقي لم يعُد: هل تستطيع “إسرائيل” بدء الحرب؟ بل: هل تستطيع تحمّلها إذا أصبحت حربًا طويلة ومتعددة الجبهات، وخصوصًا إذا قررت أميركا التراجع خطوة إلى الخلف؟
بحسب ما نشرته “أكسيوس”، فإن الورقة الأميركية تضمّنت صيغة مؤقتة تقوم على وقف الحرب مؤقتًا وفتح تفاوض لأسابيع عدة مع تخفيف تدريجي للقيود الاقتصادية وتهدئة الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تجميد طويل لبعض الأنشطة النووية الإيرانية. لكن الرد الإيراني، وفق “وول ستريت جورنال”، رفض أي صيغة تعني استسلامًا استراتيجيًا، وقبل فقط بمبدأ التفاوض المتبادل من دون التخلي عن جوهر البرنامج النووي أو عن حق التخصيب. هنا ظهرت معضلة ترامب: إما القبول بتسوية لا تحقق الشروط الإسرائيلية، وإما الذهاب إلى حرب لا تملك واشنطن نفسها ضمانات لنهايتها.
نتنياهو يقدّم الحرب بوصفها فرصة تاريخية لـ«إنهاء الخطر الإيراني»، لكن الوقائع العسكرية والسياسية لا تقول ذلك. فالحرب الجوية، مهما بلغت شدّتها، لا تسقط نظامًا بحجم إيران، كما قالت التجربة، ولا تنتج استسلامًا لدولة تعتبر نفسها في معركة سيادية ووجودية كما أكدت إيران بعد اغتيال أغلبية قادتها وأبرزهم. بل إن أقصى ما يمكن أن تحققه هو تعطيل مؤقت، واستنزاف اقتصادي، وفتح الباب أمام ردود إيرانية متصاعدة ينضم فيها إقفال مضيق باب المندب إلى مضيق هرمز، ويستهدف فيها كلًا من “إسرائيل” ودول الخليج، ويشتعل خلالها البحر الأحمر، ويتشارك فيها العراق واليمن ولبنان. ولذلك فإن العودة إلى الحرب تعني عمليًا العودة بعد أشهر إلى طاولة تفاوض مشابهة للطاولة الحالية، ولكن بكلفة أعلى وخسائر أكبر.
في قلب هذه المعادلة تقف “إسرائيل” أمام سؤال الجغرافيا والديموغرافيا والتحمل النفسي. فإن “إسرائيل”، التي تسيطر على مساحة لا تتجاوز 22 ألف كيلومتر مربع، وتركيزها السكاني والاقتصادي الشديد في الساحل والوسط، ليست دولة تستطيع التعايش طويلًا مع حرب استنزاف متعددة الجبهات. أي إصابة متكررة للموانئ، المطارات، الكهرباء، منشآت الغاز، أو قواعد الجو، لا تحتاج إلى احتلال عسكري كي تُحدث شللًا اقتصاديًا ونفسيًا. ولهذا فإن الحرب مع إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية بالنسبة للإسرائيليين، بل اختبار لقدرة المجتمع نفسه على الاستمرار في الحياة الطبيعيّة، خصوصاً أنها حرب لا تشترك فيها أميركا.
رغم أن استطلاعات الرأي الإسرائيلية تظهر تأييدًا مرتفعًا للحرب عندما تكون أميركا جزءًا مباشرًا منها، لكن المزاج يتغيّر عندما يُطرح احتمال أن تتحوّل الحرب إلى مواجهة إسرائيلية شبه منفردة. والإسرائيليون يدركون أن الحرب مع إيران ليست كالحروب السابقة في غزة أو لبنان؛ إنها حرب تتعلق بالصواريخ البعيدة، والطاقة، والموانئ، والاقتصاد، والملاحة، والردود الإقليمية المتشعبة. ولهذا فإن السؤال الذي بدأ يظهر داخل الإعلام الإسرائيلي ليس: “هل نضرب إيران؟” بل: “إلى متى تستطيع “إسرائيل” البقاء وحدها في هذه الحرب؟”.
هنا تظهر خيارات ترامب الحقيقية. الخيار الأول هو التصعيد الإعلامي والضغط النفسي لتحسين شروط التفاوض، ثم العودة إلى الطاولة عبر وسطاء مثل الصين التي يزورها بعد أيام، تمهيدًا للعودة إلى طاولة مفاوضات ترعاها باكستان وتشارك فيها – ولو من خلف الكواليس – قطر. وهذا الخيار يبدو الأقرب إلى شخصية ترامب الذي يفضّل دائمًا الجمع بين التهديد وصفقة اللحظة الأخيرة. والخيار الثاني هو إعلان “نصر أميركي” أحادي الجانب: أي القول إن الضربات دمّرت القدرات الإيرانية الأساسية، وإن واشنطن ستراقب أي إعادة بناء، ثم تخفيف الانخراط العسكري المباشر. لكن هذا الخيار يترك “إسرائيل” في مواجهة حرب مفتوحة مع إيران ومحور المقاومة، ويُبقي هرمز ورقة ضغط إيرانية دائمة.
أما الخيار الثالث، فيقوم على تفويض “إسرائيل” بمواصلة الحرب مع استمرار الدعم الأميركي اللوجستي والاستخباري فقط. وهذا يخفف العبء المباشر عن واشنطن، لكنه يحوّل “إسرائيل” إلى دولة تخوض حرب استنزاف مفتوحة في بيئة إقليمية معادية، من دون أفق حسم واضح.

وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية الكبرى: “إسرائيل” تستطيع بدء حرب متعدّدة الجبهات، لكنها لا تستطيع امتلاك نهايتها.
رغم الإنكار، يبدو أن الحرب وصلت إلى لحظة الحقيقة السياسية. فلا إيران سقطت، ولا التخصيب انتهى، ولا “إسرائيل” حصلت على أمن دائم، ولا أميركا وجدت طريقًا مضمونًا للحسم. ولذلك فإن كل تهديدات ترامب الأخيرة قد تكون جزءًا من رفع السقف قبل العودة إلى التفاوض، لا مقدمة لحرب شاملة جديدة؛ لأن السؤال الذي يواجه واشنطن وتل أبيب معًا لم يعُد: كيف تبدأ الحرب؟ بل: كيف تنتهي؟ إلا إذا استعملنا في التحليل ما يُسمّى بالاستثناء الذي يصبح قاعدة بالقول إنه دونالد ترامب!