الحرب… غربال الأقنعة السَّاقطة.
——————————————
حين تشتعلُ الجهاتُ
وتنادي الأرضُ أبناءَها بأسمائهم الأولى،
تخرجُ الحربُ من كهفها
لا كسيفٍ فقط،
بل كعينٍ هائلةٍ
تُبصرُ ما كان مستورًا.

في البدءِ
يتقدَّمُ الجميعُ نحو الضَّوء،
يتزاحمون على هيئةِ الأبطال،
أصواتُهم أعلى من الرصاص،
وأحلامُهم أكبرُ من الخريطة،
لكنَّ الامتحانَ
لا يُقاسُ بالصوت،
بل بما يبقى
حين يسقطُ الصدى.

هناك—
حين يضيقُ الأفقُ
ويصبحُ القلبُ
هو المسافةَ الوحيدة—
تنكشفُ المعادن:
هذا حجرٌ
لا يتزحزح،
وهذا رمادٌ
كان يتخفَّى في هيئةِ صخر.

ويظهرُ آخرون
لم تُخِفْهم الحربُ بقدرِ
ما أغرتهم النجاةُ،
فنسجوا من الخوفِ
معاطفَ منطق،
وقالوا:
“الحكمةُ أن نخفضَ رؤوسَنا
كي تمرَّ العاصفة”،
لكنهم نسوْا
أنَّ العواصفَ
تعتادُ الانحناء.

وقالوا:
“الحياةُ أولى من الكرامة”،
كأنَّ الحياةَ
جسدٌ بلا ظلٍّ،
كأنَّ الروحَ
يمكنُ أن تعيشَ
وقد فقدتْ اسمَها.

وقالوا:
“لنحفظْ ما تبقَّى”،
وكانوا في الخفاءِ
يبدِّدونَ المعنى،
يبيعونَ الغدَ
بثمنِ اليوم.

يمسكونَ أقلامهم
كما يُمسكُ الغريقُ قشَّةً،
ويكتبونَ على الماء:
أنَّ الهزيمةَ احتمال،
وأنَّ الاستسلامَ تأويل،
وأنَّ الطريقَ إلى القيود
قد يكونُ أقصرَ من الألم.

ويُكثرونَ من الأسماء:
يسمُّونَ الجبنَ
تعقّلًا،
والتَّراجعَ
مرونة،
والخضوعَ
قراءةً واقعيَّةً للرِّيح،
كأنَّ الكلماتِ
قادرةٌ أن تغيِّرَ
طبيعةَ السقوط.

وحولهم
تلتفُّ وجوهٌ بسيطة،
تبحثُ عمَّن يفسِّرُ العتمة،
فتأخذُ عنهم الضوءَ المكسور،
وتحفظُ عنهم
لغةَ الانكسار،
وتظنُّ—لشدَّةِ ما زيَّنوها—
أنَّ القيودَ
قد تكونُ شكلًا آخرَ من النجاة.

وفي الزوايا،
يمضي الذين لا يتكلَّمون كثيرًا،
يحملون الأرضَ في صدورهم،
لا يشرحون معنى الثبات،
بل يعيشونه،
كشجرةٍ
تضربُ جذورها في الغيب،
وترفعُ رأسها
ولو انكسرتِ الفروع.

الحربُ—
ليست نارًا فقط،
إنَّها غربالُ السرائر،
يمرُّ عليه الجميع،
فتسقطُ الادِّعاءاتُ
كما يسقطُ الغبار،
ويبقى
ما كان ممتلئًا
بشيءٍ لا يُشترى.

فإن كان للحرب من فائدة،
فهي أنَّها تقولُ بصوتٍ لا يُكذَّب:
ليس كلُّ من رفعَ الشعارَ
حملَ المعنى،
وليس كلُّ من كتبَ
كان شاهدًا،
وأنَّ الحقيقةَ
تظهرُ كاملةً
حين تضيقُ بها الطُّرق.
*
خضر ضيا